في أجواء روحانية مهيبة، وتزامنًا مع احتفالات الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بعيد الميلاد المجيد، شهدت كاتدرائية ميلاد المسيح بالعاصمة الإدارية الجديدة، أكبر كاتدرائية في الشرق الأوسط، قداس عيد الميلاد الذي ترأسه قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وسط مشاركة واسعة من أحبار وأساقفة الكنيسة، وحضور كثيف لآلاف المصلين القادمين من مختلف محافظات الجمهورية.

وبدأت مراسم قداس عيد الميلاد مساء السادس من يناير داخل الكاتدرائية، التي تحولت منذ افتتاحها إلى رمز ديني وثقافي يعكس مكانة مصر التاريخية ودورها الممتد في احتضان التنوع الديني وترسيخ قيم المواطنة والتعايش المشترك. وشارك في الصلوات لفيف من المطارنة والأساقفة والكهنة، إلى جانب حضور شعبي كبير، حيث امتلأت قاعات الكاتدرائية بالمصلين الذين توافدوا منذ الساعات الأولى للمشاركة في هذا الحدث الروحي الأهم في التقويم الكنسي.

وشهدت أجواء القداس حالة من الخشوع والسكينة، امتزجت بفرحة العيد، في مشهد يعكس عمق الإيمان وقوة الروابط الروحية التي تجمع أبناء الكنيسة، وسط تنظيم دقيق وإجراءات خدمية وأمنية ساهمت في توفير أجواء آمنة ومهيأة للاحتفال.

مشاركة الرئيس.. فرحة الأقباط ورسالة وطنية

وشهد قداس عيد الميلاد حضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي حرص كعادته على مشاركة الأقباط فرحتهم بالعيد، في تقليد سنوي بات يحمل دلالات وطنية عميقة، ويعكس روح الوحدة الوطنية والتلاحم بين القيادة السياسية والشعب المصري بمختلف أطيافه.

واستقبل المصلون الرئيس بترحيب واسع وتصفيق حار، في مشهد عكس مشاعر الفرح والاعتزاز بهذه الزيارة التي تؤكد دعم الدولة لمبدأ المواطنة والمساواة، وترسخ رسالة مفادها أن المصريين جميعًا شركاء في الوطن، تجمعهم المحبة وتوحدهم القيم الإنسانية المشتركة.

وأكدت مشاركة الرئيس في قداس عيد الميلاد الرسائل التي تحرص الدولة المصرية على توجيهها داخليًا وخارجيًا، بأن مصر وطن يتسع لجميع أبنائه دون تمييز، وأن المناسبات الدينية تمثل فرصة متجددة لتأكيد وحدة النسيج الوطني، وتعزيز ثقافة التعايش والاحترام المتبادل.

عظة البابا تواضروس.. السلام والمحبة أساس البناء

وخلال القداس، ألقى قداسة البابا تواضروس الثاني عظة عيد الميلاد، التي تناول فيها المعاني الروحية العميقة للميلاد، مؤكدًا أن السلام والمحبة والتسامح هي جوهر الرسالة التي جاء بها السيد المسيح، وداعيًا إلى التمسك بالقيم الإنسانية في مواجهة التحديات المختلفة.

وشدد البابا على أهمية العمل المشترك من أجل بناء مجتمع يسوده التفاهم والاحترام، وتغلب فيه لغة الحوار على الخلاف، مؤكدًا أن الأعياد الدينية تمثل فرصة لتجديد الإيمان وبث الأمل في النفوس. كما وجّه التهنئة للشعب المصري كافة، داعيًا الله أن يحفظ مصر وينعم عليها بالأمن والاستقرار.

القس بطرس فؤاد: الميلاد رسالة سلام وفرح لكل البشر

وفي سياق متصل، أكد القس بطرس فؤاد، كاهن كنيسة الكوكبان الأنبا بيشوي والأنبا كاراس بمدينة النور وعضو مجلس كنائس مصر، أن عيد الميلاد المجيد يمثل إشراقة جديدة للحياة وبداية لعام يحمل الأمل والسلام والتفاؤل.

وأوضح القس بطرس فؤاد أن بشارة الميلاد “المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة” تجسد المعنى الحقيقي لميلاد السيد المسيح، الذي جاء ليمنح العالم الفرح والأمان والسلام، مشيرًا إلى أن الميلاد لا يقتصر على كونه مناسبة دينية، بل يحمل معاني عميقة للخلاص والفداء وتجديد الحياة.

وأضاف أن هذه المناسبة تمنح الإنسان فرصة جديدة للنظر إلى الحياة بروح مملوءة بالأمل، وتؤكد أن السلام الحقيقي يبدأ من الداخل، ثم ينعكس على المجتمع بأكمله. كما أشار إلى أن قداس عيد الميلاد بما يحمله من طقوس روحية وأجواء إيمانية يمثل فرحة خاصة للمسيحيين، ويعيد التأكيد على قيم المحبة والسلام.

مشاركة الرئيس.. فرحة خاصة ودلالة عميقة

وأعرب القس بطرس فؤاد عن اعتزازه الكبير بمشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في احتفالات عيد الميلاد، مؤكدًا أن هذه الزيارة السنوية تضيف فرحة خاصة للعيد، وتعكس صورة مصر الحديثة القائمة على المواطنة والاحترام المتبادل.

واختتم حديثه متمنيًا أن تكون أيام عيد الميلاد أيام بركة وتجديد لكل المصريين، وأن يعم السلام والأمان والطمأنينة، وهي الرسالة التي جاء بها السيد المسيح بميلاده، لتظل مصدر رجاء وأمل للجميع.

كاتدرائية ميلاد المسيح.. رمز للعبادة والوحدة

وتُعد كاتدرائية ميلاد المسيح بالعاصمة الإدارية الجديدة واحدة من أبرز الإنجازات المعمارية الدينية في مصر خلال السنوات الأخيرة، حيث تجمع بين الطراز القبطي الأصيل والحداثة المعمارية، وتستوعب آلاف المصلين، ما جعلها قبلة رئيسية للاحتفالات الكبرى، وعلى رأسها قداس عيد الميلاد المجيد.

ومع انتهاء القداس، استمرت مظاهر الاحتفال داخل محيط الكاتدرائية، حيث حرص العديد من المصلين على التقاط الصور التذكارية وتبادل التهاني، في أجواء اتسمت بالبهجة والتنظيم. وفي يوم العيد، توافد الأقباط منذ الصباح لتقديم التهنئة لقداسة البابا تواضروس الثاني، في تقليد كنسي واجتماعي راسخ يعكس علاقة القرب والمحبة بين البابا وأبنائه.

وشهدت الكاتدرائية حضورًا متنوعًا من مختلف الفئات العمرية، حيث اجتمع الشباب وكبار السن والأطفال في صورة تؤكد أن عيد الميلاد مناسبة جامعة تتجاوز حدود الطقوس الدينية، لتصبح احتفالًا اجتماعيًا وإنسانيًا يعزز قيم التواصل والترابط.

عيد الميلاد خارج الحدود.. رسالة مصرية للعالم

وفي السياق ذاته، قدم السفير الدكتور طارق دحروج، سفير جمهورية مصر العربية في باريس، التهنئة لنيافة الأنبا مارك، أسقف عام باريس وشمال إفريقيا، بمناسبة عيد الميلاد المجيد، خلال مشاركته في قداس عيد الميلاد بكاتدرائية السيدة العذراء مريم والملاك رافائيل في فرنسا.

ونقل السفير طارق دحروج تهنئة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أقباط مصر بالخارج، متمنيًا لهم الخير والبركات، ولمصر دوام الرخاء والازدهار. وأعرب عن اعتزازه بمشاركته الأولى مع أبناء الجالية القبطية في فرنسا، مشيدًا بالدور الروحي والوطني الذي تضطلع به الكنيسة القبطية في ربط أبناء الجالية بجذورهم وتعزيز قيم الانتماء.

وأكد أن هذا اللقاء يجسد صورة مصر التي تتسع للجميع، والتي كتب تاريخها المسلمون والمسيحيون معًا، مشددًا على أن أبناء الجالية المصرية في الخارج يمثلون سفراء لقيم مصر وصورتها المشرفة في المجتمعات التي يعيشون فيها.

ميلاد يجدد العهد بالوحدة

ويؤكد المشهد العام لاحتفالات عيد الميلاد المجيد، داخل مصر وخارجها، أن الكنيسة القبطية تواصل أداء دورها الروحي والوطني، وأن هذه المناسبة تمثل تجسيدًا حيًا للوحدة الوطنية والتعايش المشترك، في وطن يجمع أبناءه على المحبة والسلام، ويجدد مع كل ميلاد عهده بأن مصر ستظل وطنًا للجميع.

طباعة شارك عيد الميلاد اجازة عيد الميلاد عيد الميلاد المجيد

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: عيد الميلاد اجازة عيد الميلاد عيد الميلاد المجيد عید المیلاد المجید قداس عید المیلاد البابا تواضروس مشارکة الرئیس

إقرأ أيضاً:

الحج وثورة التوحيد.. من امتحان الذبيح إلى ميلاد الإنسان الحر

إذا كان الحج الأكبر يمثل الإعلان التاريخي لرسالة التوحيد في بعدها الكوني، فإن يوم النحر وقصة الذبيح يكشفان عن البعد الوجودي العميق لهذه الرسالة؛ حيث يتحول الإيمان من مجرد اعتقاد إلى امتحان للحرية الداخلية وقدرة الإنسان على تجاوز أصنامه الخفية.

وفي هذا الجزء الثاني والأخير، يواصل الكاتب والباحث التونسي عبد العزيز التميمي استكشاف المعاني الفلسفية والإنسانية للتجربة الإبراهيمية، من خلال قراءات نخبة من المفكرين الذين رأوا في قصة إبراهيم وإسماعيل مدرسة للتحرر الأخلاقي والروحي، وإعلانا تاريخيا عن تكريم الإنسان وإنهاء منطق القربان والاستعباد. إنها رحلة فكرية تربط بين التوحيد والحرية، وبين الحج والاستخلاف، وبين الرسالة الإبراهيمية وأسئلة الإنسان المعاصر الباحث عن العدالة والمعنى والكرامة.

الامتحان الوجودي لإبراهيم عليه السلام

ومن فلسفة الحج الأكبر نمر إلى شعيرة يوم النحر التي شكلت تمثيلا رمزيا لقصة إبراهيم مع ابنه الذبيح. وتبرز هنا رؤية الشيخ محمد الطاهر بن عاشور الذي تناول القصة باعتبارها امتحانًا وجوديًا يكشف حدود العلاقة بين الإنسان وربه، وبين العاطفة الإنسانية والتكليف الإلهي. فإبراهيم عند ابن عاشور يمثل الإنسان الذي بلغ ذروة اليقين بعد رحلة طويلة من البحث العقلي ومواجهة الوثنية والكواكب والسلطات، ثم جاء امتحان الذبيح ليكون الامتحان الأعلى: هل يستطيع الإنسان أن يقدّم إرادة الحق على أعمق روابطه الوجدانية؟ لذلك فإن رمزية الذبيح لا تعني تمجيد التضحية الدموية، بل تعني تحرير الإنسان من أن تتحول العاطفة أو الملكية أو الأبناء إلى أصنام جديدة تنافس مركزية الله في الضمير الإنساني.

في يوم الحجّ الأكبر، حيث تتوحّد الأرواح حول معنى إبراهيم بوصفه أبا الحرية والتوحيد والكرامة الإنسانية، تبدو تونس الجريحة وكأنّها تقف على تخوم امتحان تاريخي قاسٍ؛ تونس التي أُنهكت سياسيًا، واستُنزفت اقتصاديًا، وامتلأت سجونها بالمثقفين والسياسيين وأصحاب الرأي، فيما يواجه شبابها البطالة وشظف العيش والخوف والفراغ الوجودي وانكسار الأمل.ومن هذا المنظور، يفسر ابن عاشور نهاية القصة ـ  حين فُدي الذبيح وارتفع البلاء ـ بوصفها إعلانًا قرآنيًا عن انتقال البشرية من منطق القرابين البشرية إلى منطق الرحمة والتزكية الأخلاقية. فالغاية لم تكن قتل الابن، وإنما بناء إنسان قادر على تجاوز أنانيته وخوفه وتعلقه المرضي بالعالم. ولهذا تصبح قصة إبراهيم عند ابن عاشور درسًا بشريًا كونيًا: فكل إنسان يُبتلى بصورة من صور “الذبيح” في حياته، أي بشيء يحبه حدَّ التقديس، ثم يُطلب منه أن يعيد ترتيب علاقته به وفق ميزان القيم والمعنى. وهنا تظهر عبقرية الرمز الإبراهيمي في القرآن؛ إذ يتحول الامتحان من حادثة فردية إلى فلسفة إنسانية تؤكد أن الإيمان الحقيقي لا يُلغي الحب الإنساني، بل يطهّره من التملك والعبودية ويجعله مندرجًا داخل أفق أخلاقي وروحي أوسع.

كل إنسان يحمل إسماعيله بداخله

لم يكن النبي إبراهيم ـ عند علي شريعتي ـ  مجرد شخصية دينية في التاريخ، بل هو رمز الإنسان الثائر الذي يخوض معركة التحرر الوجودي ضد كل أشكال الأصنام؛ أصنام السلطة، والتقاليد الجامدة، والخوف، وحتى أصنام النفس ذاتها. لذلك كان شريعتي يقرأ قصة الذبيح بوصفها ذروة الامتحان الإنساني، حيث يُدعى الإنسان إلى تجاوز تعلقه بأعز ما يملك من أجل الانتصار للقيمة المطلقة والمعنى الأعلى. فإبراهيم عنده لم يكن أبًا يختبر الطاعة فقط، بل إنسانًا يعيش مأساة الاختيار بين العاطفة الطبيعية والنداء الإلهي، بين الامتلاك والتحرر، بين الأرضي والمطلق. ومن هنا تتحول قصة الذبح إلى دراما وجودية تكشف أن الإيمان الحقيقي ليس شعورًا ساكنًا، بل عبور مؤلم نحو الحرية الروحية.

وعلى الصعيد البشري، اعتبر شريعتي أن رمزية الذبيح تعني أن كل إنسان يحمل في داخله "إسماعيله" الخاص؛ أي الشيء الذي يتعلق به إلى درجة العبودية: السلطة، المال، الشهرة، الأيديولوجيا، أو حتى الذات المتضخمة. لذلك فإن امتحان إبراهيم ليس حادثة تاريخية منتهية، بل تجربة إنسانية متجددة في كل عصر. فالإنسان لا يصبح حرًا، في نظر شريعتي، إلا عندما يمتلك الشجاعة للتضحية بما يستعبده داخليًا. ولهذا كان الحج عنده إعادة تمثيل رمزية لمسار إبراهيم: خروج من الذات القديمة، وتمرد على الأصنام، وسير نحو إنسانية أكثر صفاءً وعدلًا. فإبراهيم عند شريعتي هو "الإنسان النموذج" الذي حوّل الألم الشخصي إلى رسالة كونية للتحرر والكرامة والمعنى.

الذبيح وثورة الإنسان على قربانية الاستعباد

يتناول أبو يعرب المرزوقي القضية من خلال السؤال الأعظم: هل يستطيع الانسان أن يحرر علاقته بالله من كل تعلق آخر.. وفي البعد الإنساني الأوسع، يقرأ المرزوقي قصة الذبيح بوصفها إعلانًا قرآنيًا عن نهاية منطق التضحية البشرية البدائية برقاب البشر والانسان، وبداية عهد أخلاقي جديد يقوم على تحرير الإنسان من العنف المقدس. فالفداء الإلهي للابن بالكبش ليس مجرد نجاة لإسماعيل، بل هو إعلان أن الله لا يريد موت الإنسان، بل يريد ارتقاءه الروحي والأخلاقي. ومن هنا تصبح القصة درسًا في بناء الإنسان الحر الذي يوازن بين الإيمان والعقل، وبين الطاعة والمحبة، وبين الروح والتاريخ. لذلك كان إبراهيم، عند المرزوقي، أبا للتوحيد لأنه حرر الإنسان من الخضوع للطبيعة والتقاليد والقوة، وجعل العلاقة بالله أساسًا لتحرير الإنسان لا لاستعباده؛ أي إن التجربة الإبراهيمية هي في جوهرها ثورة وجودية مستمرة ضد كل ما يحول الإنسان إلى عبد لغير الحقيقة التوحيدية الالهية.

مواجهة الحضارة التشييئية الحديثة

ويرى عبد الوهاب المسيري أن رمزية النبي إبراهيم في قصة الذبيح لا يمكن اختزالها في مجرد امتحان للطاعة العمياء، بل هي لحظة وجودية كاشفة لمعنى الإنسان في علاقته بالمطلق. فإبراهيم عنده يمثل الإنسان التوحيدي الذي يتحرر من عبودية الطبيعة والأصنام والتاريخ، ليصبح قادرًا على تجاوز أكثر الروابط البشرية عمقًا، أي رابطة الأبوة، دون أن يفقد إنسانيته. ولذلك فإن مشهد الذبح ليس تمجيدًا للعنف أو إلغاءً للعاطفة الإنسانية، وإنما هو اختبار لمعنى الإيمان حين يدخل في صراع مع التعلقات الأرضية التي قد تتحول إلى أصنام نفسية خفية. وقد كان المسيري يربط هذه القصة بنقده للحضارة المادية و التشييئية الحديثة التي تجعل الإنسان شيئا تافها وأسيرًا للرغبة والمنفعة والأنانية، بينما يقدم إبراهيم نموذج الإنسان الذي يسمو بالقيم والمعنى على الغريزة والمصلحة.

ومن هذا المنظور، كان المسيري يعتبر أن النهاية القرآنية للقصة ـ أي افتداء الذبيح ـ تحمل دلالة إنسانية وحضارية عميقة؛ فالله لا يريد الدم ولا التضحية البشرية في ذاتها، بل يريد تحرير الإنسان من الوثنية الكامنة في داخله. والعبور التاريخي نحو التحويل البشري من تقديم الوثنية رقاب الانسان فتيانا او فتيات قرابين على مذابح الالهة، من خلال الإعلان ا الابراهيمي النبوي التاريخي العظيم عن تحرير الانسان من العبودية والقربانية نحو التكريم الرباني والاستخلاف والفداء العظيم." وفديناه بذبح عظيم" /الصافات /107 ولذلك فإن الامتحان الإبراهيمي يكشف أن القيمة العليا ليست في القتل أو الفداء الجسدي، وإنما في استعداد الإنسان لتجاوز أنانيته وتقديم المعنى الأخلاقي على النزعة المادية. ولهذا كان المسيري يرى في إبراهيم رمزًا للإنسان المقاوم لكل أشكال "التشيؤ" والاختزال، لأن الإنسان الحقيقي عنده ليس كائنًا اقتصاديًا أو بيولوجيًا فقط، بل كائن أخلاقي وروحي قادر على التضحية من أجل الحقيقة والحرية والمعنى.

من الوعي الأسطوري إلى الإنسان الحر

مثل النبي إبراهيم عند حسن حنفي لحظة الانتقال من "الوعي الأسطوري" إلى "الوعي الحر"، أي من الخضوع للأعراف والسلطات الجامدة إلى ممارسة العقل والإرادة والمسؤولية. لذلك فإن امتحان الذبيح لا يُقرأ فقط كحادثة طاعة وخضوع، بل كتجربة قصوى يكشف فيها الإنسان قدرته على تجاوز التملك الأناني حتى لأحب الأشياء إليه. لقد رأى حنفي أن إبراهيم لم يكن يقدم ابنه قربانًا للموت، بل كان يقدّم ذاته القديمة، ذات الامتلاك والخوف، لكي يولد إنسان جديد قادر على التضحية في سبيل القيمة العليا والمعنى الأخلاقي.

إن مستقبل العالم لن يُبنى على سباقات السلاح والإبادة والاستغلال، بل على ولادة هذا الإنسان الجديد: إنسانٍ يرى البشرية عائلةً واحدة، ويجعل من التوحيد أساسًا للعدالة، ومن الإيمان مدخلًا لتحرير الإنسان لا لاستعباده، ومن الحج الأكبر إعلانًا دائمًا عن كرامة الإنسان ووحدة المصير البشري.وعلى الصعيد البشري، يتحول مشهد الذبح في قراءة حسن حنفي إلى دراما إنسانية كونية تتعلق بكل إنسان يعيش صراعًا بين المصلحة والإيمان، لان الفداء الإلهي في النهاية يحمل دلالة عميقة: الله لا يريد الدم ولا العنف، بل يريد ارتقاء الإنسان أخلاقيًا وروحيًا. ومن هنا تصبح تجربة إبراهيم مدرسة في بناء الإنسان المسؤول القادر على تحويل الألم والاختبار إلى معنى، وتحويل الطاعة من خضوع أعمى إلى وعي وجودي يربط الحرية بالإيمان وبالعمل التاريخي.

وختاما لهذه الرحالة الابراهيمية ـ من الطواف إلى الفداء العظيم، ومن السعي إلى الحج الأكبر ـ تتكشف حقيقةٌ مركزية مفادها أن التوحيد ليس مجرد عقيدة لاهوتية، بل مشروعٌ رباني رسالي لتحرير الإنسان من عبودية الإنسان، ومن عبودية السوق والقوة، والعنصرية والاستغلال والخوف. فإبراهيم لم يحطم الأصنام الحجرية فقط، بل دشّن ثورةً كونية ضد كلّ ما يحوّل الإنسان إلى شيءٍ أو رقمٍ أو تابعٍ في إمبراطوريات الهيمنة الحديثة. ولذلك فإن الرسالة العميقة للحج الأكبر اليوم تكمن في إعادة بناء الإنسان بوصفه كائنًا حرًّا ومسؤولًا، لا يُقاس بلونه أو قوميته أو ثروته، بل بقدرته على الشهادة على الناس من اجل الحق والعدل والكرامة. ومن هنا يصبح الحج الإبراهيمي صلة توحيدية روحية ممتدة من حنيفية ابراهيم عليه الصلاة والسلام الى رسالة خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، ويصبح الحج الإبراهيمي نداءً مفتوحًا للخروج من سجون سلاطين الكراهية وكهنة الوثنيات الجديدة، نحو أفقٍ إنساني تتساوى فيه الأرواح أمام الحقيقة الواحدة، وتتحرر فيه البشرية من منطق الاستعلاء والقهر والتشييء.

وفي هذا الأفق يولد "الإنسان الإبراهيمي ـ الإسماعيلي"؛ الإنسان الذي وعى التجربة البشرية وعيًا توحيديًا حرًّا، فعرف أن الحرية لا تتحقق بالهيمنة، بل بالتحرر الداخلي، وأن القوة الحقيقية ليست في إخضاع الآخرين، بل في تجاوز الأنا الوثنية داخل الذات. إنه الإنسان الذي يحمل ذاكرة هاجر في السعي من أجل الحياة، وشجاعة إبراهيم في مقاومة الأصنام، وصفاء إسماعيل في التسليم الواعي للمعنى الأخلاقي الأعلى، وإخلاص سارة واسحاق ويعقوب والانبياء الامرين بالقسط من بعدهم.

وبهذا المعنى فإن مستقبل العالم لن يُبنى على سباقات السلاح والإبادة والاستغلال، بل على ولادة هذا الإنسان الجديد: إنسانٍ يرى البشرية عائلةً واحدة، ويجعل من التوحيد أساسًا للعدالة، ومن الإيمان مدخلًا لتحرير الإنسان لا لاستعباده، ومن الحج الأكبر إعلانًا دائمًا عن كرامة الإنسان ووحدة المصير البشري. في يوم الحجّ الأكبر، حيث تتوحّد الأرواح حول معنى إبراهيم بوصفه أبا الحرية والتوحيد والكرامة الإنسانية، تبدو تونس الجريحة وكأنّها تقف على تخوم امتحان تاريخي قاسٍ؛ تونس التي أُنهكت سياسيًا، واستُنزفت اقتصاديًا، وامتلأت سجونها بالمثقفين والسياسيين وأصحاب الرأي، فيما يواجه شبابها البطالة وشظف العيش والخوف والفراغ الوجودي وانكسار الأمل.

غير أنّ التاريخ لا يتحرّك فقط بمنطق القهر، بل أيضًا بمنطق الانبعاث الروحي والحضاري؛ ومن هنا يظلّ الأمل التونسي معقودًا على هبّة توحيدية إبراهيمية جديدة، تعيد للإنسان قيمته، وللحرية معناها، وللثورة روحها الأخلاقية، وللديمقراطية بعدها الحضاري والإنساني. فإبراهيم لم يكن نبيَّ طقسٍ جامد، بل نبيَّ تحرّرٍ كونيّ حطّم أصنام الاستبداد والخوف والعبودية، ولذلك فإنّ استعادة المعنى الإبراهيمي اليوم في العيد الأكبر والحج الأكبر قد تكون المدخل الضروري لكي تستعيد تونس ألقها الحضاري، وتنهض من جديد بوصفها فضاءً للكرامة والعقل والحرية والأمل المستقبلي.

*إعلامي وباحث في العلوم السياسية

إقرأ أيضا: الحج الأكبر.. استعادة المعنى الإبراهيمي في زمن الاضطراب

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • تدريبات مستمرة للفئة العمرية من 7 إلى 14 سنة..  الرياضة للجميع ينظم جولة جديدة للمواي تاي بالسد 
  • فيديو عيد ميلاد سهام جلال يتصدر مواقع التواصل الاجتماعي
  • وزير الأوقاف: نعتز في مصر ببركة دخول المسيح وإبراهيم ويوسف وآل البيت الكرام إليها
  • في كنيسة سيدة العطايا.. قداس احتفالي حاشد يرأسه المطران الورشا
  • الحج وثورة التوحيد.. من امتحان الذبيح إلى ميلاد الإنسان الحر
  • بحضور البابا تواضروس الثاني.. محافظ أسيوط يشارك في احتفالية دخول السيد المسيح والعائلة المقدسة إلى مصر
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش