صراحة نيوز- د. عبدلله سرور الزعبي

لم تكن أميركا اللاتينية، يومًا، مجرّد امتدادٍ جغرافي جنوب الولايات المتحدة. فمنذ بدايات القرن التاسع عشر، أدركت واشنطن أن أمنها ونفوذها ومكانتها العالمية تمرّ عبر هذه القارة. فصيغت المبادئ، وتحوّلت الشعارات إلى أدوات دائمة للتدخّل السياسي والعسكري والاقتصادي. من مبدأ مونرو، وصولاً إلى إستراتيجية الرئيس ترامب الحديثة، ظلّ السؤال نفسه حاضراً، هل تمثّل أميركا اللاتينية شريكًا مستقلًا أم أنها الحديقة الخلفية تُدار من الشمال؟

عام 1823، أعلن الرئيس مونرو مبدأً، أصبح علامة فارقة في علاقات واشنطن بالقارة اللاتينية.

جوهره بسيط في الظاهر، لا مكان لأوروبا، وأيّ تدخل أوروبي سيُعدّ تهديدًا مباشرًا لأمن الولايات المتحدة.
ظاهريًا، جاء المبدأ لحماية الدول اللاتينية من محاولات الاستعمار الأوروبي، لكنه حمل بين سطوره فكرةً واضحة، واشنطن هي الوصيّ على القارة. لاحقاً، تحوّل المبدأ إلى قاعدة إستراتيجية تمنع نفوذ الآخرين وتمنح الولايات المتحدة اليد العليا سياسيًا واقتصاديًا، تحت عنوان الحماية، حتى وإنْ كانت مكلفة للآخرين.
مع الوقت، ترسخت العبارة الشهيرة، أميركا اللاتينية هي الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، ليس بوصفٍ جغرافي فحسب، بل باعتبارها فضاءً مغلقًا أمام القوى المنافسة. وبُني على هذه الرؤية دعم أنظمة موالية، والتدخل ضد المتمرّدة، وتشكيل منظومات اقتصادية تمنح واشنطن القدرة على توجيه القرار.
عام 1904 قدّم الرئيس روزفلت، ملحق لمبدأ مونرو. لم يعد الأمر يقتصر على رفض التدخل الأوروبي، بل منح واشنطن حقّ التدخل الاستباقي داخل دول القارة إذا رأت أن الفوضى قد تفتح الباب للأوروبيين. وهكذا تحوّل شعار حماية الاستقلال اللاتيني إلى فرض الوصاية الأميركية.
عبر العقود، تغيّر الخطاب، إلا أن الفكرة بقيت حاضرة، منطقة يجب أن تظلّ تحت السيطرة، حتى لو تغيّرت الأدوات.
نتيجة ذلك، كانت هناك تدخلات عسكرية في كوبا، بعد الحرب الإسبانية-الأميركية، 1898، أصبحت كوبا عمليًا تحت وصاية واشنطن. ثم أصبحت ساحة مواجهة خلال الأزمة مع الاتحاد السوفيتي، ومحاولة إنزال خليج الخنازير. فرضت واشنطن حصارًا اقتصاديًا طويلًا لا يزال أثره قائمًا. المثال الكوبي تحول من شعار الحماية إلى نزاع ممتد لعقود.
في بنما، دعمت واشنطن الانفصال عن كولومبيا عام 1903، وبنت وسيطرت على قناة بنما حتى 1999، ثم أطاحت بنورييغا عام 1989 تحت شعار استعادة النظام. الهدف ابقاء السيطرة لضمان امتياز النفوذ الأميركي الإستراتيجي.
في المكسيك، فُضِّل أسلوب التفاوض بدل الاكراه. من نافتا 1994، إلى اتفاق ترامب، تغيّرت القواعد ولكن بقي الهدف، تجارة حرّة، لكن بشروطٍ الأفضلية لأميركا.
في تشيلي، أسقط انقلابٌ عسكري حكومة سلفادور، بدعم أميركي، خوفًا من تمدد اليسار. تشيلي أصبحت فيما بعد نموذجًا لتجربة اقتصادية ليبرالية صارمة، لكنها دفعت ثمنًا سياسيًا واجتماعيًا كبيرًا.
وفي فنزويلا، انتقلت واشنطن من الضغوط السياسية إلى العقوبات الواسعة على قطاع النفط، فاستخدم نموذج الخنق الاقتصادي. وانتهى الامر في اعتقال الرئيس مادورو من بيته الرئاسي يوم 4/1/2026. فنزويلا، ينتظرها مستقبل صعب، فسيطرة الشركات الأميركية على النفط والموارد الأخرى لا يمكن ان تتم الا إذا تعاونت الحكومة الفنزويلية، او ستعم الفوضى فيها، وتخسر فنزويلا أكثر من النفط. على الرغم من ان البنية التحية للصناعة النفطية متهالكة، الا انه استثماره، سيكون له انعكاس كبير ليس على فنزويلا او أميركا، بل على أسواق النفط العالمية، وقد ينهي منظمة أوبك، وينعكس سلباً أثره على الصين وأوروبا، ودول مجاورة أخرى وغيرها.
وتكرّر المشهد في غواتيمالا (1954)، ونيكاراغوا في الثمانينيات، وغرينادا (1983)، وجمهورية الدومينيكان (1965)، إضافة إلى تدخلات مباشرة وغير مباشرة في دول أخرى، بدوافع تتراوح بين مكافحة المخدرات، والفساد، وضمان الاستقرار، وترتيبات اقتصادية، تكرس صورة أميركا كمسيطر على القارة.
هكذا أضيفت طبقة جديدة فوق مبدأ مونرو، التدخل الوقائي باسم النظام.
خلال الحرب الباردة، أصبحت القارة ساحة صراع بين واشنطن وموسكو. وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي تغيّر الخطاب إلى الخصخصة، والإصلاحات الاقتصادية، ومكافحة الفساد، ومحارة المخدرات، لكن الجوهر بقي ثابتًا، بقاء القارة داخل المدار الأميركي.
الرئيس ترامب، لم يُلغِ الإرث القديم، بل صاغه بأسلوب أكثر مباشرة يخدم شعار أميركا أولًا. ركّز على الأمن والهجرة والحدود.  معتبرها قضايا أمن قومي. في الاقتصاد، أعاد التفاوض على الاتفاقيات، وفضّل الصفقات القصيرة الواضحة على الوعود الطويلة. لكن الرئيس ترامب، يرى ابعد من ذلك.
لكن المعركة لم تعد داخل القارة فحسب، فالحاجة دفعت دول أميركا اللاتينية للحصول على التمويل لإنشاء البنى التحتية والاستثمار من قوى أخرى، وعلى رأسها الصين، التي توسعت عبر الاستثمارات والديون. فارتفعت تجارتها مع دول القارة إلى نحو 450–480 مليار دولار بعد أن كانت أقل من 20 مليار عام 2000، وانضمت أكثر من 20 دولة لاتينية إلى مبادرة الحزام والطريق. وهكذا تحوّلت المنطقة إلى فضاء تنافسي مفتوح بدلا من ساحة أميركية خالصة. الصين وغيرها لم تعد آبهة بنظرية الحديقة الخلفية، بل اعتبار المنطقة، متعددة الشراكات، ولبناء توازنات جديدة.
هنا عاد صدى مبدأ مونرو، القارة ليست ممرًا لنفوذ الآخرين، مع الميل إلى الضغط الاقتصادي والعقوبات والتحالفات الموضعيّة بدل الاحتلالات المكلفة.
أمام هذا الواقع، تواجه دول أميركا اللاتينية خياراً تاريخياً، إما قبول الاصطفاف وفق شروط واشنطن، أو محاولة بناء استقلالٍ متوازن عبر تنويع الشركاء، مع بناء مؤسسات قوية داخليًا، تحمي القرار من الفساد وهشاشة الأحزاب وتذبذب السياسات. كما أن الاندماج الإقليمي للدول اللاتينية، لم يرتقِ لمستوى الاتحاد الأوروبي، ليشكل شرطًا للتفاوض بندّية مع القوى الكبرى. الفشل اللاتيني، يعني تكرار الدورات القديمة من الديون والانقلابات الناعمة والتبعية، ولكن بثوبٍ جديد.
رسالة واشنطن واضحة، الجزء الغربي من الكرة الأرضية خط أحمر. لكن ما الذي تعنيه السياسة الأميركية لبقية العالم؟ هل هو تقاسم أدوار، أم تصادم نفوذ؟
المشهد لا يخصّ القارة وحدها. فكما تحمي روسيا جوارها القريب، والصين بحارها الشرقية، تصرّ واشنطن على محيطها الإستراتيجي. العالم يعود إلى منطق تقاسم النفوذ بدل العولمة المفتوحة. وكلما اشتدّ الصراع على أميركا اللاتينية، زادت الانقسامات الدولية، وتقدّمت المصالح على المبادئ.
النتيجة ليست تقاسمًا هادئً للأدوار، بل سلسلة تفاوض وصراع، من حيث النفوذ الاقتصادي مقابل نفوذ أمني، وقروض واستثمارات مقابل تحالفات سياسية، وتداخل أعمق بين المحلي والعالمي. وهذا ما يجعل الدول الصغيرة والمتوسطة أمام خيارات صعبة، لكنها أيضًا تمتلك هامشاً للمناورة إذا أحسنت توزيع شراكاتها.
من جيمس مونرو إلى دونالد ترامب، لم يتغير السؤال المركزي، من يملك حق تقرير مصير أميركا اللاتينية؟ المبادئ قُدِّمت بلباس الحماية، لكن الواقع ترجم إلى صراع نفوذ طويل. واليوم، مع تمدد الصين وروسيا عبر التجارة والبنى التحتية والديون، تتشكل خريطة جديدة للنفوذ. فهل تحول القارة هذا التزاحم إلى فرصة للاستقلال والتنمية، او انها تستسلم لتاريخٍ يعيد نفسه؟ وهل ستبقى ميدانًا تتقاطع فيه الإستراتيجيات، من مونرو إلى ترامب، وما بعدهما؟
مواقف الدول اللاتينية والعالمية الكبرى ستجيب على ذلك خلال السنوات القلية المقبلة.
رغم كل المنافسة الدولية، لا تزال أميركا، تمتلك نفوذًا عميقًا تاريخيًا واقتصاديًا وأمنيًا، إذ تتجاوز تجارتها مع القارة تريليون دولار سنويًا. والسؤال المفتوح، هل ستسمح واشنطن بتحوّلٍ يُضعف تفوقها هناك؟ الجواب ببساطة. فالإستراتيجية الأميركية لم تتغير اتجاه القارة عبر العقود.
وهنا يبرز موقع الشرق الأوسط. فكما ترى واشنطن أميركا اللاتينية مجالًا خاصًا، وتشدد قبضتها هناك، تسعى القوى الكبرى لبناء نفوذ عميق في قلب العالم. الصين وروسيا والهند والاتحاد الأوروبي، سندفع بشكل أكبر للبحث عن بدائل للطاقة والغذاء والموانئ، والشرق الأوسط أحد أهمها. هذا يفرض على الدول العربية فهم الخطوط الحمراء لكل قوة، وإدارة التحالفات بذكاء، لا بالارتهان. وهذه فرصة لتعزيز الموانئ، واللوجستيات، والأمن الغذائي، والطاقة التقليدية والمتجددة.
لكن التجربة اللاتينية تحذرنا، التبعية المالية تتحول سريعًا إلى تبعية سياسية. لذا يصبح تنويع الشركاء، وربط الاستثمار بإصلاح مؤسسي حقيقي، لا بالمشاريع الرمزية، وبناء اقتصاد إنتاجي، شرطًا للحفاظ على الحد الأدنى للقرار الوطني. كما يمكن للدول العربية، إن أحسنت الحساب، تحويل التنافس الدولي إلى رافعة للتنمية بدل أن تكون ساحة للصراع.
اليوم يقف العالم بين خيارين، فرصة القرن أو إعادة إنتاج الماضي. فالصين قادمة بقوة، وأوروبا تعود بخجل، وروسيا تبحث عن موطئ قدم. الا ان الثابت اليوم، من مونرو إلى روزفلت، ومن الحرب الباردة إلى ترامب، ظلّ المضمون واحدًا، من يملك حق تحديد مستقبل أميركا اللاتينية والنفوذ في الشرق الاوسط. فمصطلح الحديقة الخلفية لأميركا اللاتينية وتقاسم الشرق الاوسط، لن يبقى قائمًا إلا بقدر ما تقبل به الشعوب.
ان اعتقال الرئيس الفنزويلي، كحدث تاريخي، سيؤدي الى تصاعد الدعوات الإقليمية للسيادة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، مع محاولات لتحويل الإرث المؤلم من التدخلات إلى فرص للإصلاح وبناء مؤسسات أقوى. فأميركا اللاتينية اليوم أمام خيار تاريخي، فإما أن تحوّل تعدد القوى إلى فرصة لتوازن الاستقلال والتنمية، أو تقبل بالتبعية بثوب جديد.
العالم يتجه الى خرائط نفوذ مرنة، وتحالفات براغماتية، ومناطق محمية تتشكل بسرعة. دول الشرق الأوسط، عليها قراءة المشهد بعمق، وتتصرف بدقة وحكمة لكن بسرعة، وبخلاف ذلك عليها ايضاً ان تقبل بالتبعية، وتخرج بأقل الأضرار قبل أن تتحول المنطقة الى ساحة مفتوحة للصراع، لا يعلم أحد أين سينتهي.
من يُحسن إدارة هذا المشهد سيكسب، ليس بالشعارات، بل ببناء مؤسسات قوية، وعقد اجتماعي متين، وتنوّع الشركاء، وربط السياسة بالاقتصاد المنتج.

*مركز عبر المتوسط للدراسات الإستراتيجية

المصدر

المصدر: صراحة نيوز

كلمات دلالية: اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي منوعات الشباب والرياضة تعليم و جامعات في الصميم ثقافة وفنون نواب واعيان علوم و تكنولوجيا اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي نواب واعيان تعليم و جامعات منوعات الشباب والرياضة توظيف وفرص عمل ثقافة وفنون علوم و تكنولوجيا زين الأردن أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام ل أمیرکا اللاتینیة الرئیس ترامب مونرو إلى نفوذ ا

إقرأ أيضاً:

ترامب: تعويض أي أضرار تلحق بالسفن والشحنات سيكون من الأموال الإيرانية المجمدة

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن أي أضرار قد تلحق بالسفن أو الشحنات أو أي ممتلكات مرتبطة بها سيتم تعويضها من الأموال الإيرانية التي تحتجزها الولايات المتحدة.

وأضاف ترامب أن الإدارة الأمريكية ستستخدم الأصول الإيرانية الخاضعة لسيطرتها لتغطية تكاليف أي خسائر ناجمة عن التطورات الأخيرة.

تصعيد أمريكي إيراني.. وانخفاض عدد السفن العابرة لمضيق هرمز

أظهرت بيانات شحن، اليوم الاثنين، انخفاض عدد السفن العابرة لمضيق هرمز في مطلع الأسبوع، بالتزامن مع تصاعد الهجمات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران في الشرق الأوسط، جاء ذلك حسبما ذكرت وكالة أنباء "رويترز".

وبحسب بيانات مجموعة بورصات لندن، عبرت أربع سفن المضيق أمس الأحد، مقارنة بثماني سفن في اليوم السابق، فيما دخلت ثلاث ناقلات منتجات نفطية على الأقل وناقلة نفط خام عملاقة إلى المضيق منذ يوم الجمعة لتحميل النفط.

وتغطي بيانات المجموعة حركة سفن الحاويات والبضائع السائبة وناقلات النفط والغاز والمواد الكيميائية وسفن نقل المركبات.

ويأتي هذا التراجع في ظل تصاعد التوترات العسكرية، إذ أعلنت الولايات المتحدة استكمال الليلة الثامنة من هجماتها ضد إيران، بينما أشارت الكويت والبحرين إلى تعرضهما لهجمات إيرانية جديدة.

وفي الأيام الأخيرة، تبادل الطرفان إجراءات استهدفت حركة الملاحة البحرية، إذ أعلنت واشنطن فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، في حين أكدت طهران أنها تستهدف السفن التي تقول إنها تنتهك قواعد الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس شحنات النفط العالمية.

وفي سياق متصل، أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بتلقي بلاغ عن اندلاع حريق على متن سفينة تبعد نحو ثمانية أميال بحرية شمال غربي منطقة كمزار في سلطنة عُمان، مشيرة إلى أن سبب الحريق لا يزال قيد التحقق.

تصاعد التوتر العسكري بين واشنطن وطهران

تأتي الضربات الجوية الأمريكية الجديدة في ظل تصاعد التوتر العسكري بين واشنطن وطهران، بعد سلسلة من الهجمات المتبادلة خلال الفترة الأخيرة. وشهدت المنطقة ارتفاعًا في مستوى التصعيد عقب استهداف قوات أمريكية في الأردن بهجمات نُسبت إلى إيران، ما أدى إلى مقتل جنديين أمريكيين وفقدان آخر، وفقًا لما أعلنته القيادة المركزية الأمريكية.

وتقول واشنطن إن تحركاتها العسكرية تهدف إلى حماية قواتها ومصالحها في المنطقة، إضافة إلى الحد من قدرات إيران على تهديد حركة الملاحة في الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم طرق نقل الطاقة عالميًا.

ويأتي هذا التطور وسط مخاوف من توسع دائرة المواجهة، في وقت تشهد فيه المنطقة تحركات عسكرية متزايدة وتبادلًا للضربات بين القوات الأمريكية والإيرانية وحلفائهما. كما أعلنت دول خليجية، من بينها الكويت والبحرين، التصدي لهجمات باستخدام صواريخ وطائرات مسيّرة، ما يعكس امتداد تداعيات التصعيد إلى محيط المنطقة.

وأكدت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أن قواتها شنت هجمات جديدة ضمن العمليات المستمرة ضد أهداف إيرانية، مشيرة إلى أن الهدف من هذه الضربات هو إضعاف القدرات العسكرية لطهران والحد من إمكاناتها العملياتية.

وفي المقابل، أفادت وسائل إعلام إيرانية بأن إحدى أبرز المناطق التي تعرضت للقصف كانت منشأة صاروخية محصنة في مدينة يزد، تعرف باسم "مدينة الصواريخ"، وهي منشأة تقع داخل منطقة جبلية وتضم تحصينات عميقة. وأشارت التقارير إلى سماع خمسة انفجارات في المدينة عقب استهداف الموقع.

كما تداولت وسائل إعلام إيرانية مقاطع مصورة قالت إنها تظهر تعرض قاعدة صاروخية تابعة للحرس الثوري في مدينة لار بمحافظة فارس للقصف، فيما ذكرت وكالة "تسنيم" أن الضربات شملت مواقع أخرى في منطقتي لار وداراب.

وامتدت التقارير عن القصف إلى مناطق أخرى، حيث تحدثت الوكالة الرسمية الإيرانية عن استهداف محيط مدينة الأهواز، بينما أعلن التلفزيون الإيراني تسجيل ثلاثة انفجارات في مدينة سيريك جنوب البلاد. كما أشارت وكالة "مهر" إلى وقوع انفجارات في مناطق بوشهر وقشم وسيريك، قبل ورود أنباء عن تجدد الانفجارات في مدينة يزد.

ولم تصدر السلطات الإيرانية حتى الآن بيانًا رسميًا يوضح حجم الأضرار أو الخسائر البشرية والمادية الناتجة عن هذه الضربات، في وقت تتواصل فيه حالة التوتر العسكري بين واشنطن وطهران وسط مخاوف من اتساع نطاق المواجهة.

كما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن قواتها شنت سلسلة جديدة من الهجمات، في إطار ما وصفته بمواصلة الضغط على البنية العسكرية الإيرانية وتقليص قدراتها العملياتية. وأوضحت أن هذه الضربات تأتي ضمن حملة عسكرية مستمرة تستهدف مواقع تعتبرها واشنطن ذات أهمية في دعم الأنشطة العسكرية الإيرانية.

وفي سياق التحركات البحرية، أفاد الجيش الأمريكي بتنفيذ عملية استهدفت برج مراقبة بحري في ميناء شهيد كلانتري بمدينة تشابهار جنوب شرقي إيران، مشيرًا إلى أن الموقع كان يستخدم ضمن منظومة مراقبة ساحلية لرصد حركة السفن في المنطقة الممتدة على ساحل خليج عمان. ووفق الرواية الأميركية، فإن هذه المنظومة كانت مرتبطة بعمليات تتبع السفن التجارية المارة بالقرب من مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

كما أعلنت واشنطن اتخاذ إجراءات إضافية مرتبطة بالقيود البحرية المفروضة على الموانئ الإيرانية، تضمنت تغيير مسارات عدد من السفن التجارية وإجراءات تفتيش وصعود إلى متن إحدى السفن، مؤكدة أن هذه الخطوات تهدف إلى تطبيق القيود المفروضة وضمان الالتزام بها.

في المقابل، تحدثت وسائل إعلام إيرانية رسمية عن وقوع انفجارات في مدينة سيريك جنوب البلاد، بينما نقلت تقارير عن الجيش الإيراني قوله إن قواته البحرية أطلقت صاروخًا باتجاه سفينة أمريكية وصفها بأنها "معادية" في شمال المحيط الهندي، في مؤشر على استمرار التوتر والاحتكاك العسكري بين الجانبين.

ويأتي التصعيد المتبادل في وقت تشهد فيه المنطقة حالة من الترقب بشأن مستقبل المواجهة بين واشنطن وطهران، مع تزايد المخاوف الدولية من انعكاسات هذه التطورات على حركة التجارة العالمية وأمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا رئيسيًا لإمدادات الطاقة العالمية.

ترامب يتوعد بهزيمة إيران وواشنطن تواصل ضرباتها وسط تصعيد عسكري 

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأربعاء، إن إيران "ستُهزم قريبا جدا"، في أحدث تصريح له بشأن المواجهة المتصاعدة بين واشنطن وطهران، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تدرس خطواتها المقبلة في ظل استمرار التوترات المرتبطة بالملف الإيراني وحركة الملاحة في مضيق هرمز.

وأوضح ترامب أن إيران، بحسب وصفه، ترغب بشدة في التوصل إلى تسوية مع الولايات المتحدة، لكنه أشار إلى أن القرار بشأن الدخول في أي اتفاق سيعود إلى واشنطن. وأضاف أنه لا يفضل وضع مواعيد نهائية، ردًا على أسئلة بشأن ما إذا كانت طهران أمام مهلة قبل أن تبدأ الولايات المتحدة بتنفيذ ضربات جديدة تستهدف بنى تحتية داخل إيران.

وقال ترامب: "لا أحب تحديد مواعيد نهائية، لكنهم يعرفون جيدًا القصة.. من الأفضل لهم أن يتصرفوا بشكل جيد"، في إشارة إلى مطالبه من الجانب الإيراني.

وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" أن القوات الأمريكية نفذت موجة ثانية من الضربات ضد إيران، موضحة أن العمليات استهدفت قدرات عسكرية إيرانية قالت واشنطن إنها تستخدم لتهديد السفن التجارية في مضيق هرمز.

وأكدت "سنتكوم" أن الضربات تأتي ضمن جهود حماية حرية الملاحة في ممر مائي وصفته بأنه حيوي للتجارة العالمية، مشيرة إلى أن الجيش الأميركي ينفذ هذه العمليات بناء على توجيهات القائد الأعلى للقوات المسلحة.

وكان الجيش الأمريكي قد أعلن في وقت سابق إطلاق موجة أخرى من الهجمات الجوية على أهداف إيرانية، مؤكدًا أن الهدف منها إضعاف القدرات التي تستخدمها إيران، وفق الرواية الأمريكية، في استهداف حركة السفن التجارية في مضيق هرمز.

من جهته، قال نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إن الولايات المتحدة لا تعتزم استخدام القوة العسكرية ضد إيران بشكل مفتوح أو لفترة غير محددة، موضحًا أن الخيار العسكري يمثل إحدى الأدوات المتاحة لتحقيق أهداف واشنطن.

وأضاف فانس أن إدارة ترامب استخدمت القوة العسكرية لتحقيق أهداف محددة، مشيرًا إلى أن واشنطن تسعى إلى ضمان استمرار تدفق النفط والغاز عبر مضيق هرمز ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، بحسب تصريحاته.

وأكد نائب الرئيس الأمريكي أن التحركات العسكرية التي اتخذتها بلاده كانت "قانونية"، موضحًا أن مسألة تغيير النظام في إيران، إذا حدثت، تعود إلى الإيرانيين أنفسهم.

وفي وقت سابق، نقلت تقارير إعلامية عن مسؤولين أمريكيين أن ترامب يميل إلى بحث خيارات لتوسيع العمليات العسكرية ضد إيران، بعد اجتماعات وإحاطات أمنية تلقاها من كبار المسؤولين في إدارته.

وبحسب تلك التقارير، تشمل الخيارات المطروحة زيادة وتيرة الضربات الجوية، واستهداف مواقع إضافية داخل إيران، إلى جانب مناقشة احتمالات تتعلق بالسيطرة على مواقع وجزر قريبة من مضيق هرمز، فضلًا عن استهداف منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.

كما أشارت التقارير إلى أن ترامب عقد اجتماعات لمناقشة سيناريوهات عسكرية مختلفة، بينها إمكانية تنفيذ عمليات ضد مواقع استراتيجية، مع استمرار بحث البدائل المتاحة أمام الإدارة الأمريكية.

ورغم طرح خيارات تصعيدية، أفادت مصادر أمريكية بأن ترامب لم يتخذ قرارًا نهائيًا بشأن الخطوات المقبلة، وأنه لا يزال يفضل التوصل إلى حل دبلوماسي، لكنه يضغط في الوقت ذاته للحصول على خيارات عسكرية يمكن استخدامها لدفع إيران إلى وقف ما تعتبره واشنطن تهديدات للملاحة في مضيق هرمز.

وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، مع استمرار التوتر حول أمن الممرات البحرية، والبرنامج النووي الإيراني، والاتهامات المتبادلة بشأن استهداف السفن التجارية في المنطقة.

مقالات مشابهة

  • ترامب: تعويض أي أضرار تلحق بالسفن والشحنات سيكون من الأموال الإيرانية المجمدة
  • وضع مبادئ توجيهية للذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية
  • أميركا تفرض عقوبات على قيادي في الإخوان وأفراد وكيانات تدعم حماس
  • ترامب الاحتياطي .. من هو الشبيه الغامض في صور الرئيس الأمريكي بعد نهائي المونديال؟
  • استخبارات غربية: إيران قد تهاجم إسرائيل استغلالاً لخلافها مع أميركا
  • قيادي بالجبهة: الرئيس السيسي نجح في ترجمة مبادئ ثورة 23 يوليو إلى مشروعات وإنجازات
  • أميركا تبلغ إسرائيل بـالتأهب وبريطانيا: جاهزون
  • كيف علّقت كتلة الوفاء للمقاومة على زيارة الرئيس عون إلى واشنطن؟
  • ترامب: أقترب من شن هجوم ضخم على إيران.. إسرائيل ستنضم خلال دقيقتين
  • إيران تنفي وجود منشأة نووية في جبل كولانج