من مبادئ جيمس مونرو إلى إستراتيجية الرئيس ترامب أميركا أولا
تاريخ النشر: 8th, January 2026 GMT
صراحة نيوز- د. عبدلله سرور الزعبي
لم تكن أميركا اللاتينية، يومًا، مجرّد امتدادٍ جغرافي جنوب الولايات المتحدة. فمنذ بدايات القرن التاسع عشر، أدركت واشنطن أن أمنها ونفوذها ومكانتها العالمية تمرّ عبر هذه القارة. فصيغت المبادئ، وتحوّلت الشعارات إلى أدوات دائمة للتدخّل السياسي والعسكري والاقتصادي. من مبدأ مونرو، وصولاً إلى إستراتيجية الرئيس ترامب الحديثة، ظلّ السؤال نفسه حاضراً، هل تمثّل أميركا اللاتينية شريكًا مستقلًا أم أنها الحديقة الخلفية تُدار من الشمال؟
عام 1823، أعلن الرئيس مونرو مبدأً، أصبح علامة فارقة في علاقات واشنطن بالقارة اللاتينية.
ظاهريًا، جاء المبدأ لحماية الدول اللاتينية من محاولات الاستعمار الأوروبي، لكنه حمل بين سطوره فكرةً واضحة، واشنطن هي الوصيّ على القارة. لاحقاً، تحوّل المبدأ إلى قاعدة إستراتيجية تمنع نفوذ الآخرين وتمنح الولايات المتحدة اليد العليا سياسيًا واقتصاديًا، تحت عنوان الحماية، حتى وإنْ كانت مكلفة للآخرين.
مع الوقت، ترسخت العبارة الشهيرة، أميركا اللاتينية هي الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، ليس بوصفٍ جغرافي فحسب، بل باعتبارها فضاءً مغلقًا أمام القوى المنافسة. وبُني على هذه الرؤية دعم أنظمة موالية، والتدخل ضد المتمرّدة، وتشكيل منظومات اقتصادية تمنح واشنطن القدرة على توجيه القرار.
عام 1904 قدّم الرئيس روزفلت، ملحق لمبدأ مونرو. لم يعد الأمر يقتصر على رفض التدخل الأوروبي، بل منح واشنطن حقّ التدخل الاستباقي داخل دول القارة إذا رأت أن الفوضى قد تفتح الباب للأوروبيين. وهكذا تحوّل شعار حماية الاستقلال اللاتيني إلى فرض الوصاية الأميركية.
عبر العقود، تغيّر الخطاب، إلا أن الفكرة بقيت حاضرة، منطقة يجب أن تظلّ تحت السيطرة، حتى لو تغيّرت الأدوات.
نتيجة ذلك، كانت هناك تدخلات عسكرية في كوبا، بعد الحرب الإسبانية-الأميركية، 1898، أصبحت كوبا عمليًا تحت وصاية واشنطن. ثم أصبحت ساحة مواجهة خلال الأزمة مع الاتحاد السوفيتي، ومحاولة إنزال خليج الخنازير. فرضت واشنطن حصارًا اقتصاديًا طويلًا لا يزال أثره قائمًا. المثال الكوبي تحول من شعار الحماية إلى نزاع ممتد لعقود.
في بنما، دعمت واشنطن الانفصال عن كولومبيا عام 1903، وبنت وسيطرت على قناة بنما حتى 1999، ثم أطاحت بنورييغا عام 1989 تحت شعار استعادة النظام. الهدف ابقاء السيطرة لضمان امتياز النفوذ الأميركي الإستراتيجي.
في المكسيك، فُضِّل أسلوب التفاوض بدل الاكراه. من نافتا 1994، إلى اتفاق ترامب، تغيّرت القواعد ولكن بقي الهدف، تجارة حرّة، لكن بشروطٍ الأفضلية لأميركا.
في تشيلي، أسقط انقلابٌ عسكري حكومة سلفادور، بدعم أميركي، خوفًا من تمدد اليسار. تشيلي أصبحت فيما بعد نموذجًا لتجربة اقتصادية ليبرالية صارمة، لكنها دفعت ثمنًا سياسيًا واجتماعيًا كبيرًا.
وفي فنزويلا، انتقلت واشنطن من الضغوط السياسية إلى العقوبات الواسعة على قطاع النفط، فاستخدم نموذج الخنق الاقتصادي. وانتهى الامر في اعتقال الرئيس مادورو من بيته الرئاسي يوم 4/1/2026. فنزويلا، ينتظرها مستقبل صعب، فسيطرة الشركات الأميركية على النفط والموارد الأخرى لا يمكن ان تتم الا إذا تعاونت الحكومة الفنزويلية، او ستعم الفوضى فيها، وتخسر فنزويلا أكثر من النفط. على الرغم من ان البنية التحية للصناعة النفطية متهالكة، الا انه استثماره، سيكون له انعكاس كبير ليس على فنزويلا او أميركا، بل على أسواق النفط العالمية، وقد ينهي منظمة أوبك، وينعكس سلباً أثره على الصين وأوروبا، ودول مجاورة أخرى وغيرها.
وتكرّر المشهد في غواتيمالا (1954)، ونيكاراغوا في الثمانينيات، وغرينادا (1983)، وجمهورية الدومينيكان (1965)، إضافة إلى تدخلات مباشرة وغير مباشرة في دول أخرى، بدوافع تتراوح بين مكافحة المخدرات، والفساد، وضمان الاستقرار، وترتيبات اقتصادية، تكرس صورة أميركا كمسيطر على القارة.
هكذا أضيفت طبقة جديدة فوق مبدأ مونرو، التدخل الوقائي باسم النظام.
خلال الحرب الباردة، أصبحت القارة ساحة صراع بين واشنطن وموسكو. وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي تغيّر الخطاب إلى الخصخصة، والإصلاحات الاقتصادية، ومكافحة الفساد، ومحارة المخدرات، لكن الجوهر بقي ثابتًا، بقاء القارة داخل المدار الأميركي.
الرئيس ترامب، لم يُلغِ الإرث القديم، بل صاغه بأسلوب أكثر مباشرة يخدم شعار أميركا أولًا. ركّز على الأمن والهجرة والحدود. معتبرها قضايا أمن قومي. في الاقتصاد، أعاد التفاوض على الاتفاقيات، وفضّل الصفقات القصيرة الواضحة على الوعود الطويلة. لكن الرئيس ترامب، يرى ابعد من ذلك.
لكن المعركة لم تعد داخل القارة فحسب، فالحاجة دفعت دول أميركا اللاتينية للحصول على التمويل لإنشاء البنى التحتية والاستثمار من قوى أخرى، وعلى رأسها الصين، التي توسعت عبر الاستثمارات والديون. فارتفعت تجارتها مع دول القارة إلى نحو 450–480 مليار دولار بعد أن كانت أقل من 20 مليار عام 2000، وانضمت أكثر من 20 دولة لاتينية إلى مبادرة الحزام والطريق. وهكذا تحوّلت المنطقة إلى فضاء تنافسي مفتوح بدلا من ساحة أميركية خالصة. الصين وغيرها لم تعد آبهة بنظرية الحديقة الخلفية، بل اعتبار المنطقة، متعددة الشراكات، ولبناء توازنات جديدة.
هنا عاد صدى مبدأ مونرو، القارة ليست ممرًا لنفوذ الآخرين، مع الميل إلى الضغط الاقتصادي والعقوبات والتحالفات الموضعيّة بدل الاحتلالات المكلفة.
أمام هذا الواقع، تواجه دول أميركا اللاتينية خياراً تاريخياً، إما قبول الاصطفاف وفق شروط واشنطن، أو محاولة بناء استقلالٍ متوازن عبر تنويع الشركاء، مع بناء مؤسسات قوية داخليًا، تحمي القرار من الفساد وهشاشة الأحزاب وتذبذب السياسات. كما أن الاندماج الإقليمي للدول اللاتينية، لم يرتقِ لمستوى الاتحاد الأوروبي، ليشكل شرطًا للتفاوض بندّية مع القوى الكبرى. الفشل اللاتيني، يعني تكرار الدورات القديمة من الديون والانقلابات الناعمة والتبعية، ولكن بثوبٍ جديد.
رسالة واشنطن واضحة، الجزء الغربي من الكرة الأرضية خط أحمر. لكن ما الذي تعنيه السياسة الأميركية لبقية العالم؟ هل هو تقاسم أدوار، أم تصادم نفوذ؟
المشهد لا يخصّ القارة وحدها. فكما تحمي روسيا جوارها القريب، والصين بحارها الشرقية، تصرّ واشنطن على محيطها الإستراتيجي. العالم يعود إلى منطق تقاسم النفوذ بدل العولمة المفتوحة. وكلما اشتدّ الصراع على أميركا اللاتينية، زادت الانقسامات الدولية، وتقدّمت المصالح على المبادئ.
النتيجة ليست تقاسمًا هادئً للأدوار، بل سلسلة تفاوض وصراع، من حيث النفوذ الاقتصادي مقابل نفوذ أمني، وقروض واستثمارات مقابل تحالفات سياسية، وتداخل أعمق بين المحلي والعالمي. وهذا ما يجعل الدول الصغيرة والمتوسطة أمام خيارات صعبة، لكنها أيضًا تمتلك هامشاً للمناورة إذا أحسنت توزيع شراكاتها.
من جيمس مونرو إلى دونالد ترامب، لم يتغير السؤال المركزي، من يملك حق تقرير مصير أميركا اللاتينية؟ المبادئ قُدِّمت بلباس الحماية، لكن الواقع ترجم إلى صراع نفوذ طويل. واليوم، مع تمدد الصين وروسيا عبر التجارة والبنى التحتية والديون، تتشكل خريطة جديدة للنفوذ. فهل تحول القارة هذا التزاحم إلى فرصة للاستقلال والتنمية، او انها تستسلم لتاريخٍ يعيد نفسه؟ وهل ستبقى ميدانًا تتقاطع فيه الإستراتيجيات، من مونرو إلى ترامب، وما بعدهما؟
مواقف الدول اللاتينية والعالمية الكبرى ستجيب على ذلك خلال السنوات القلية المقبلة.
رغم كل المنافسة الدولية، لا تزال أميركا، تمتلك نفوذًا عميقًا تاريخيًا واقتصاديًا وأمنيًا، إذ تتجاوز تجارتها مع القارة تريليون دولار سنويًا. والسؤال المفتوح، هل ستسمح واشنطن بتحوّلٍ يُضعف تفوقها هناك؟ الجواب ببساطة. فالإستراتيجية الأميركية لم تتغير اتجاه القارة عبر العقود.
وهنا يبرز موقع الشرق الأوسط. فكما ترى واشنطن أميركا اللاتينية مجالًا خاصًا، وتشدد قبضتها هناك، تسعى القوى الكبرى لبناء نفوذ عميق في قلب العالم. الصين وروسيا والهند والاتحاد الأوروبي، سندفع بشكل أكبر للبحث عن بدائل للطاقة والغذاء والموانئ، والشرق الأوسط أحد أهمها. هذا يفرض على الدول العربية فهم الخطوط الحمراء لكل قوة، وإدارة التحالفات بذكاء، لا بالارتهان. وهذه فرصة لتعزيز الموانئ، واللوجستيات، والأمن الغذائي، والطاقة التقليدية والمتجددة.
لكن التجربة اللاتينية تحذرنا، التبعية المالية تتحول سريعًا إلى تبعية سياسية. لذا يصبح تنويع الشركاء، وربط الاستثمار بإصلاح مؤسسي حقيقي، لا بالمشاريع الرمزية، وبناء اقتصاد إنتاجي، شرطًا للحفاظ على الحد الأدنى للقرار الوطني. كما يمكن للدول العربية، إن أحسنت الحساب، تحويل التنافس الدولي إلى رافعة للتنمية بدل أن تكون ساحة للصراع.
اليوم يقف العالم بين خيارين، فرصة القرن أو إعادة إنتاج الماضي. فالصين قادمة بقوة، وأوروبا تعود بخجل، وروسيا تبحث عن موطئ قدم. الا ان الثابت اليوم، من مونرو إلى روزفلت، ومن الحرب الباردة إلى ترامب، ظلّ المضمون واحدًا، من يملك حق تحديد مستقبل أميركا اللاتينية والنفوذ في الشرق الاوسط. فمصطلح الحديقة الخلفية لأميركا اللاتينية وتقاسم الشرق الاوسط، لن يبقى قائمًا إلا بقدر ما تقبل به الشعوب.
ان اعتقال الرئيس الفنزويلي، كحدث تاريخي، سيؤدي الى تصاعد الدعوات الإقليمية للسيادة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، مع محاولات لتحويل الإرث المؤلم من التدخلات إلى فرص للإصلاح وبناء مؤسسات أقوى. فأميركا اللاتينية اليوم أمام خيار تاريخي، فإما أن تحوّل تعدد القوى إلى فرصة لتوازن الاستقلال والتنمية، أو تقبل بالتبعية بثوب جديد.
العالم يتجه الى خرائط نفوذ مرنة، وتحالفات براغماتية، ومناطق محمية تتشكل بسرعة. دول الشرق الأوسط، عليها قراءة المشهد بعمق، وتتصرف بدقة وحكمة لكن بسرعة، وبخلاف ذلك عليها ايضاً ان تقبل بالتبعية، وتخرج بأقل الأضرار قبل أن تتحول المنطقة الى ساحة مفتوحة للصراع، لا يعلم أحد أين سينتهي.
من يُحسن إدارة هذا المشهد سيكسب، ليس بالشعارات، بل ببناء مؤسسات قوية، وعقد اجتماعي متين، وتنوّع الشركاء، وربط السياسة بالاقتصاد المنتج.
*مركز عبر المتوسط للدراسات الإستراتيجية
المصدر
المصدر: صراحة نيوز
كلمات دلالية: اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي منوعات الشباب والرياضة تعليم و جامعات في الصميم ثقافة وفنون نواب واعيان علوم و تكنولوجيا اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي نواب واعيان تعليم و جامعات منوعات الشباب والرياضة توظيف وفرص عمل ثقافة وفنون علوم و تكنولوجيا زين الأردن أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام ل أمیرکا اللاتینیة الرئیس ترامب مونرو إلى نفوذ ا
إقرأ أيضاً:
مأزق واشنطن.. هل يفتح ترامب جبهة ثامنة في مالي للهروب من المستنقع الإيراني؟
في خطوة تكشف عن مدى التخبط الذي تعاني منه السياسة الخارجية الأمريكية، كشفت صحيفة “واشنطن بوست” عن أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تدرس تنفيذ عمل عسكري في مالي يستهدف “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم “القاعدة” الإرهابي.
وتأتي هذه الأنباء في وقت لا تزال فيه واشنطن غارقة في المستنقع الإيراني، غير قادرة على إنهاء حربها مع طهران أو تحقيق أي هدف من أهدافها المعلنة، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى السياسة الأمريكية المتخبطة في العالم وآثارها المدمرة على شعوب وحكومات دول الشرق الأوسط وأفريقيا.
جبهة ثامنة في ولاية واحدة
وفقاً لتقرير الـ”واشنطن بوست” فإنه في حال إقرار هذه الخطة، ستصبح مالي الدولة الثامنة التي يأمر فيها الرئيس ترامب بتنفيذ ضربات عسكرية منذ بداية ولايته الثانية، بعد كل من اليمن والصومال وسوريا وإيران والعراق ونيجيريا وفنزويلا. هذا الرقم القياسي في التوسع العسكري، الذي يحدث بالتزامن مع فشل ذريع في إدارة الحرب ضد إيران، يؤكد وفقاً لمحللين وخبراء أن الإدارة الأمريكية تقع في مأزق سياسي وعسكري كبير، يحاولون الهروب منه والتغطية عليه بفتح جبهات جديدة حول العالم.
وتؤكد التقارير تباين المواقف داخل أروقة صنع القرار في واشنطن، حيث يعد سيباستيان غوركا، المدير الأول لشؤون مكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي، من أبرز المؤيدين لتنفيذ الضربات. في المقابل، رفض كل من البنتاغون والحكومة المالية التعليق على هذه المعلومات، بينما امتنع مسؤول في البيت الأبيض عن تأكيد أو نفي وجود قرار نهائي، مكتفياً بالقول إن واشنطن تشجع حكومات شمال وغرب إفريقيا على شراء المعدات والخدمات الأميركية لدعم عملياتها ضد الجماعات الإرهابية، واصفاً الإرهاب في منطقة الساحل بأنه “تهديد عابر للحدود”.
التدخلات الأميركية.. تغذية للإرهاب بدلاً من مكافحته
في هذا السياق يبرز سؤال جوهري، هل الحرب الأمريكية على الإرهاب بهذه الطريقة تحقق أهدافها؟. وفقاً للباحث المتخصص بشؤون الجماعات المتشددة دكتور مروان عز العرب ، فإن التدخل العسكري الأميركي في معظم بلدان الشرق الأوسط وقارة أفريقيا عزز من نفوذ الجماعات الإسلامية المتشددة وأوصل بعضها للسلطة، بدلاً من إضعافها. ويقدم الباحث عدّة أمثلة واقعية تدعم فرضيته، ففي أفغانستان، وصلت طالبان إلى الحكم، وفي العراق وسوريا نشط “تنظيم الدولة الإسلامية” المعروف بـ “داعش” ولا تزال له جيوب كثيرة في هذين البلدين، وهذه الأمثلة تشير بوضوح إلى أن واشنطن تتصرف وفقاً لمصالحها التكتيكية فقط، وليس من أجل حماية أمن شعوب المنطقة، وهو ما يفسر استمرار حالة الاضطراب والفلتان الأمني في تلك البلدان.
خبراء: التدخل الأمريكي في مالي سوف “يزيد الطين بلّة”
بحسب بعض الخبراء المتخصصين بالشؤون الأفريقية، فإن مالي تعتبر من البلدان التي تعاني بالأساس من اضطرابات أمنية معقدة، بسبب تعدد الأطراف المتدخلة بالصراع هناك وتشابك مصالحها، وبالتالي فإن التدخل الأمريكي سوف يُعقد الموقف أكثر ولن يصلحه، وهذا ما شهدناه في بلدان أخرى، كما أن تدخل الإدارة الأمريكية ناتج عن صراعات دولية، ومآزق سياسية داخلية وخارجية أمريكية، وليس رغبة أمريكية حقيقية بمكافحة الإرهاب. كما أن التدخل الأمريكي من الممكن أن يطيح بالحكومة المالية مستقبلاً بحكم أن واشنطن تتصرف حسب مصالحها وليس حسب تحالفاتها.
إضافة للتعقيدات السابقة، فإن أي تدخل عسكري أميركي مباشر في مالي قد ينطوي على مخاطر جسيمة، أبرزها الاحتكاك بالقوات الروسية المنتشرة هناك. فمالي، تسيطر عليها حكومة عسكرية، تحارب التنظيمات الإرهابية المدعومة أساساً من دول غربية، بالتعاون مع قوات روسية. ووفقاً لتقرير “واشنطن بوست”، فإن أي عمل عسكري أميركي قد يتطلب إنشاء آليات لتجنب الاشتباك بين واشنطن وموسكو، على غرار الترتيبات التي كانت قائمة بين الجانبين خلال الحرب في سوريا. هذا الواقع يعكس تناقضاً صارخاً وتخبط كبير في السياسة الأميركية ، التي تسعى لمواجهة النفوذ الروسي في المنطقة، بينما تخطط لعملية قد تؤدي إلى مواجهة مباشرة معه.
مسار متخبط وتناقض في المواقف
ورغم هذه المخاطر، كشفت المصادر أن إدارة ترامب رفعت خلال العام الماضي مستوى تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الحكومة المالية، بعدما كانت إدارة الرئيس السابق جو بايدن قيدت التعاون العسكري مع باماكو (التي تحارب الإرهاب أساساً) بسبب تعاونها مع روسيا. وعند سؤال الخارجية الأميركية عن موقف الوزير ماركو روبيو، تجنبت الوزارة الإجابة المباشرة، مكتفية بتأكيد أنها “تدين بشكل قاطع النشاط الإرهابي في مالي”، و”ملتزمة بتعزيز المسؤولية الإقليمية”، ورصد التهديدات التي قد تطال الأراضي الأميركية.
في المحصلة، تطرح هذه التطورات أكثر من سؤال حول مصداقية السياسة الأميركية. فبينما تخوض إدارة ترامب حرباً لا تحقق فيها أهدافها في إيران، تخطط لفتح جبهة جديدة في منطقة الساحل الأفريقي، في خطوة تبدو وكأنها هروب للأمام ومحاولة يائسة لتغيير مسار الحديث عن إخفاقاتها، لكنها في جوهرها تهدد بإشعال صراع إقليمي جديد، وتكرر سيناريوهات الفشل التي رافقت التدخلات الأميركية في الماضي.