هل تمهد محادثات باريس وبيانها الثلاثي لتطبيع سوري إسرائيلي برعاية أمريكية؟
تاريخ النشر: 8th, January 2026 GMT
فتحت جولة مفاوضات جديدة بين سوريا ودولة الاحتلال في باريس الباب أمام تحولات لافتة في مسار العلاقة بين الطرفين، بعدما أفضت الجولة الخامسة إلى بيان ثلاثي غير مسبوق برعاية أمريكية، أسس لآلية تنسيق أمني واستخباراتي واقتصادي، في سياق إقليمي معقد أعقب سقوط نظام الأسد، وتزامن مع ضغوط أمريكية متصاعدة وحديث متزايد عن اتفاق أمني قد يرسم ملامح مرحلة مختلفة على الجبهة السورية وحدود الجولان.
وشهدت العاصمة الفرنسية، الاثنين، انطلاق الجولة الخامسة من المفاوضات بين دولة الاحتلال الإسرائيلي وسوريا، في أول اجتماع من نوعه بعد نحو شهرين من التباعد، وذلك على خلفية تعثر الجهود السابقة للتوصل إلى ترتيب أمني.
وبعد يوم واحد من انطلاق الجولة، أعلنت تل أبيب ودمشق والولايات المتحدة التوافق على إنشاء "آلية دمج" مشتركة، تستخدم لتبادل المعلومات الاستخبارية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، إضافة إلى معالجة قضايا ذات طابع تجاري، كما جرى التوافق على إطلاق محادثات قطاعية تشمل الطب والطاقة والزراعة، وفق ما نقلته صحيفة "جيروزالم بوست".
وجاءت هذه التطورات في ظل مستجدات سورية بالغة التعقيد، بعد التحولات التي أعقبت سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وسيطرة قوات الاحتلال الإسرائيلية على أجزاء من جنوب سوريا، معظمها ضمن منطقة عازلة.
إدارة الواقع الأمني.. بعيدا عن التغيير الجذري
نقلت صحيفة "معاريف" عن مصدر سياسي إسرائيلي أن استئناف المحادثات مع سوريا لا يعكس تغييرا جذريا في طبيعة العلاقات بين الطرفين، بل يندرج في إطار محاولة لإدارة الواقع الأمني المعقد على الجبهة الشمالية للأراضي المحتلة.
وقال موقع "أكسيوس" الأمريكي، نقلا عن مسؤول إسرائيلي ومصدر آخر مطلع على الموضوع، إن واشنطن تضغط على سوريا ودولة الاحتلال للتوصل إلى اتفاق يضمن استقرار الأمن على الشريط الحدودي بين البلدين، ويفتح الطريق أمام تطبيع دبلوماسي للعلاقات.
ولفت الموقع إلى أن مفاوضات باريس تمثل أول اجتماع يعقد منذ نحو شهرين، وتشكل الجولة الخامسة من العملية التفاوضية.
ومنذ عام 1967، تسيطر دولة الاحتلال على معظم مساحة هضبة الجولان السورية، كما استغلت أحداث الإطاحة بنظام المخلوع بشار الأسد أواخر عام 2024 لتعلن انهيار اتفاقية فصل القوات، وتحتل المنطقة السورية العازلة.
بيان ثلاثي وآلية تنسيق غير مسبوقة
للمرة الأولى في تاريخ الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، صدر بيان رسمي مشترك يحمل تواقيع الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي والحكومة السورية، ويؤسس لآلية تنسيق أمني واستخباراتي واقتصادي بين دمشق وتل أبيب.
ويجمع مراقبون، بحسب شبكة الصحافة الفلسطينية، على أن هذا التطور يشكل انعطافة سياسية عميقة في موقع سوريا الإقليمي، ولا سيما في علاقتها التاريخية بالقضية الفلسطينية، باعتباره يمثل انقلابا سياسيا صامتا ويعبر عن تآكل الموقع السوري في معادلة فلسطين.
وبحسب الشبكة، أشار البيان الذي صدر عقب مفاوضات مباشرة في باريس برعاية أمريكية، لـ"خلية دمج" مشتركة في صيغة وضعت سوريا، للمرة الأولى، في موقع الشريك الأمني لإسرائيل، لا في موقع الخصم أو حتى الطرف غير المباشر.
وتعد هذه المحادثات الجولة الثالثة بين الدولتين المتخاصمتين التي عقدت في باريس، من دون أن تكون فرنسا نفسها مقررة للمشاركة، وقال مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل" في وقت سابق إن المحادثات في باريس كانت "جيدة ومهمة".
وأضاف المسؤول الكبير أن الجانبين "اتفقا على تشكيل فريق عمل يجتمع بشكل متكرر ومستمر".
وقال مسؤول إسرائيلي لموقع "أكسيوس" الإخباري إن الجانبين يعتزمان أيضا اتخاذ تدابير لبناء الثقة، مضيفا: "أعرب البلدان عن رغبتهما في التوصل إلى اتفاق أمني في إطار رؤية الرئيس ترامب للشرق الأوسط".
السويداء والجولان وحدود الاتفاق
نقلت "القناة 12" عن مصدر سوري مقرب من حكومة الرئيس أحمد الشرع قوله إن الضغط الأمريكي خلق "أرضا خصبة لإحراز تقدم محتمل نحو اتفاق أمني مع إسرائيل".
ونقلت التقارير عن المصدر قوله: "تشير المعطيات الواردة من الجانب السوري إلى اتجاه إيجابي على طريق صياغة اتفاق أمني من شأنه أن يلبي مطالب كلا الجانبين، دون الحاجة إلى وجود عسكري إسرائيلي داخل سوريا".
وأضاف المصدر: "يبدو أن الولايات المتحدة مهتمة بإبرام صفقة سريعة. نحن على استعداد لتقديم ضمانات أمنية للجانب الإسرائيلي مقبولة لدى الجميع مقابل انسحابه من الأراضي السورية. هذه خطوة تخلق في الوقت نفسه شعورا بالاطمئنان لإسرائيل وسوريا".
وأوضح المصدر أن سوريا لم تتنازل عن موقفها بشأن السويداء، حيث طالبت إسرائيل بفتح "ممر إنساني"، مؤكدا أن ما يجري هناك سيبقى شأنا داخليا سوريا. وكانت المنطقة الجنوبية من سوريا قد شهدت عنفا طائفيا العام الماضي، بما في ذلك من قبل قوات النظام، أسفر عن مقتل مئات الأشخاص من الطائفة الدرزية التي تعهدت إسرائيل بحمايتها.
وأضاف المصدر: "سيتم حل المسألة بين السكان المحليين أنفسهم، دون استخدام الأسلحة أو الدعم الخارجي. ويبدو أن هناك مؤشرات من الجانب الإسرائيلي على موافقتهم من حيث المبدأ على هذه المسألة".
وقال مكتب رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، في وقت لاحق من يوم الثلاثاء، إن المحادثات مع سوريا جرت "كجزء من رؤية الرئيس ترامب لتعزيز السلام في الشرق الأوسط"، وأن إسرائيل تدفع نحو إقامة علاقات اقتصادية بين الدول المعادية.
وذكرت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، الاثنين، أن المناقشات في باريس ركزت على إحياء اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، التي أنشأت منطقة عازلة تحت إشراف الأمم المتحدة بين دولة الاحتلال وسوريا بعد حرب يوم الغفران عام 1973.
وبحسب موقع "أكسيوس"، طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من نتنياهو استئناف المحادثات عندما التقيا الأسبوع الماضي في مارالاغو، وقال مسؤول إسرائيلي للموقع إن نتنياهو، رغم اتفاقه مع ترامب على ضرورة التوصل إلى اتفاق قريب، أصر على ألا يتجاوز أي اتفاق الخطوط الحمراء لإسرائيل المتعلقة بضمان الأمن على طول حدودها مع سوريا.
وأعرب ترامب عن أمله في التوصل إلى اتفاق دبلوماسي، بعد سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي على أجزاء من جنوب سوريا، معظمها داخل منطقة عازلة خاضعة لإشراف الأمم المتحدة، عقب انهيار نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024.
وتدعي دولة الاحتلال مرارا خشيتها من أن تقع المنطقة في أيدي جماعات تصفها بالإرهابية، يمكن أن تستخدمها كقاعدة انطلاق للهجمات، وقالت إن اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، التي أنشئت بموجبها المنطقة العازلة، أصبحت لاغية مؤقتا بسبب الإطاحة بالأسد.
وتعمل قوات الاحتلال الإسرائيلي في مناطق تصل إلى نحو 15 كيلومترا داخل سوريا، بهدف الاستيلاء على أسلحة تقول إسرائيل إنها قد تشكل تهديدا إذا وقعت في أيدي "قوى معادية".
وطالبت دولة الاحتلال العام الماضي، بإنشاء ممر إنساني في السويداء أدت إلى تأجيل المفاوضات والتوصل إلى اتفاق، ما أسهم في تهدئة التفاؤل الأولي، كما أشارت تقارير في نوفمبر/تشرين الثاني إلى أن شروط الاحتلال تغيرت مجددا، وطالبت بإقامة علاقات دبلوماسية كاملة، وهو ما قالت سوريا إنه غير مطروح حاليا، ما زاد من تعقيد العملية.
تطبيع يلوح بالأفق
وفي قراءة قانونية وسياسية، قال إسحاق أندكيان، خبير إدارة الأزمات الدولية، لموقع "نورث برس" الأربعاء، إن البيان الثلاثي الأمريكي السوري الإسرائيلي يمثل خطوة أولية وترجمة عملية نحو التطبيع بين سوريا وإسرائيل. وأوضح أن بيان باريس صدر بهدف تنفيذ نتائج قانون تفويض الدفاع الوطني الأمريكي للسنة المالية 2026.
وأشار إلى أن البند الثالث من الفقرة (ب) من المادة 8369 ينص على إلغاء قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا لعام 2019، شريطة أن تمتنع سوريا عن اتخاذ أي إجراءات عسكرية أحادية غير مبررة ضد جيرانها، بما في ذلك دولة الاحتلال، وأن تواصل إحراز تقدم نحو اتفاقيات الأمن الدولي.
وأضاف أندكيان أن بيان باريس يتضمن آليات واضحة، من بينها تبادل المعلومات الاستخباراتية بين سوريا وإسرائيل، والجهود الرامية إلى الحد من التصعيد العسكري على الأرض، وتنسيق المواقف الدبلوماسية، وفتح قنوات لاستكشاف التعاون الاقتصادي والتجاري مستقبلا.
وأوضح أن خلية التنسيق المنصوص عليها في البيان ستعمل كمنصة دائمة لمعالجة التطورات الناشئة ومنع سوء الفهم، بما يساهم في الاستقرار الإقليمي.
وأشار إلى أن البيان يعكس تحقيق كل من إسرائيل وسوريا أهدافا رئيسية خلال المحادثات، عبر التركيز على احترام سيادة سوريا وسلامة أراضيها، وهو مطلب سوري أساسي، مقابل ضمان أمن إسرائيل، الذي يمثل مصدر قلق إسرائيلي جوهري.
وأكد أن المحتوى العام لبيان باريس يشير إلى مسار تطبيع العلاقات بين سوريا ودولة الاحتلال، وقد يؤدي في النهاية إلى تخلي إسرائيل عن روايتها المتعلقة بحماية الأقليات العرقية والدينية في سوريا، ولا سيما الطائفة الدرزية في السويداء.
في المقابل، انتقدت رندا قسيس، رئيسة حركة مجتمع تعددي، البيان المشترك، معتبرة أنه محاولة لتهدئة ترامب فقط، بعناوين كثيرة ومضمون محدود، ورأت أنه لن يفضي إلى نتائج فعلية، ولن يغير العقيدة الأمنية الإسرائيلية أو يوقف الضربات، ووصفت البيان بأنه "بيان للاستهلاك الإعلامي".
البيان الموقع بين إسرائيل وسوريا، تحت رعاية أميركية وبصياغة أميركية خالصة، لن ينتج عنه شيء فعلي. فهو مجرد محاولة لتهدئة ترامب على الطريقة الأميركية: كثير من العناوين، قليل من المضمون، كمن يضع مرهم فولتارين على أزمة مزمنة ثم يعلن الشفاء.
إسرائيل لا تغير عقيدتها الأمنية ببيانات،… — Randa Kassis — رندا قسيس (@kassis_randa) January 7, 2026
أما الكاتب والمحلل السياسي دحام مثقال الفواز، فاعتبر أن المسار بين سوريا والولايات المتحدة ودولة الاحتلال يتجه "بهدوء نحو استقرار محسوب"، ورأى في استئناف الحوار انتقالا من الصراع إلى إدارة الحدود وبناء الثقة، مع اختبار ميداني في ملف الدروز، واعتبره سلاما أمنيا هادئا يقلل مخاطر التصعيد ويفتح فرص التنمية الإقليمية، مع تقليص أدوار التعطيل دون صدام مباشر.
سوريا والولايات المتحدة وإسرائيل مسار هادئ نحو استقرار محسوب.
( بحسب وجهة نظري ) وتحليلي الشخصي
استئناف الحوار بين إسرائيل وسوريا برعاية أمريكية لا يعني سلاماً كاملاً، لكنه يشير إلى انفتاح واقعي وانتقال تدريجي من منطق الصراع إلى إدارة الحدود وبناء الثقة.
التوقيت يعكس حاجة… pic.twitter.com/m1FoYLggbt — دحام مثقال الفواز (@Dahham_AlFawwaz) January 7, 2026
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية سوريا الإسرائيلي الولايات المتحدة الشرع نتنياهو سوريا إسرائيل الولايات المتحدة نتنياهو الشرع المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الاحتلال الإسرائیلی ودولة الاحتلال برعایة أمریکیة مسؤول إسرائیلی إسرائیل وسوریا دولة الاحتلال اتفاق أمنی بین سوریا إلى اتفاق فی باریس إلى أن
إقرأ أيضاً:
كمال الدين: مصر لم تهزم في العدوان الثلاثي وانسحاب الجيش من سيناء خطة عسكرية
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
كشف اللواء مصطفى كمال الدين حسين، عضو مجلس النواب الأسبق ونجل اللواء الراحل كمال الدين حسين، عضو تنظيم الضباط الأحرار ومجلس قيادة الثورة ووزير التربية والتعليم ونائب رئيس الجمهورية الأسبق، تفاصيل جديدة عن حياة والده ودوره في ثورة 23 يوليو، مؤكداً أن والده كان من المشاركين في حرب فلسطين عام 1948، وأنه انضم مبكراً إلى تنظيم الضباط الأحرار.
وأوضح مصطفى كمال الدين حسين أن والده تقدم إلى الكلية الحربية ثلاث مرات، بعد أن رُفض في المرتين الأولى والثانية لصغر سنه، قبل أن يلتحق بها في المحاولة الثالثة، مشيراً إلى أن والده كان مصمماً على دخول الحياة العسكرية والإسهام في الدفاع عن الوطن.
وأضاف، أن والده شارك قبل الثورة في حرب فلسطين عام 1948 ضمن مجموعات الفدائيين بقيادة البطل أحمد عبد العزيز، موضحاً أن القوات وصلت إلى مشارف القدس وحاصرتها، قبل أن تؤدي الهدنة والظروف السياسية إلى تغيير مسار العمليات.
وأشار إلى أن والده كان من الضباط الذين شاركوا في وضع خطة التحرك ليلة ثورة 23 يوليو، إلى جانب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر، موضحاً أن الخطة تضمنت تحديد مهام القوات وتحركاتها والسيطرة على المواقع الحيوية، بالإضافة إلى تأمين مداخل السويس لمنع أي تدخل بريطاني في تحركات الثورة.
وأكد أن الخطة تضمنت أيضاً السيطرة على مبنى الإذاعة ومحاصرة قصر عابدين، مشيراً إلى أن جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر ووالده كانوا يتحركون في البداية بالملابس المدنية لتجنب إثارة الشبهات.
وكشف أن الضابط يوسف صديق تحرك قبل الموعد المحدد، بعدما وصلت معلومات إلى جمال عبد الناصر تفيد بأن السلطات بدأت تعرف أسماء بعض الضباط المشاركين في التحرك، الأمر الذي دفعه إلى اتخاذ قرار ببدء التنفيذ، قائلاً إن «العجلة دارت» ولم يعد هناك مجال للتراجع.
وتابع، أن والده ارتدى ملابسه العسكرية عقب بدء التحرك، وأخذ سلاحه، موضحاً أن هذه الصورة ظلت عالقة في ذاكرته منذ طفولته، مؤكداً أن أسرته عاشت تفاصيل تلك المرحلة عن قرب.
ولفت إلى أن والده كان من الضباط المشاركين في التخطيط للتحرك العسكري ليلة الثورة، موضحاً أن القوات تحركت للسيطرة على المواقع المهمة وتأمين مداخل السويس، بينما جرى لاحقاً اتخاذ خطوات للسيطرة على قصر عابدين ومبنى الإذاعة.
وأوضح، أن الضباط الأحرار اختاروا اللواء محمد نجيب ليتولى قيادة الثورة باعتباره ضابطاً كبيراً يتمتع بتاريخ عسكري ومكانة داخل الجيش، مشيراً إلى أن عدداً من أعضاء مجلس قيادة الثورة كانوا يعرفونه من خلال نادي الضباط.
وأضاف، أن الرئيس الراحل أنور السادات أذاع بيان الثورة عبر الإذاعة، بعدما عاد من السينما، بينما تحرك الضباط للسيطرة على الإذاعة ومحاصرة قصر عابدين، مؤكداً أن النقاشات داخل قيادة الثورة انتهت إلى عدم قتل الملك فاروق والسماح له بمغادرة البلاد.
وأشار إلى أن الملك فاروق تنازل عن العرش وغادر مصر في 26 يوليو 1952، موضحاً أن الضباط اختاروا تجنب إراقة الدماء، وأن الملك غادر البلاد متجهاً إلى إيطاليا.
وقال، إن وصف ما حدث في 23 يوليو بأنه «انقلاب» أو «ثورة» يختلف بحسب تعريف المصطلح، موضحاً أن الثورة أدت إلى إنهاء الاحتلال البريطاني، وإلغاء النظام الملكي، واستعادة حقوق الشعب، وتأميم قناة السويس، معتبراً أن هذه النتائج كانت من أهم التحولات التي شهدتها مصر.
وأكد أن الشعب المصري خرج في اليوم التالي للثورة، معتبراً أن هذا الخروج عكس تأييد قطاعات واسعة من المصريين لما حدث، مشيراً إلى أن الشعب لم يكن ليخرج بهذا الشكل لو كان متمسكاً بالنظام الملكي.
وتحدث عن تأثير والده في تكوينه منذ طفولته، موضحاً أنه كان يصطحبه معه خلال عمله في رفح، وأنه شهد في سن الخامسة مناورة ليلية للمدفعية، وهو ما جعله ينشأ على حب الجيش والوطن.
وأضاف، أنه عاش مع والده وأخيه حسام أجواء العدوان الثلاثي عام 1956، موضحاً أن والده كان مسؤولاً عن قطاع من جيش التحرير على خط القناة، وأنهما ذهبا معه إلى السويس خلال إجازة نصف العام، وشاهدا أجواء الحرب والاستعداد للمواجهة.
وأوضح، أن والده لم يُصب خلال العدوان الثلاثي عام 1956 كما يعتقد البعض، وإنما أصيب خلال حرب فلسطين عام 1948، مشيراً إلى أن البطل أحمد عبد العزيز وصل به إلى المستشفى بعد إصابته، وأن والده ظل في غيبوبة لفترة قبل أن يتعافى.
وأكد أن مصر لم تُهزم في حرب 1956، مشيراً إلى أن القوات المصرية واجهت عدواناً ثلاثياً شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، وأن انسحاب الجيش المصري من سيناء كان جزءاً من خطة عسكرية لتجنب تعرضه للإبادة بعد بدء العدوان على بورسعيد.
وأشار إلى أن حرب 1956 شهدت العديد من الملاحم والبطولات، خاصة من جانب المقاومة الشعبية والفدائيين وأفراد الدفاع، موضحاً أن المواطنين المصريين شاركوا في الدفاع عن مدنهم خلال العدوان.
وروى أن الرئيس جمال عبد الناصر زار والده برفقة عبد الحكيم عامر وعبد اللطيف البغدادي في مركز القيادة بالإسماعيلية خلال الحرب، وكان يرغب في التوجه إلى بورسعيد لتفقد القوات، إلا أن والده نصحه بالانتظار حتى الصباح بسبب توقع حدوث إنزال عسكري.
وأضاف، أن عبد الناصر عاد إلى الإسماعيلية بعد وقوع الإنزال، وشاهد المواطنين في الشوارع يحملون الأسلحة استعداداً للدفاع عن البلاد، مشيراً إلى أن الأسلحة والذخائر كانت تُوزع على المواطنين باستخدام بطاقات الهوية.
وأكد أن والده كان يرى أن التعليم يمثل الأساس الحقيقي لبناء الدولة، مشيراً إلى أنه عندما تولى وزارة التربية والتعليم عمل على الاستعانة بمجموعة من المتخصصين والاستشاريين لدراسة الملفات التعليمية قبل اتخاذ القرارات.
وأوضح، أن والده اهتم بالتوسع في إنشاء المدارس داخل القرى والنجوع، بعدما كانت مناطق كثيرة تفتقر إلى المدارس، مؤكداً أن انتشار المدارس الحكومية ساهم في إتاحة التعليم لأعداد أكبر من أبناء المصريين.
وأشار إلى أن التعليم الحكومي في تلك الفترة كان يتمتع بمستوى مرتفع، موضحاً أن المعاهد العليا الصناعية كانت تمنح الطلاب تدريباً عملياً، وأن بعض الطلاب كانوا يسافرون إلى ألمانيا للتدريب داخل المصانع، ليجمع الخريج بين الدراسة النظرية والخبرة العملية.
وأضاف، أن منظومة التعليم في تلك الفترة اهتمت بالبعثات العلمية لإعداد كوادر مؤهلة للجامعات والمدارس العليا، مؤكداً أن أي دولة لا يمكن أن تنهض إلا من خلال التعليم.
وأوضح، أن والده اهتم أيضاً بتعزيز الهوية الوطنية داخل المؤسسات التعليمية، مشيراً إلى أن المدارس كانت تقدم للطلاب مواد تتعلق بالتربية القومية والانتماء للوطن.
وأكد أن المدارس في تلك الفترة كانت تقدم تدريبات ذات طابع عسكري للطلاب، تضمنت ارتداء الزي العسكري والتدريب على بعض المهارات، مشيراً إلى أن الهدف كان إعداد جيل يمتلك روحاً وطنية وقادراً على الدفاع عن بلاده عند الحاجة.
واختتم مصطفى كمال الدين حسين حديثه بالتأكيد على أن مرحلة ثورة 23 يوليو شهدت العديد من التحولات المهمة في تاريخ مصر، سواء على المستوى السياسي أو العسكري أو التعليمي، مشيراً إلى أن هذه المرحلة ما زالت بحاجة إلى مزيد من التوثيق والدراسة.