أعلنت الحكومة البريطانية المضي قدما في إطلاق مستشفى رقمي متكامل عبر الإنترنت، في خطوة وُصفت بأنها من أوسع التحولات في تاريخ هيئة الخدمات الصحية (NHS)، ضمن إصلاحات جذرية تهدف إلى تسريع الوصول إلى الرعاية الطبية التخصصية والحد من قوائم الانتظار الطويلة، بالاعتماد على التكنولوجيا والاستشارات الطبية عن بعد.



وتوقعت السلطات أن تنطلق المرحلة الأولى من المشروع خلال العام المقبل، على أن تشمل علاج تسع حالات صحية شائعة، من بينها أعراض سن اليأس الحادة لدى النساء ومشكلات البروستاتا لدى الرجال، قبل أن يستقبل المستشفى الرقمي أول مرضاه رسميا في عام 2027.

ويمثل المشروع، الذي أطلقه رسميا رئيس الوزراء كير ستارمر في أيلول/سبتمبر 2025، خطوة أولى نحو إنشاء مستشفى افتراضي بلا جدران، يتيح للمرضى إجراء التقييم الطبي الأولي بسرعة عبر تطبيق (NHS)، والتواصل مع الأطباء من خلال استشارات بالفيديو، إضافة إلى متابعة حالتهم الصحية من منازلهم، بما يقلل من الزيارات غير الضرورية إلى المستشفيات.



ويُنظر إلى (NHS Online) باعتباره حجر الأساس في تحديث النظام الصحي البريطاني، حيث يسعى إلى إحداث تغيير جذري في طريقة وصول المواطنين إلى الرعاية الصحية، لتصبح أكثر تخصيصا وأسهل استخداما وأكثر عدالة، مع التأكيد على بقاء خيار المواعيد الحضورية متاحا لمن يفضله أو يحتاجه.

ويركز المستشفى الرقمي الجديد على معالجة التفاوتات الجغرافية في جودة وسرعة الحصول على العلاج، المعروفة في بريطانيا بـ"يانصيب الرمز البريدي"، عبر ربط المرضى رقميا بأطباء متخصصين في مختلف أنحاء إنجلترا، بغض النظر عن مكان إقامتهم.

وتشير التقديرات إلى أن (NHS Online) سيقدم ما يعادل 8.5 ملايين موعد وتقييم طبي افتراضي خلال السنوات الثلاث الأولى من تشغيله، وهو ما يعادل أربعة أضعاف ما يقدمه مستشفى تقليدي تابع لهيئة الخدمات الصحية في المتوسط.

وشملت قائمة الحالات التي ستتاح لها الإحالة والعلاج عبر (NHS Online) قضايا صحة المرأة، مثل أعراض سن اليأس الشديدة واضطرابات الدورة الشهرية المرتبطة بأمراض كـالانتباذ البطاني الرحمي والأورام الليفية، إضافة إلى مشكلات البروستاتا، ومنها تضخم البروستاتا وارتفاع مستوى مستضد البروستاتا النوعي (PSA).

كما تضمنت القائمة أمراض العين، مثل الساد (المياه البيضاء)، والجلوكوما، والتنكس البقعي، إلى جانب حالات مزمنة ومؤلمة، من بينها فقر الدم الناتج عن نقص الحديد وأمراض الأمعاء الالتهابية.



وسيتمكن المرضى من اختيار الخدمة الرقمية عند إحالتهم من طبيب عام (GP)، بدلا من انتظار موعد حضوري طويل مع اختصاصي، فيما ستُجرى الفحوصات الطبية، مثل التحاليل والأشعة والإجراءات العلاجية، في مراكز صحية قريبة من منازلهم، مع متابعة الأطباء للملفات الطبية عن بعد، بما يسرع الانتقال من الإحالة إلى العلاج ثم المتابعة.

وأكدت هيئة الخدمات الصحية أن المستشفى الرقمي لن يلغي الرعاية التقليدية، بل سيعمل إلى جانبها، مع بقاء خيار المواعيد الحضورية متاحا بالكامل.

ومع تزايد الإقبال على (NHS Online)، توقعت السلطات الصحية انخفاضا ملحوظا في قوائم الانتظار، ما يتيح تخصيص مواعيد حضورية أسرع للمرضى الذين يحتاجون إلى فحوصات جسدية أو يفضلون اللقاء المباشر مع الأطباء.

وفي هذا السياق، قالت البروفيسورة ستيلا فيغ، المديرة السريرية الوطنية للرعاية الاختيارية في (NHS) إنجلترا، إن المستشفى الرقمي سيمثل "تحولا كبيرا في طريقة تقديم الرعاية"، مشيرة إلى أن تسريع التشخيص والعلاج في الحالات المختارة سيترك أثرا إيجابيا مباشرا على حياة المرضى.

ومن جهته، وصف وزير الصحة والرعاية الاجتماعية ويس ستريتينغ المشروع بأنه "ثورة حقيقية"، مؤكدا أن الوصول إلى الرعاية الصحية يجب أن يصبح سهلا وبديهيا "كطلب سيارة أجرة أو وجبة طعام عبر الهاتف".

وأضاف أن المرضى الذين تشملهم الحالات التسع المعلنة يواجهون حاليا فترات انتظار طويلة، وأن (NHS Online) يندرج ضمن مسار التحول من النظام التقليدي إلى الرقمي، كما ورد في الخطة الصحية العشرية للحكومة.

وأشارت (NHS) إلى أن التحول الرقمي ليس طرحا نظريا، بل تجربة ناجحة في عدد من المؤسسات الصحية، لافتة إلى أن مستشفى مورفيلدز للعيون في لندن أسهم، عبر نظام الإحالة الرقمية الموحدة، في تسريع وصول المرضى إلى أطباء العيون وتخفيف الضغط عن الخدمات.



كما نجح مستشفى جامعة ساوثهامبتون في خفض فترات الانتظار بنسبة 62 في المئة باستخدام أدوات رقمية، مع إدارة أكثر من 80 في المئة من حالات التهابات الأمعاء منخفضة الخطورة افتراضيا.

ويمثل مشروع (NHS Online) تحولا مفصليا في مستقبل الرعاية الصحية البريطانية، لا سيما للفئات التي تعاني من طول فترات الانتظار وصعوبة الوصول إلى الاختصاصيين، في وقت يُنظر فيه إلى التحول الرقمي بوصفه فرصة لتقليص الفجوات وتحقيق قدر أكبر من العدالة الصحية، مع التأكيد على أهمية ضمان شمول الفئات الأقل إلماما بالتكنولوجيا وتوفير دعم لغوي ورقمي كاف، حتى لا تتحول الرقمنة إلى عائق جديد بدلا من أن تكون حلا.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحة طب وصحة طب وصحة بريطانيا صحة لندن بريطانيا صحة طب لندن أخبار المزيد في صحة طب وصحة طب وصحة طب وصحة طب وصحة طب وصحة طب وصحة صحة صحة صحة سياسة سياسة صحة صحة صحة صحة صحة صحة صحة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة المستشفى الرقمی إلى أن

إقرأ أيضاً:

تحولات الشهرة في العصر الرقمي

 

د. هبة العطار

مُنذُ أن تحوَّل العالم إلى شاشاتٍ صغيرة نحملها بين أيدينا، لم تعد وسائل التواصل مجرد أدوات للاتصال أو الترفيه؛ بل أصبحت مساحات لإعادة تشكيل الوعي الإنساني وأنماط الحضور الاجتماعي، وتغيَّرت معها علاقة الإنسان بالصورة وبنفسه داخل الفضاء العام الرقمي، حتى أصبح الظهور جزءًا من الحياة اليومية لا حدثا استثنائيا مرتبطا بالمشاهير وحدهم.

في ظل هذا التدفق الرقمي المتسارع، لا تكتفي المنصات بنقل المحتوى وحسب، وإنما تشارك في إنتاجه وتوجيه انتشاره، وتحديد ما يظهر وما يختفي داخل بيئة تعتمد على السرعة والتكثيف، ومع هذا التحول أضحى النظر إليها بوصفها أدوات ترفيه وفضاءات ثقافية تُعيد صياغة الذوق العام وأنماط التأثير داخل المجتمع الحديث.

منصة TikTok الشهيرة تحولت من مجرد مساحة رقمية عابرة إلى ظاهرة إعلامية وثقافية أعادت تعريف مفهوم الشهرة وصناعة المحتوى، ومن هنا بات السؤال الحقيقي كيف أعاد هذا الفضاء الرقمي تشكيل علاقتنا بالشهرة والانتباه والتأثير والهوية الإنسانية ذاتها، بغض النظر عن مدى إيجابيات أو سلبيات هذه المنصة؟!

لقد أحدثت منصة TikTok تحولًا عميقًا في فكرة "النجم" كما عرفته الأجيال السابقة؛ ففي الماضي كانت النجومية تمُر عبر أبواب مغلقة تتحكم فيها المؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج والقنوات التلفزيونية، أما اليوم فقد أصبح الظهور أكثر انفتاحًا؛ حيث يستطيع شاب يُغني من غرفته الصغيرة، أو فتاة تقدم محتوى معرفيًا عبر هاتف بسيط، أن تصل إلى جمهور واسع في غضون ساعات قليلة. وهكذا ظهرت نماذج جديدة من المؤثِّرين وصُنَّاع المحتوى الذين لم تمنحهم المؤسسات التقليدية فرصة حقيقية للظهور، لكن الجمهور والخوارزمية معًا أعادا اكتشافهم، ولم تعد الشهرة مرتبطة فقط بالإمكانات المادية أو النفوذ الإعلامي؛ بل أصبحت مرتبطة بقدرة الشخص على جذب الانتباه وصناعة القرب الإنساني وتقديم محتوى يلامس اهتمامات الناس ومشاعرهم اليومية.

لقد تحولت الخوارزمية إلى ما يُشبه "حارس بوابة" جديدًا، يُقرِّر من يظهر ومن يختفي، لكنها تختلف عن الحارس التقليدي في أنها لا تسأل عن الشهادات أو المكانة الاجتماعية بقدر ما تسأل عن القدرة على إيقاف الجمهور ولو لثوانٍ قليلة وسط هذا التدفق الهائل للمحتوى.

وقد قدمت المنصة نماذج إيجابية حقيقية تستحق التأمل والدراسة، إذ برز أطباء ومتخصصون نفسيون وصناع معرفة نجحوا في تبسيط المعلومات وتقديم محتوى توعوي سريع يناسب طبيعة العصر الرقمي وإيقاعه المتسارع، كما ظهرت مبادرات إنسانية ومحتويات داعمة للصحة النفسية، وأصبح بعض الشباب يستخدمون المنصة لنشر رسائل اجتماعية وثقافية تعزز قيم التسامح والتطوير الذاتي والتواصل الإنساني.

ومن اللافت أن كثيرًا من هذه النماذج اعتمدت على العفوية والبساطة أكثر من اعتمادها على الإنتاج الضخم أو الإمكانات الاحترافية، وهو ما خلق نوعا جديدا من العلاقة بين الجمهور وصانع المحتوى، علاقة تقوم على الإحساس بالقرب والتشابه والمشاركة اليومية، لا على المسافة التقليدية التي كانت تفصل المشاهير عن الناس.

غير أن الوجه الآخر للمنصة يكشف عن إشكاليات لا يمكن تجاهلها؛ إذ ظهرت أنماط من المحتوى تقوم على الإثارة الرخيصة والاستعراض المُبالَغ فيه والبحث المحموم عن المشاهدات بأي وسيلة مُمكِنة، فبعض الحسابات تبني انتشارها على افتعال الجدل والصراعات الفكرية أو الدينية، أو تغذية التعصب والكراهية، أو تقديم محتوى قائم على الاستفزاز والصدمات السريعة التي تضمن التفاعل ولو على حساب القيم والمعنى.

هنا لا تبدو المشكلة في التكنولوجيا ذاتها؛ بل في طبيعة البيئة الرقمية التي تُكافئ أحيانًا المحتوى الأكثر إثارةً وصخبًا أكثر من المحتوى الأكثر عمقًا واتزانًا، مما يدفع بعض المستخدمين إلى المبالغة والتطرف من أجل البقاء داخل دائرة الضوء.

وفي هذا السياق، برز ما يُعرف بـ"اقتصاد الانتباه"؛ بوصفه أحد أهم ملامح البيئة الرقمية المعاصرة، ففي عالم تتزاحم فيه الرسائل والصور والمقاطع بلا توقف، أصبح الانتباه ذاته موردًا بالغ القيمة تتنافس عليه المنصات وصناع المحتوى والمعلنون، وتُبنى عليه معدلات الانتشار والتأثير والعوائد الاقتصادية، ومع الاعتياد على الانتقال المستمر بين الصور والأصوات والمثيرات البصرية في ثوان معدودة، يُثار تساؤل مهم حول قدرة الإنسان المعاصر على الاحتفاظ بالتركيز العميق والتأمل الطويل في عالم يتسارع إيقاعه بصورة غير مسبوقة.

ومع ذلك قد يكون من الخطأ النظر إلى TikTok باعتبارها السبب الوحيد لهذه التحولات، فهي- أي المنصة- لا تخلق الرغبة في الشهرة أو البحث عن الاعتراف من العدم، بقدر ما تمنحها فضاءً أوسع للظهور والتضخم، ومن ثم تبدو المنصة أقرب إلى مرآة رقمية تعكس ما يفضله المجتمع وما يتفاعل معه، بقدر ما تؤثر فيه وتعيد تشكيله، لتصبح مسؤولية المحتوى مسؤولية مشتركة بين الخوارزمية وصانع المحتوى والجمهور على حد سواء.

إنَّ TikTok أكثر من مجرد منصة للترفيه السريع؛ فهي انعكاس واضح لتحولات الإنسان المعاصر وطريقته المستمرة في البحث عن الحضور والتأثير والاعتراف داخل العالم الرقمي، ورغم ما تُتيحه من فرص واسعة للتعبير والظهور، وما تُثيره من تحديات تتعلق بطبيعة الانتباه وقيمة المحتوى في عصر السرعة، تبقى الحقيقة الأهم أن المنصات قد تمنح الضوء والانتشار، لكنها لا تصنع وحدها المعنى؛ فالقيمة الحقيقية ليست في عدد من يشاهدوننا، وإنما في الأثر الذي يبقى بعد أن ينتهي المشهد ويُغلق الجميع شاشاتهم.

رابط مختصر

مقالات مشابهة

  • تحولات الشهرة في العصر الرقمي
  • "الثقافة الصحية" بمنشأة القناطر شرق تطلق رسالة هامة لسلامة المرضى قبل إجراء التحاليل
  • صيانة طرقات إقليم الخروب.. تحرك لتسريع أعمال التأهيل
  • حمدان بن محمد يطّلع على خطط دائرة الاقتصاد والسياحة لتسريع وتيرة النمو الاقتصادي
  • دبي للسلع المتعددة يطلق مبادرة لتسريع الأعمال الداعمة للشركات
  • محافظ الغربية يوجّه بتوسيع خدمات الرعاية الصحية لكبار السن والأمراض المزمنة
  • الوزراء يستعرض الاستراتيجيات الدولية الرائدة الداعمة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة
  • الجمعة.. الأمم المتحدة تطلق النداء الإنساني العاجل المعدَل للبنان في جنيف
  • بعد سنوات بين جدران الكرنك.. وفاة حارس أمن المعبد بالأقصر
  • أرتيتا: باريس سان جيرمان الأفضل في العالم.. والحظ حرم آرسنال من اللقب