في جلسة وصفت بأنها "مواجهة الحقيقة"، فتحت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، اليوم الخميس، ملفا من العيار الثقيل يضرب في عمق المنظومة القضائية، حيث مثل 27 متهما يشكلون شبكة منظمة متهمة بالمتاجرة في الأحكام القضائية والتلاعب بمدد العقوبات السجنية. 

صدرت وقائع الجلسة برئاسة المستشار علي الطرشي، وسط حشد هائل من هيئات الدفاع والمتتبعين، لتبدأ "جنايات الدار البيضاء" في تشريح تفاصيل المخطط الإجرامي الذي أطاحت به الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، والذي يواجه أفراده تهما ثقيلة تتعلق بتكوين عصابة إجرامية والارتشاء والوساطة المشبوهة لدى موظفين عموميين.

مواجهة "عن بعد" وقائمة بأسماء المتهمين خلف القضبان

شهدت قاعة المحكمة بجنايات الدار البيضاء إجراءات تقنية دقيقة، حيث مثل المتهمون المتابعون في حالة اعتقال عبر تقنية "الفيديو" من داخل أسوار السجن، وضمت القائمة أسماء بارزة من بينهم "سعيد. ف"، و"عبد الرحيم. ا"، و"الحسين. ق"، و"سهام. أ" ضمن 14 متهما يواجهون محاكمتهم من خلف القضبان. 

وفي المقابل، غصت قاعة محكمة الاستئناف بالدار البيضاء بالمتهمين المتابعين في حالة سراح، ومن بينهم سيدة تدعى "نادية" وآخرون، فيما سجلت الجلسة غياب بعض المتابعين رغم توصلهم باستدعاءات رسمية، وهو ما دفع الهيئة القضائية لضبط الحضور بدقة قبل البدء في تلاوة صك الاتهام.

كواليس سقوط "شبكة السماسرة" في قبضة الفرقة الوطنية

تعود جذور هذه القضية التي تهز الرأي العام المغربي، إلى تحقيقات ماراثونية أجرتها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، والتي كشفت عن وجود بؤرة إجرامية تتلاعب بمصائر المتقاضين عبر الوساطة في الأحكام القضائية مقابل مبالغ مالية ضخمة. 

وأشارت التحقيقات المرفوعة إلى جنايات الدار البيضاء إلى أن الشبكة لم تكتف بالوساطة، بل امتدت يدها للتلاعب في مدد العقوبات الحبسية لفائدة سجناء، مما يعد طعنة في نزاهة العمل القضائي. 

وأوضحت التقارير الأمنية المعروضة على محكمة الاستئناف بالدار البيضاء أن عمليات التنصت والمراقبة الدقيقة هي التي قادت لإسقاط الرؤوس المدبرة لهذه الشبكة التي استغلت علاقاتها ببعض الموظفين للمتاجرة بالحقوق.

مهلة أخيرة للدفاع وتأجيل الملف ليناير المقبل

خلال أطوار الجلسة الأولى أمام جنايات الدار البيضاء، تقدمت هيئة الدفاع بطلبات لمنحها مهلة للاطلاع على وثائق الملف الضخم الذي أعده قاضي التحقيق. 

واستجابة لهذه المطالب، قرر المستشار علي الطرشي تأخير الملف إلى جلسة 13 يناير المقبل، وذلك لتمكين بعض المتهمين من تعيين محامين للنيابة عنهم، ومنح آخرين فرصة لإعداد دفاعهم في مواجهة صك الاتهام الثقيل. 

واعتبر مراقبون في محكمة الاستئناف بالدار البيضاء أن هذا التأجيل يهدف لتوفير كافة ضمانات المحاكمة العادلة في ملف يتسم بحساسية قانونية واجتماعية فائقة، خاصة وأنه يتعلق ب"سماسرة" مفترضين في محراب العدالة.

تهم ثقيلة وزلزال يضرب قطاع العدالة بـ"كازا"

يواجه المتهمون ال 27 اتهامات قانونية مشددة تشمل "تكوين عصابة إجرامية لإعداد وارتكاب جنايات ضد الأموال والاشخاص، والإرشاء والارتشاء، واستغلال النفوذ، والمتاجرة بالأحكام القضائية". 

وأكدت مجريات القضية أمام جنايات الدار البيضاء أن الدولة عازمة على تطهير مرفق القضاء من كافة الشوائب، وأن حبل العدالة سيطوق أعناق كل من سولت له نفسه تحويل أحكام القضاء إلى سلعة تباع وتشترى. 

وبانتظار جلسة منتصف يناير، تظل العيون شاخصة نحو استئنافية الدار البيضاء لمعرفة ما ستسفر عنه أطوار المحاكمة التي قد تطيح برؤوس أخرى في حال ظهور معطيات جديدة.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: استئنافية الدار البيضاء الفرقة الوطنية للشرطة القضائية جنايات الدار البيضاء تكوين عصابة إجرامية الاستئناف بالدار البیضاء

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • إيران ترفض استئناف زوجين بريطانيين محكوم عليهما بالسجن 10 سنوات بتهمة التجسس
  • محامي صلاح مصدق: نحترم الزمالك ونرحب بالحل الودي لأزمة المستحقات المالية
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • بورصة الدار البيضاء تنهي تداولاتها على وقع الانخفاض
  • إسرائيل مستاءة... هذه كواليس الجلسة الأولى من المُفاوضات اللبنانيّة - الإسرائيليّة
  • جنايات المنيا تعاقب تشكيلاً عصابياً بالعدوة بالمشدد 15 عاماً وغرامة 300 ألف جنيه
  • بعد جلسة مع سيد عبد الحفيظ.. حسين الشحات يؤجل حسم تجديد عقده مع الأهلي
  • حمدان بن محمد يصدر قراراً بشأن تنظيم استخدام الكاميرات في توثيق مهام ضبط المخالفات وإجراءات تنفيذ الأحكام
  • زلزال بقوة 5.8 درجة يضرب تشيلي
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش