قراءة في تشكيل برلمان مصر.. 70 بالمئة مولاة هل تكفي لتحقيق خطط السيسي؟
تاريخ النشر: 9th, January 2026 GMT
تشير النتائج الأولية لحصول أحزاب الموالاة في مصر على نسب تاريخية في أطول انتخابات برلمانية شهدتها البلاد امتدت لـ 99 يوما بعد تلقي المحكمة الإدارية العليا 300 طعن انتخابي على مرحلتيها وقررت إعادة الاقتراع بالدوائر التي شابها التزوير والمخالفة للقانون، وذلك برغم مقاطعة المعارضة رفضا لنظام "القائمة" الانتخابي.
وبعد إجراء انتخابات مجلس الشيوخ في آب/ أغسطس الماضي، دون الإعلان عن أية خروقات وفوز "القائمة الوطنية" (الموالية) بـ195 مقعدا من 200 مقعد، شهدت اقتراع مجلس النواب منذ 10 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، إلغاء نتائج 49 دائرة من أصل 70 بالمرحلة الأولى لخروقات ومخالفات وتضارب محاضر الفرز، وسط تشكيك معارضون بدستورية البرلمان وعدم قانونية اقتراع عزف عنه المصريون (17 بالمئة للشيوخ و11 بالمئة للنواب).
نسبة مرضية
واستحوذت الأحزاب الأربعة المشكل الأساسي لـ"القائمة الوطنية"، والتابعة للجهات السيادية وهي: "مستقبل وطن"، و"حماة الوطن"، و"الشعب الجمهوري"، و"الجبهة الوطنية"، على 403 مقعدا من 568 مقعدا، بنسبة 70.9 بالمئة، بواقع 277 مقعدا للأول التابع لجهاز "الأمن الوطني"، و87 للثاني التابع لـ"المخابرات الحربية"، و65 للثالث، و24 للرابع، وهما تابعين لـ"المخابرات العامة".
ويرى مراقبون أن نسبة 70.9 بالمئة مرضية لصانع القرار المصري وللأجهزة السيادية ولمؤسسة الرئاسة، وكافية لتمرير أية قوانين حكومية وتصنيع جميع التعديلات على القوانين، وإقرار الاتفاقيات الدولية، بما يرضى توجهات النظام؛ وخاصة مع ما يثار عن مشروع قانون يجري تجهيزه لتعديل الدستور لتمديد حكم رئيس النظام عبدالفتاح السيسي التي تنتهي ولايته الثالثة في 2030، إلى ولاية رابعة، وهو ما يحتاج أغلبية ثلثي أصوات "النواب" بحسب (المادة 226) من الدستور.
ويشيرون إلى أن الشكل العام يوحي بأنها انتخابات جاءت بـ53 نائبا معارضا لنظام السيسي، بنسبة 10 بالمئة من المقاعد، ومنحت 82 مقعدا للمستقلين، في نتيجة ترد وفق رؤية النظام على ما أثير حول عمليات التزوير والرشى الانتخابية والمخالفات القانونية.
لكنه بقراءة أسماء من تصفهم البيانات الحكومية بـ"المستقلين" وتنسبهم لـ"المعارضة"، تجد أن أغلب الفئة الأولى في الأصل كانوا تابعين لأحزاب الموالاة الأربعة، في برلماني عهد السيسي، (2015 و2020)، ولم تضمهم "القائمة الوطنية" في 2025، كما أن عدد النواب المعارضين فعليا والذين حصلوا على مقاعد بالبرلمان الجديد لا يتعدون أصابع اليد الواحدة.
ويلفت البعض إلى أن هناك 28 مقعدا يعينها السيسي، لتنضم إلى قائمة الموالاة، ما يجعل من البرلمان الذي سيجتمع 12 كانون الثاني/ يناير الجاري، صورة أكثر تمثيلا للسلطة من برلماني 2015 و2020.
ويكشف مشهد مصافحة نائب رئيس حزب "مستقبل وطن" النائب أحمد عبدالجواد "مهندس القائمة الوطنية"، بعض النواب المستقلين الذين جرى استبعادهم من القائمة وفازوا بمقاعد بمجلس النواب، عن انتهاء الخلاف وبداية مرحلة عمل جديدة تحت قبة البرلمان وفق رؤية حزب الأغلبية.
وبالمقارنة بين نتائج برلمانات: 2015 و 2020 و 2026، فإن نسبة المستقلين انخفضت من 57 بالمئة شكلوا الأغلبية، إلى نسبة 21 بالمئة، ثم 18.5 بالمئة، كما كان الحزب المهيمن هو "المصريين الأحرار" بـ65 مقعدا، ليحصد "مستقبل وطن" 316 مقعدا مشكلا الأغلبية منفردا، ليواصل تصدره الأغلبية في "النواب" ولكن بعدد أقل بلغ 277 مقعدا، لكن بنسب أكبر للموالاة بعد ضم الأحزاب الثلاثة الأخرى شريكة "القائمة الوطنية".
سجال الأرقام واعتراض المعارضة
ووفق دراسة إحصائية لـ"الهيئة العامة للاستعلامات" (حكومية) الأربعاء، حصلت 8 أحزاب معارضة على 53 مقعدا، بنحو 10 بالمئة من الأعضاء المنتخبين، 4 أحزاب منها منتمية لـ"الحركة المدنية الديمقراطية"، بعدد 32 مقعدا، يمثلون 60 بالمئة من إجمالي مقاعد أحزاب المعارضة التي تبلغ مع المستقلين 158 مقعدا، يمثلون 28 بالمئة من الأعضاء المنتخبين.
وذلك في إشارة إلى حصول أحزاب "المصري الديمقراطي" على 11 مقعدا، و"العدل" 11 مقعدا، و"الإصلاح والتنمية" 9 مقاعد، و"الوفد" 9 مقاعد، و"النور السلفي" 6 مقاعد، و"التجمع 5 مقاعد، و"المحافظين"، و"الوعي" مقعد لكل منهما.
وبرغم أن هذه الأرقام التي ذكرتها "هيئة الاستعلامات" تمثل تراجعا مستمرا في الحضور الحزبي بالبرلمان منذ عام 2015، إلا أن "الحركة المدنية الديمقراطية"، المعارضة شككت في صحتها الأربعاء، مؤكدة أن "وجود 32 عضوا يمثلون الحركة بالبرلمان الجديد، معلومة غير صحيحة"، موضحة أن "أغلبية هؤلاء الأعضاء ترشّحوا على القائمة الوطنية، التي أعدتها أحزاب الموالاة، والتي استخدمت المال السياسي لاستقطاب المواطنين ولم تحصد أكثر من 11بالمئة من الأصوات".
هل يكفي لتمرير خطط السيسي؟
لا يعطي الدستور المصري، البرلمان، حق منح الرئيس ولاية جديدة بقرار إداري أو تصويت برلماني، حيث تنص "المادة 140"، صراحة على أن (مدة الرئاسة 6 سنوات، ولا يجوز تولي الرئاسة لأكثر من مدتين متتاليتين)، ولذا فإن السيسي الذي تنتهي مدته دستوريا في أبريل 2030 لا يحق له الترشح مجددا، إلا بتعديل دستوري جديد.
وتعد نتائج برلمان 2026 حاسمة في رسم المرحلة السياسية المقبلة لأكبر بلد عربي سكانا (118 مليون نسمة)، ليس فقط لأنها تضع السياسة التشريعية حتى عام 2030، بل لأن هذا البرلمان هو القناة الدستورية الوحيدة التي يمكن من خلالها تمرير تعديلات دستورية تتعلق بشكل الحكم ومدة بقاء رئيس السلطة الحالية.
وفي قراءة البعض فإن سيطرة ائتلاف "مستقبل وطن" وحلفاؤه "حماة الوطن"، و"الشعب الجمهوري"، و"الجبهة الوطنية" على 71 بالمئة من المقاعد، تمنح القصر الرئاسي بالعاصمة الجديدة شيكا على بياض لتمرير أي قوانين عادية، بدعم من المستقلين أيضا والمعينين، في ظل عجز ما حصلت عليه ما يطلق عليها أحزاب المعارضة في مواجهة تلك الأغلبية المفرطة.
ومع ما يمتلكه برلمان 2026 من أدوات قانونية وتشريعية وأغلبية عددية فإنه وفق خبراء يمكنه "القيام بتعديل الدستور لمنح السيسي، ولاية رابعة، حيث تنص (المادة 226) من الدستور على أن تعديل الدستور يتطلب موافقة خُمس أعضاء المجلس لتقديمه، وثُلثي الأعضاء لإقراره قبل طرحه للاستفتاء العام"، وهو نصاب قانوني مضمون بأغلبية أكثر من 70 بالمئة.
ويلفت البعض إلى "جدل قانوني مع نص الفقرة الأخيرة من (المادة 226)، التي تقول إنه (لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية... ما لم يكن التعديل متعلقا بمزيد من الضمانات)".
إلا أن سابقة إقرار البرلمان تعديلات دستورية عام 2019، منحت السيسي عامين إضافيين بولايته الثانية (2016- 2018) وأعطته ولاية ثالثة مدتها 6 سنوات حتى 2030، تثبت أن البرلمان يمكنه تجاوز هذا النص مجددا واستحداث مواد جديدة تمنح السيسي، حق الترشح لمدد إضافية.
ويتوقع مراقبون أن "يستخدم النظام مبررات مثل حماية الدولة من السقوط، أو مواجهة أخطار داخلية وأخرى خارجية، أو استكمال المشروعات القومية، لحشد دعم البرلمان للتعديل الرئاسي وتمرير استفتاء شعبي، كما حدث في مبررات تعديلات 2019، الدستورية واستفتاء نيسان/ أبريل.
ذات الخريطة وتغييرات شكلية
وفي إطار قراءة سياسية هادئة ومسؤولة لنتائج انتخابات مجلس النواب ودور أحزاب الموالاة والمستقلين والأحزاب غير الموالية، قال السياسي المصري مجدي حمدان موسى، إنها "تعكس في مجملها استمرار الخريطة السياسية ذاتها، مع بعض التغييرات الشكلية في الأسماء لا في الأدوار".
وأكد في حديثه لـ"عربي21"، أن "وجود عدد من المستقلين أو ممثلي أحزاب خارج دائرة الموالاة لا يعني بالضرورة تشكل معارضة فاعلة، طالما أن السياق العام للعملية السياسية لا يتيح مساحات حقيقية للاختلاف البرامجي أو الرقابة الجادة"، موضحا أن "المعارضة ليست أرقاما داخل القاعة، بل قدرة على التأثير وصناعة بدائل، وهو ما لم تتضح ملامحه بعد".
ويعتقد موسى، أن "فرص الطعن على النتائج وإبطال البرلمان من الناحية القانونية، تظل قائمة فحق الطعن مكفول وفق الدستور والقانون، متى توافرت أدلة جدية على مخالفات جوهرية تمس سلامة العملية الانتخابية".
موسى، الذي قرر الخروج المبكر من انتخابات مجلس النواب لما طغى عليها من سيطرة للمال السياسي والرشى الانتخابية، يلفت إلى أن "الحديث عن إبطال البرلمان بغرفتيه، فهو يظل سيناريو استثنائيا مرتبطا بأحكام قضائية باتة، وليس مجرد رغبات سياسية أو تقديرات إعلامية".
التعديل الدستوري والتحدي الأهم
وعن "نسبة أحزاب الموالاة وإمكانية التعديل الدستوري"، يرى القيادي في حزب "المحافظين"، أن "حصول أحزاب الموالاة الأربعة على ما يقارب 70 بالمئة من المقاعد يوفر من حيث الشكل كتلة مريحة لإدارة التشريع وتمرير القوانين، لكنه لا يكتمل بالضرورة كضمانة سياسية أو مجتمعية لتعديلات دستورية كبرى".
ويرى أن "التعديل الدستوري لا يُقاس فقط بالأغلبية العددية داخل البرلمان، بل يحتاج إلى توافق وطني أوسع، ومناخ سياسي يرسّخ الثقة ويمنح هذه التعديلات شرعية شعبية حقيقية، وهو ما يبقى التحدي الأهم".
وفي قراءته لمستقبل أداء البرلمان خلال السنوات الخمس المقبلة، قال إن "المشهد المتوقع لعمل البرلمان، في حال استمرار المعطيات الحالية، لن يختلف جذريا عن البرلمانات السابقة، ما لم يحدث تحول حقيقي في قواعد العمل السياسي، ويُفتح المجال أمام رقابة فعالة، ونقاش تشريعي جاد، وتوازن حقيقي بين السلطات"، مؤكدا أن "التغيير المنشود لا يبدأ من داخل القاعة فقط، بل من البيئة السياسية المحيطة بها".
وخلص للقول: "نحن أمام برلمان يملك من حيث الشكل أدوات التشريع، لكنه يظل مطالبا بإثبات قدرته على تمثيل الإرادة الشعبية، وممارسة دور رقابي حقيقي، والمساهمة في بناء دولة القانون والمؤسسات، وهو الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة".
حصاد مر ومخاوف
واجهت البرلمانات المصرية الثلاثة في عهد السيسي، انتقادات تركزت حول "الهيمنة الأمنية على اختيارات نواب البرلمان بشقيه، وتوجيه الجهات السيادية لعمل وأداء البرلمان، وسرعة تمرير تشريعات وُصفت بأنها تضر بالحقوق الاقتصادية وأثرت على الأحوال المعيشية للمصريين"، وهي الانتقادات التي تحولت إلى "مخاوف من استمرار أداء البرلمان الباهت وتمرير قرارات ومشروعات واتفاقيات تضر بأمن مصر القومي".
وانتقدت المعارضة غياب البث المباشر للجلسات، واعتبرته غيابا للشفافية، كما رأت أن البرلمان تخلى عن دوره الرقابي لصالح تمرير مئات القوانين التي صدرت بقرارات رئاسية قبل انعقاده عام 2015، وبلغت أكثر من 340 قانونا في 15 يوما، مع ندرة طلبات استجواب الوزراء، والاكتفاء بطلبات الإحاطة، مع إقرار قوانين وميزانيات وقروض ترفع الدين العام، دفعت لوصفه بأنه "سكرتارية للحكومة".
ومن القوانين المثيرة للجدل: "الإيجار القديم" (تعديلات 2024-2025)، و"التصالح في مخالفات البناء"، وتعديلات قانون التعليم أو (نظام البكالوريا)، و"الإجراءات الجنائية الجديد" (2025)، و"العمل الجديد"، وقبلهم: "التأمينات والمعاشات"، و"تنظيم قوائم الكيانات الإرهابية"، وقوانين الضرائب والرسوم، وغيرها.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية أحزاب الموالاة السيسي البرلمانات المصرية السيسي الانتخابات أحزاب برلمان مصر الموالاة المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة القائمة الوطنیة مجلس النواب مستقبل وطن بالمئة من أکثر من
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.