النظام الدولي فيما بعد أحداث فنزويلا
تاريخ النشر: 9th, January 2026 GMT
لم تبدأ قصة فنزويلا مع عملية اختطاف نيكولاس مادورو وزوجته من غرفة نومهما، كما لم تبدأ الحكاية مع تصريحات دونالد ترامب عن إدارة فنزويلا وبيع نفطها عبر الشركات الأمريكية؛ ما حدث هناك هو حلقة متأخرة في سلسلة تاريخية أطول بكثير؛ سلسلة تمتد من سفن القراصنة التي كانت ترفع علم الإمبراطورية، إلى الطائرات المسيّرة التي تحمل علم "الحرب على الإرهاب"، وصولا إلى مشهد رئيس دولة يُنتزع من سيادته ويُعاد تعريفه كسجين في نظام قضائي أجنبي.
عملية اختطاف مادورو ليست مجرد "تجاوز"، بل هي إعلان سياسي-حضاري يقول إن زمن احترام الشكل السيادي قد انتهى. رئيس دولة، مهما اختلفنا مع سياساته، يُعامَل كزعيم عصابة يُخطف مع زوجته وينقل إلى نيويورك ليُحاكم وفق قانون دولة أخرى، بينما يعلن الرئيس الأمريكي ببرود أنه سيتكفل بإدارة فنزويلا إلى حين إشعار آخر، وأن النفط الفنزويلي سيباع مباشرة عبر الشركات الأمريكية، وأن عائداته ستوضع تحت وصاية وزارة الخزانة. بهذا المنطق تتحول الدولة من فاعل سياسي إلى "حقل استثماري متعثر" يحتاج إلى مدير خارجي. هذه ليست لغة دبلوماسية، بل لغة استحواذ صريحة؛ إنها لحظة تسييل للسيادة وتحويل كيان سياسي مستقل إلى أصل مالي يمكن تشغيله عن بعد.
إذا وضعنا هذه اللحظة في سياق أوسع للسياسة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، يمكننا أن نرى تعاقبا واضحا في أنماط الهيمنة. في المرحلة الأولى كان خطاب "الاحتواء" في مواجهة الاتحاد السوفييتي، يتجسد في انقلابات سرية وحروب بالوكالة، في المرحلة الثانية جاء عصر "التدخل الإنساني" بعد الحرب الباردة، قصف باسم حقوق الإنسان، وحصار باسم حماية المدنيين. ثم جاءت "الحرب على الإرهاب" لتبرر غزو أفغانستان والعراق تحت شعار "بناء الأمة" و"صناعة الديمقراطية". كل هذه المراحل اشتركت في شيء واحد هو الحاجة إلى قناع أخلاقي، إلى قصة تروى للعالم عن الفضيلة الأمريكية. ما نشهده اليوم مع فنزويلا هو الدخول في طور رابع هو الاستعمار الاستخراجي المعلن؛ حيث لا يعود ضروريا تلفيق حكايات معقدة، بل يكفي أن يقال: نزيح هذا الحاكم، ندير تلك الدولة، نبيع نفطها، ونتكفل بالباقي.
حين ننظر إلى أفغانستان والعراق وليبيا من زاوية هذا الطور الرابع، تتحول تلك الحروب من "أحداث منفصلة" إلى مقدمات تجريبية. في أفغانستان قيل إن الهدف هو القضاء على الإرهاب، لكن "صدفة" أن البلد يقع على مفترق طرق جيوسياسي بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا، وعلى مخزون هائل من المعادن النادرة. في العراق قيل إن الهدف إزالة أسلحة دمار شامل، ثم بناء ديمقراطية نموذجية، لكن "صدفة" أخرى أن البلد يحمل أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، وأن موقعه يؤمّن إعادة تشكيل خريطة الطاقة في الشرق الأوسط. في ليبيا قيل "مسؤولية الحماية"، لكن النتيجة كانت تفجير دولة وفتح الهلال النفطي الليبي على مصراعيه أمام لعبة توازنات جديدة. ما كان يُدار في السابق عبر حبكة أخلاقية صار اليوم يُقال بلا رتوش: الحرب كانت وستبقى أداة لإعادة توزيع السيطرة على الموارد والمسارات.
ما الجديد إذن في عملية اختطاف مادورو؟ الجديد ليس أن الولايات المتحدة تريد نفط فنزويلا؛ فهذا معروف منذ عقود، الجديد أن واشنطن قررت أن تعلن ذلك بلا خجل. حين يقول ترامب بوضوح إنه سيرسل شركاته "لإصلاح حقول النفط الفنزويلية" و"تنظيم بيع النفط" و"استرجاع التكاليف من العائدات"، فإنه لا يتحدث كقائد دولة بل كرئيس مجلس إدارة شركة استعمارية. هنا تتفكك حتى الواجهة اللغوية لـ"التحالف الدولي" و"القرار الأممي" و"الشرعية الدولية"، وتظهر مكانها لغة العقد والصفقة والامتياز. الحرب لم تعد تُقدَّم كآخر دواء لمداواة الاستبداد، بل كعقد تشغيل قسري لمصادر الطاقة.
من منظور الفلسفة السياسية، نحن أمام تعرية لمفهومين أساسيين هما الحرب العادلة والسيادة المتساوية. تقليديا كانت الحروب تبرَّر حتى في خطاب الإمبراطوريات باسم دفع ظلم أعظم، أو حماية حدود، أو منع إبادة؛ اليوم تعود الحرب إلى معناها الأول وهو القنص المنظم للثروة. أما السيادة، التي قامت عليها شرعة الأمم المتحدة، فكانت تعني أن كل دولة مهما صغر حجمها متساوية قانونا؛ اختطاف رئيس ونقله لمحكمة أجنبية يعني فعليا أن هذه المساواة كانت خدعة لطيفة ما دام صاحب القوة قادرا على تحويل خصومه إلى "متهمين" أمام قضائه الخاص. إنها قوننة الهيمنة وتوسيع الاختصاص القضائي للدولة الأقوى ليغطي العالم، بحيث يصبح "القانون" أداة السيطرة، لا قيدا عليها.
في الخلفية تعمل آلية أخرى لا تقل خطورة عن الدبابات والطائرات هي العقوبات الاقتصادية، فقبل أن تُختطف فنزويلا عسكريا، كانت تُخنق ماليا. العقوبات ليست مجرد تدابير ضغط، بل هي حرب بوسائل مالية؛ حصار بحري بلا سفن، تُمنع الدولة من بيع نفطها بحرية، يُمنع عنها التمويل، تُجمّد أصولها، فيتآكل اقتصادها، ويتعب شعبها، عندها تصبح فكرة "الإدارة الخارجية" تبدو كخيار عملي لبعض الفئات. هذا النمط رأيناه في العراق قبل 2003، حيث مهّد حصار التسعينيات للغزو، ورأيناه في ليبيا، حيث استُخدم الحصار والغارات الجوية معا لتفكيك البنية السياسية. فنزويلا ليست استثناء؛ إنها نموذج مكتمل لحرب هجينة، عقوبات لتفكيك الداخل، وقرصنة عسكرية لاختطاف القيادة، ثم وصاية على الموارد تحت عنوان "المساعدة".
بهذا المعنى يمكن القول إن الاستراتيجية الأمريكية المعاصرة تقوم على معادلة بسيطة وقاسية؛ هي أنّ كل دولة مستقلة تمتلك ثروات استراتيجية وتصرّ على قرار سيادي مستقل، تُدرَج في خانة "الخطر الكامن". هذا الخطر لا يقاس بدرجة استبداد النظام أو عدائه للغرب، بقدر ما يقاس بدرجة رفضه تحويل ثرواته إلى جزء من منظومة السوق التي تقودها واشنطن. في هذا السياق تصبح الحالة الأفغانية والعراقية والليبية والفنزويلية وجوها مختلفة لنفس الفكرة.الاستقلال "جريمة" سياسية حين يقترن بالثروة.
ما يفاقم خطورة اللحظة الفنزويلية أن العالم يشاهد ويصمت، أو يكتفي ببيانات ناعمة. القوى الكبرى المنافسة قد تعترض لفظيا، لكنها توازن بين استنكار مبدئي ومصالحها الخاصة. أما الدول الضعيفة، فهي موزعة بين الخوف من المصير نفسه، والرغبة في الاحتماء بالمركز الأقوى. هكذا يتحول اختطاف رئيس واحد إلى رسالة كونية؛ ليس هناك "ممنوع" حقيقي، كل شيء قابل للتجاوز إذا كانت كلفة التحدي منخفضة. هذه الرسالة، إن استقرت، ستعيد تعريف السياسة الدولية من جديد، من ساحة تفاوض بين دول إلى سوق مفتوحة للثروات المحمية بالقوة.
في النهاية، ما تكشفه فنزويلا ليس وحشية رجل واحد في البيت الأبيض بقدر ما يكشف طبيعة طور جديد من الرأسمالية المعولمة؛ طور لم يعد محتاجا إلى تبرير ذاته عبر لغة الحقوق والقيم، لأنه بات يملك من أدوات العنف والمال ما يكفي لفرض منطقه العاري؛ الموارد أولا، السيادة لاحقا، إن بقي منها شيء. في هذا الطور، لا يعود السؤال: هل الحرب مشروعة؟ بل: هل الغنيمة تستحق المخاطرة؟ ولا يعود السؤال: هل هذه الدولة ديمقراطية؟ بل: هل هذه الدولة قابلة للقولبة في منظومة السوق أم تحتاج إلى "إعادة تشكيل بالقوة"؟
المفارقة أن كل ما بُني في القرن العشرين من منظومة قانونية ومؤسسات دولية ومواثيق حقوقية هدفه أن يمنع عودة هذا الشكل من الاستعمار، ينهار اليوم أمام مشهد فنزويلا وغيرها. دولة يُعلن أن نفطها سيُدار من الخارج، وشعب يُراد له أن يعتاد فكرة أن مصيره النهائي يقرره من يملك الطائرات، لا من يملك صناديق الاقتراع. إن فنزويلا ليست مجرد أزمة في جنوب القارة الأمريكية؛ إنها اختبار شامل لما إذا كان العالم مستعدا للقبول بعودة الاستعمار، لا كذكرى تاريخية، بل كبرنامج عمل للقرن الحادي والعشرين.
x.com/fatimaaljubour
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء فنزويلا قانون السيادة ثروات امريكا قانون فنزويلا السيادة ثروات قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة رياضة رياضة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة کانت ت
إقرأ أيضاً:
ميش عزام والصوت الدولي لموسيقى البوب العربية المعاصرة
ينتمي ميش عزام، المعروف مهنيًا باسم ميش، إلى فئة محترفي الموسيقى الراسخين الذين يُسمع تأثيرهم من خلال الاعتمادات الفنية والإصدارات والتعاونات، لا من خلال الترويج الذاتي وحده. وبصفته منتجًا موسيقيًا وكاتب أغانٍ وموزعًا ومهندس صوت وفنان تسجيل ومهندس مكساج للموسيقى التصويرية، فقد بنى أرشيفًا فنيًا يربط موسيقى البوب العربية بمعايير الإنتاج الخاصة بسوق الموسيقى العالمية. وتشمل مسيرته المهنية أعمالًا في مختلف أنحاء الشرق الأوسط والولايات المتحدة، وخلفية أكاديمية رسمية في إنتاج وهندسة الموسيقى من كلية بيركلي للموسيقى، إلى جانب القاعدة المهنية المستقلة المتمثلة في ستوديو عزام، الذي واصل من خلاله تطوير أعمال فنية لفنانين يعملون عبر لغات ومناطق وجماهير متعددة.
وبالنسبة لصحيفة ناطقة باللغة الإنجليزية في مصر، تكتسب قصة ميش أهمية خاصة لأنها تعكس الاتجاه الدولي الذي تسلكه الموسيقى العربية نفسها. فلم يعد مشهد البوب في المنطقة يُعرّف فقط من خلال أسواق الإذاعة الوطنية أو الظهور على شاشات التلفزيون المحلية. بل بات يتشكل بصورة متزايدة عبر المنصات الرقمية، ومستمعي المهجر، والتعاونات العابرة للحدود، والأغاني التي تنتقل بين القاهرة وبيروت ورام الله ولوس أنجلوس والعالم الأوسع للبث الرقمي. ويندرج أرشيف أعمال ميش بالكامل ضمن هذه البيئة. فهو لا يُقدَّم في السجل المهني بوصفه اسمًا جديدًا أو فنانًا طموحًا في بداية الطريق، بل بوصفه محترفًا معتمدًا تظهر مساهماته بصورة متكررة في الإصدارات التجارية، والاختيارات التحريرية للمنصات، ومشروعات الصوت الخاصة بالأعمال المرئية.
ومن أوضح الأمثلة على ذلك أغنية «النصيب» لساندرا حج، حيث تُظهر الاعتمادات العامة على المنصات اسم ميش عزام بصفته موزعًا وكاتب أغانٍ ومنتجًا ومهندسًا. وتكتسب هذه المجموعة من الأدوار أهمية خاصة. ففي موسيقى البوب المعاصرة، لا يقتصر دور الشخص الذي يحمل هذه الاعتمادات على صقل الأغنية في نهاية العملية الإنتاجية، بل يساهم في تشكيل هويتها الموسيقية وبنيتها وصوتها وتسليمها النهائي. كما جذبت أغنية «النصيب» جمهورًا واسعًا، إذ حصد الفيديو الرسمي على يوتيوب أكثر من 975 ألف مشاهدة. ولا تكمن أهمية الرقم في حد ذاته بوصفه محددًا لمسيرة مهنية كاملة، بل في كونه يدعم نمطًا أوسع؛ إذ وصلت الأعمال المعتمدة باسم ميش إلى جماهير عربية واسعة من خلال الإصدارات العامة، بدلًا من بقائها غير مرئية داخل جلسات الاستوديو الخاصة.
ويستمر هذا النمط عبر أرشيف أعمال ساندرا حج. إذ تُظهر أغنية «شكرًا أمي» اعتماد ميش بصفته كاتب الأغنية ومهندس الصوت وعازف جميع الآلات، وهو ما يعكس مستوى من المسؤولية الإبداعية والتقنية يتجاوز مهمة إنتاجية واحدة. وقد تجاوز الفيديو الرسمي للأغنية 615 ألف مشاهدة، فيما تخطت «مشتاقة» 402 ألف مشاهدة، وتجاوزت «لا أكيد مش صح» 184 ألف مشاهدة. وتُظهر هذه الإصدارات ميش بوصفه قوة إبداعية متكررة الحضور داخل أعمال البوب العربية ذات الحضور التجاري الواضح. كما تبرهن على ذلك النوع من الاتساع المهني الذي يميز بين مشارك عام في الاستوديو ومنتج ومهندس صوت يمكن تتبع بصمته الفنية وتأليفه عبر عدة أعمال مختلفة.
وتعزز أعماله مع الإكس هذا التصور بصورة أكبر. إذ تُدرج آبل ميوزيك اسم ميش عزام بصفته كاتب أغانٍ ومنتجًا لأغنية «بالحفلة» للفنانين الإكس ولؤي، وهي أغنية اقترب فيديوها الرسمي من نصف مليون مشاهدة. كما حققت أعمال أخرى للإكس مرتبطة بالدائرة الإبداعية نفسها، من بينها «تليفون» و«مجنونة» بمشاركة سيزار، جماهير عامة تجاوزت مئات الآلاف من المستمعين والمشاهدين. وعند النظر إلى هذه الأعمال مجتمعة، فإنها لا تمثل اعتمادات متفرقة ومعزولة ضمن مشروعات غير مرتبطة، بل تعكس مشاركة مستمرة في بيئة البوب العربية والليفانتية المعاصرة، حيث تُعد القدرة على الوصول إلى الجمهور، والظهور على المنصات، والثقة الإبداعية المتكررة عناصر ذات أهمية كبيرة.
كما تمتد أعمال ميش إلى إصدارات عابرة للحدود تجمع بين اللغتين الإنجليزية والعربية. ففي أغنية «هولد مي كلوز» للفنانة جميلة والإكس، تُظهر الاعتمادات العامة على المنصات الموسيقية اسم ميش عزام بصفته كاتب أغانٍ ومنتجًا، بينما تُدرجه منصة أوديوماك بصفته المنتج للإصدار الذي طُرح في مارس 2024 عبر ليفانتين ميوزيك وهوس ريكوردز. وتكمن أهمية هذا الاعتماد في طبيعة السوق التي يمثلها. فالإصدار الذي يجمع بين تقديم البوب باللغة الإنجليزية وفنانين عرب وشبكات شركات إنتاج إقليمية يُعد جزءًا من تحول أوسع لم يعد فيه محترفو الموسيقى في الشرق الأوسط يعملون لجمهور محلي واحد فقط، بل أصبحوا يبنون أعمالًا فنية صُممت للسفر والوصول إلى أسواق متعددة.
وتضيف المنصات الرقمية طبقة أخرى من التقييم لهذا الحضور. إذ يتضمن السجل المهني لميش دعمًا تحريريًا من سبوتيفاي لإصدارات من بينها «الدنيا بتضحك» لساندرا حج ضمن قائمتي «نيو ميوزيك فرايدي مصر» و«نيو ميوزيك فرايدي ليفانت»، وأغنيتا «بالحفلة» و«تليفون» للإكس ضمن قائمة «فلسطين هيتس»، وأغنية «النصيب» لساندرا حج ضمن قائمتي «نيو ميوزيك فرايدي المغرب» و«نيو ميوزيك فرايدي ليفانت». وفي اقتصاد البث الموسيقي، تكتسب الاختيارات التحريرية أهمية خاصة لأن الإرشادات العامة الخاصة بسبوتيفاي توضح أن الفنانين لا يستطيعون الدفع مقابل إضافتهم إلى القوائم التحريرية. بل تُراجع الأغاني من قبل فرق تحريرية تُقيّم الترشيحات وبيانات المستمعين وما يلقى صدى لدى المجتمعات المختلفة. وبالنسبة لمنتج يعمل في موسيقى البوب العربية، فإن الظهور المتكرر داخل هذه البيئة يمثل مؤشرًا على الاعتراف المهني من إحدى أهم البوابات التي يكتشف من خلالها الجمهور المعاصر الموسيقى الجديدة.
ويجعل السياق الأوسع للبث الرقمي هذه الاختيارات التحريرية وأرقام الجمهور أكثر أهمية. فقد أشارت مؤسسة ميوزيك بيزنس وورلدوايد، استنادًا إلى بيانات «لود آند كلير» التابعة لسبوتيفاي، إلى أن الغالبية الساحقة من الفنانين والأغاني على المنصة تحظى بمستويات استماع محدودة للغاية. إذ كان لدى ما يقرب من 80 بالمئة من الفنانين أقل من 50 مستمعًا شهريًا، فيما حققت معظم الأغاني أقل من خمسة آلاف تشغيل طوال فترة وجودها. وفي مثل هذا السوق الرقمي المزدحم، فإن الجماهير التي تتجاوز مئات الآلاف، والدعم التحريري للقوائم، والاعتمادات العامة المتكررة ليست مجرد تفاصيل عابرة. بل تساعد في إظهار أن أعمال ميش حققت مستوى من الظهور يتجاوز المستوى الأساسي الذي تصل إليه غالبية الأعمال الموسيقية المرفوعة إلى اقتصاد المنصات العالمية.
ويرتبط تميز ميش أيضًا باتساع نطاق وظائفه المهنية. فعبر الاعتمادات العامة، يظهر بصفته منتجًا وكاتب أغانٍ وموزعًا ومهندسًا ومساهمًا موسيقيًا ومهندس مكساج للموسيقى التصويرية. وتكتسب هذه المجموعة من الأدوار أهمية خاصة لأن إنتاج البوب الحديث يكافئ المحترفين القادرين على تشكيل العمل الفني من الفكرة الأولى حتى التسليم النهائي. فأفضل المنتجين لا يقتصرون على مسار تقني واحد، بل يفهمون التأليف الموسيقي والأداء والتسجيل والتوزيع الموسيقي وتقديم الصوت البشري وترجمة المكساج والصوت النهائي الذي يصل إلى المستمع. ويعكس أرشيف أعمال ميش هذا الدور المتكامل.
كما تضيف أعماله المرتبطة بالشاشة بعدًا آخر إلى حضوره الدولي. إذ تُظهر المواد العامة الخاصة بالأفلام والمهرجانات أن فيلم «شارع واحد بسلوان» هو فيلم وثائقي عُرض ضمن دائرة المهرجانات، مع اعتماد ميش بصفته مهندس مكساج للموسيقى التصويرية. وفي الأعمال السينمائية، لا يُعد مكساج الموسيقى التصويرية وظيفة تجميلية. بل يشكل جزءًا من البنية العاطفية والسردية النهائية للفيلم، بما يضمن أن تدعم الموسيقى الصورة والحوار والقصة بوضوح وتأثير. وبالنسبة لمحترف موسيقي تقوم شهرته الأساسية على الأغاني والتسجيلات، فإن هذا النوع من الاعتمادات يبرهن على قدرته على العمل بكفاءة في عالمي الموسيقى المسجلة وصوت الأفلام معًا.
وما يجعل مسيرة ميش جديرة بالاهتمام ليس رقمًا واحدًا أو ظهورًا واحدًا في قائمة معينة، بل تراكم مؤشرات مستقلة تشير جميعها إلى الاتجاه نفسه. فالاعتمادات الموسيقية العامة تُظهر مسؤولية إبداعية مركزية. والفيديوهات الرسمية تُظهر وصولًا حقيقيًا إلى الجمهور. والاختيارات التحريرية في سبوتيفاي تُظهر اعترافًا على مستوى المنصة. والإصدارات العابرة للحدود تُظهر قدرة على تجاوز سوق وطني واحد. أما الأعمال السينمائية فتُظهر أن مهاراته قابلة للانتقال أيضًا إلى مجال السرد السمعي البصري. وعند جمع هذه العناصر معًا، فإنها تصف منتجًا ومهنيًا في مجال الصوت يستند حضوره إلى أعمال أُنجزت بالفعل.
وفي وقت تكتسب فيه موسيقى البوب العربية زخمًا دوليًا متزايدًا، يشكل محترفون مثل ميش عزام جزءًا من البنية التحتية الكامنة وراء هذا التوسع. فقد يقف الفنانون في مقدمة المسرح، لكن الصوت الذي يحملهم عبر الحدود يُبنى بواسطة منتجين وكتّاب ومهندسين قادرين على ترجمة الهوية الإقليمية إلى أعمال موسيقية تلبي التوقعات الدولية. وقد فعل ميش ذلك عبر إصدارات البوب العربية، والتعاونات العابرة للحدود، وأعمال الصوت الخاصة بالشاشة. وتعكس مسيرته المهنية الواقع الحديث لصناعة الموسيقى العربية: متجذرة في المنطقة، ومسموعة عبر المنصات العالمية، وتحظى باعتراف متزايد يتجاوز حدود أي دولة واحدة.