هل تحاول أمريكا إعادة صياغة العالم وفرض واقع جديد بالقوة والصدمة؟
تاريخ النشر: 9th, January 2026 GMT
ليس من قبيل المصادفة أن تتسارع الأحداث الدولية بهذا الإيقاع غير المسبوق، ولا أن تتزامن الضغوط في أكثر من اتجاه جغرافي وسياسي واقتصادي في وقت واحد.
ما نشهده اليوم لا يبدو مجرد ردود أفعال متفرقة، بل أقرب إلى منهج متكامل يعتمد على الصدمة، ورفع السقف، وفرض الأمر الواقع قبل أن يستعيد العالم توازنه أو يلتقط أنفاسه.
في النطاق القريب من الولايات المتحدة، عادت واشنطن للتعامل مع فنزويلا وكوبا والمكسيك بمنطق “الحديقة الخلفية” القديم، لكن بأدوات أكثر خشونة بدءاً بالعقوبات، والسيطرة على الأصول، والضغط البحري، وحتى الاستيلاء على ناقلات نفط ترفع أعلاما ً سيادية لدول كبرى، لم تعد خطوات استثنائية، بل رسائل مباشرة مفادها أن السيادة الاقتصادية باتت قابلة للمصادرة إذا تعارضت مع المصالح الأمريكية.
الرسالة هنا لا تُوجَّه لتلك الدول وحدها، بل لكل من يفكر في الخروج عن الإيقاع المفروض.
أما أوروبا، فالعلاقة معها لم تعد علاقة حلفاء بالمعنى الكلاسيكي، بل شراكة مشروطة بالقوة. فنجد أن ملف الطاقة كشف هشاشة الاستقلال الأوروبي، وجعل القارة العجوز رهينة معادلات لا تصنعها وحدها؛ وفي هذا السياق لم يكن طرح فكرة الاستحواذ على جرينلاند مجرد زلة لسان أو استعراض سياسي، بل إشارة فجة إلى أن منطق المصالح الجيوسياسية قد يتقدم على كل الاعتبارات القانونية والتاريخية، حتى داخل المعسكر الواحد.
أوروبا فهمت الرسالة، لكنها لم تحسم بعد كيف ترد عليها.
وعلى خط موازٍ، تدير الولايات المتحدة صراعاً طويل النفس مع الصين، لا يستهدف كسرها دفعة واحدة، بل إبطاء صعودها، وتقييد تمددها التكنولوجي، والتحكم في سلاسل الإمداد الحيوية .. هو صراع اقتصادي في ظاهره، لكنه يحمل في جوهره خوفا ً استراتيجياً من عالم لم تعد فيه أمريكا اللاعب الأوحد. وفي المقابل، تُبقي واشنطن روسيا غارقة في حرب استنزاف مفتوحة في أوكرانيا، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، في نموذج دقيق لحروب الوكالة المدروسة.
هذه التحركات المتوازية تشير إلى أن الولايات المتحدة لا تسعى بالضرورة إلى بناء نظام عالمي جديد متماسك، بقدر ما تحاول إعادة كتابة قواعد اللعبة القديمة بما يضمن استمرار تفوقها، أو على الأقل تأجيل لحظة تراجعها.
سياسة الصدمة هنا ليست غاية، بل أداة؛ تهدف إلى إرباك الخصوم، وتطويع الحلفاء، ومنع تشكّل توازنات بديلة قبل أن تنضج.
لكن السؤال الأهم يظل مطروحا ً: هل تنجح هذه المقاربة؟
التاريخ يخبرنا أن القوة وحدها، مهما بلغت، لا تصنع استقرارا ً طويل الأمد، وكلما تسارعت الصدمات، زادت احتمالات الأخطاء غير المحسوبة، وظهور ردود أفعال من أطراف لم تكن في الحسبان، فالعالم اليوم أكثر ترابطاً ، وأقل قابلية ً للانصياع الكامل، حتى وإن بدا صامتا ً في بعض اللحظات.
توقعات القادم :
إذا استمرت واشنطن في هذا المسار، فمن المرجّح أن نشهد مزيدا ً من الضغوط الاقتصادية وتكثيفا ً لاستخدام أدوات السيادة المالية والبحرية، مع الحرص على تجنّب الحروب الشاملة قدر الإمكان .. غير أن هذه السياسة، مهما بدت حاسمة، لا تتحرك في فراغ، فالكثير من الصدمات التي تُصنع في العناوين الكبرى، تمتد خيوطها بهدوء إلى ساحات أكثر حساسية، حيث تُدار موازين القوة بعيدا ً عن الأضواء، وتُختبر قدرة الدول على الصمود والتكيّف في مناطق تبدو مشتعلة، لكنها في الحقيقة جزء من معادلة أوسع تُدار من خارجها.
وفي المقابل، ستتزايد محاولات القوى الكبرى والمتوسطة للبحث عن مساحات استقلال، وتحالفات مرنة، ونماذج التفاف على منظومة الهيمنة في عالم بات أقل قابلية للانصياع الكامل، حتى وإن بدا صامتا ً في بعض اللحظات.
أمريكا تحاول إعادة صياغة المشهد بسرعة، لكن السرعة نفسها قد تتحول إلى نقطة ضعف؛ فالتاريخ لا يُعاد تشكيله بالصدمات وحدها، بل بقدرة القوى على استيعاب حدود قوتها قبل أن تتجاوزها.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الحديقة الخلفية الاستقلال الأوروبي
إقرأ أيضاً:
إعلام عبري: الولايات المتحدة تعتزم تدريب الجيش اللبناني
أعلنت هيئة البث الإسرائيلية عن مصادر، منذ قليل، أن الولايات المتحدة تعتزم تدريب الجيش اللبناني حتى يتمكن من تفكيك سلاح حزب الله، موضحة أن إسرائيل تدعم خطة الولايات المتحدة لتطوير قدرات الجيش اللبناني، وفقا للقاهرة الإخبارية.
إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة
وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.
واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.
وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.
وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.
وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.
وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.
فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.
هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، اليوم الثلاثاء، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.
وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.
وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات.
وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.