العدالة شرط التعافي في زمن الحرب والانهيار: لبنان منطق المحاسبة وحقوق المودعين
تاريخ النشر: 10th, January 2026 GMT
تأتي الأزمة المالية والنقدية في لبنان اليوم في سياق استثنائي شديد التعقيد، إذ يعيش البلد عمليا تحت وطأة حالة حرب مفتوحة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، في ظل تهديدات إسرائيلية متكرّرة تتجدّد بين الحين والآخر، وتضغط بثقلها على الاقتصاد والأمن والاستقرار الاجتماعي. ولا يمكن فصل هذا الواقع الخارجي عن الانهيار الداخلي المتراكم منذ انتفاضة تشرين، حيث ما زال اللبنانيون يدفعون كلفة منظومة مالية انهارت فوق رؤوسهم، ففقدوا مدّخراتهم وسبل عيشهم، ووجدوا أنفسهم عالقين بين نار العدو في الخارج ونار المصارف في الداخل.
في هذا الإطار، تبرز التصريحات الأخيرة لحاكم مصرف لبنان كريم سعيد، بالتوازي مع إحالة مشروع قانون معالجة الفجوة المالية إلى المجلس النيابي، بوصفها لحظة مفصلية تختبر ما إذا كان لبنان قادرا على الانتقال من إدارة الانهيار إلى مسار المحاسبة واستعادة الحقوق. فالقضية لم تعد مسألة توزيع خسائر أو معالجات محاسبية، بل باتت تمسّ جوهر العقد الاجتماعي، وحقوق الملكية الخاصة، وفي مقدّمها حقوق المودعين التي يُفترض أن تبقى مصانة دستوريا وقانونيا.
وتُقدَّر الفجوة المالية في النظام المالي اللبناني، وفق الأرقام المتداولة في إطار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، بما يتراوح بين 65 و72 مليار دولار أمريكي. وقد نشأت هذه الفجوة نتيجة تراكم طويل من العجز المالي، وسياسات نقدية توسعية غير مغطّاة، وتمويل ممنهج للدولة من قبل مصرف لبنان، إضافة إلى ممارسات اتّسمت بسوء الإدارة والهدر، وأحيانا بشبهات جرمية واضحة. وهذه الفجوة لا تمثّل رقما نظريا، بل تعكس فعليا أموال مودعين جرى استخدامها خارج الأطر القانونية الدولية والمحلية أو تبديدها من دون تفويض صريح أو محاسبة لاحقة.
من هنا، تكتسب الإجراءات القانونية والقضائية التي أعلنها حاكم مصرف لبنان أهميتها البنيوية، لا بوصفها خطوات إجرائية فحسب، بل لكونها تعيد تثبيت مبدأ جوهري طالما جرى الالتفاف عليه، وهو أنّ الودائع ليست خسائر قابلة للشطب، بل حقوق مكتسبة لا تسقط بالتقادم ولا يجوز تحميل أصحابها كلفة منظومة انهارت بفعل قرارات وسياسات لم يكونوا شركاء فيها. فربط الأموال المستردّة حصرا بإعادة أموال المودعين يشكّل اعترافا قانونيا واضحا بأنّ معالجة الأزمة تبدأ من تحديد المسؤوليات، لا من مصادرة الحقوق.
إن قانون معالجة الفجوة المالية المحال إلى المجلس النيابي يطرح إشكالية محورية تتعلّق بتراتبية الخسائر. فوفق مقاربة صندوق النقد الدولي، كما في التجارب المقارنة، لا يمكن لأي خطة تعافٍ أن تكون قابلة للحياة إذا لم تبدأ بتحمّل المساهمين والإدارات المصرفية والدولة مسؤولياتهم، قبل الانتقال إلى أي نقاش آخر. وقد شدّد الصندوق في تقاريره على أنّ حماية صغار المودعين شرط أساسي للاستقرار الاجتماعي، وأنّ استعادة الثقة لا تتحقق عبر الشطب القسري أو الإجراءات الاستثنائية، بل عبر الشفافية، والمحاسبة، واسترداد الأصول، بما في ذلك الأموال المحوّلة إلى الخارج.
وفي هذا السياق، يكتسب التعاون مع مكاتب تحقيق دولية واستشارات قانونية متخصصة، كما أعلنه حاكم مصرف لبنان، أهمية مضاعفة، لا سيما في ظل تقديرات تشير إلى تحويل مليارات الدولارات إلى الخارج عبر شركات وهمية أو حسابات ذات طابع استشاري خلال سنوات ما قبل الانهيار أو بالتوازي معه. إنّ استعادة جزء من هذه الأموال، حتى وإن تطلّبت وقتا طويلا، تشكّل مدخلا فعليا لتقليص الفجوة، وتخفيف العبء عن المال العام، ومنع تشريع الخسائر عبر قوانين تُفرغ حقوق المودعين من مضمونها.
إنّ جوهر الأزمة لا يكمن فقط في حجم الفجوة المالية، بل في كيفية مقاربتها. فالمقاربة التي تتجاهل البعد القضائي وتستعيض عنه بحلول محاسبية شكلية تعني عمليا تكريس الإفلات من العقاب، وضرب مبدأ سيادة القانون. أما المقاربة التي تنطلق من أنّ الحق لا يموت، وأنّ العدل أساس الملك، وأنّ إخضاع الجميع للغة القانون شرط لبقاء الدولة، فهي وحدها القادرة على إعادة بناء الحد الأدنى من الثقة بالنظام النقدي والمصرفي.
في بلدٍ أنهكته الحروب والانهيارات، لا يمكن فصل الإصلاح المالي عن العدالة الاجتماعية. فحقوق المودعين ليست عبئا على الدولة ولا عقبة أمام التعافي، بل هي معيار صدقيته. وأي قانون للفجوة المالية لا يُبنى على المحاسبة الفعلية، واسترداد الأموال المنهوبة، واحترام كرامة الناس وحقوقهم، سيبقى مجرّد نصّ يُضاف إلى سجل طويل من القوانين التي لطالما أضفت الشرعية على الظلم بدل أن ترفعه عن سواد اللبنانيين.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء لبنان المصارف قانون الودائع لبنان مصارف قانون ودائع قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة رياضة رياضة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الفجوة المالیة مصرف لبنان لا یمکن
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..