مهند أبو فلاح
في الثامن عشر من كانون الثاني يناير 1966 اي قبل ستين عاما وقف الاستاذ احمد ميشيل عفلق في فرع أطراف دمشق لحزب البعث العربي الاشتراكي ليلقي خطابه الأخير في سورية و الذي حمل عنوان النضال ضد تشويه الحزب و ينزع الشرعية الحزبية عن اللجنة العسكرية السرية التي كانت تتحكم بمقاليد الامور في ذلك القطر العربي منذ الثامن من آذار مارس 1963 .
لم يكن اختيار المكان في ريف دمشق عفويا اعتباطيا بل جاء ليحمل معه دلالات عميقة جدا كمؤشر على تحدي مؤامرة التشويه العقائدي التي تعرض لها الحزب الذي أسسه الاستاذ عفلق شخصيا قبل ذلك التاريخ بقرابة عشرين عاما في شهر نيسان ابريل من العام 1947
عفلق الباحث المختص في تاريخ الأديان المقارن و الحاصل على شهادة الدبلوم العالي في هذا المجال من أعرق جامعات العالم في العلوم الإجتماعية و الإنسانية اي جامعة السوربون في العاصمة الفرنسية باريس في ثلاثينيات القرن الماضي كان قد اطلع على تفاصيل خطيرة حول هذه المؤامرة من خلال الاعترافات التي أدلى بها اللواء محمد عمران وزير الدفاع أبرز أعضاء هذه اللجنة التي تشكلت في القاهرة خلال فترة الوحدة بين مصر و سورية .
اللواء عمران الذي وقع اغتياله لاحقا في مدينة طرابلس الفيحاء شمال لبنان في العام 1972 على يد أفراد موالين للنظام الأسدي الحاكم في دمشق يقول عنه باتريك سيل الصحفي البريطاني المرموق في كتابه ” أسد سورية – الصراع على الشرق الأوسط ” : – ( عندئذٍ قام عمران بحركة خاطئة ، فحنث بيمين المحافظة على السرية و كشف الغطاء عن اللجنة العسكرية و باح لعفلق و جماعته بخططها القديمة التي وضعت في القاهرة ، و اساليب عمل اللجنة الداخلية و طموحها في السيطرة السرية على قواعد و أجهزة الحزب و تكتيكاتها في التحرك من وراء الكواليس ) .
يضيف سيل قائلا معلقاً ” لا بد أن عفلق كان اصلا يشك في الكثير من هذه الأمور …………….. ، و لقي عمران عقوبة فورية فجردته اللجنة العسكرية من مسؤولياته الحزبية و الحكومية …………….. ، و كان إذلال عمران إذلالا لعفلق ، و في محاولة فاشلة لتأكيد سلطته كأمين عام طلب من القيادة القومية أن تحل القيادة القطرية التي يسيطر عليها الضباط ، و لكن الحزب هب ضده في القطر – سورية – فأرغمه على الرجوع عن قراره ، و في هذا الوقت سأل بعثي قديم عفلق عن الدور الذي يلعبه حزبه في الحكومة ، و يقال أن عفلق أجاب (( حوالي واحد على ألف من واحد بالمائة )) ” .
على اية حال كان ذلك الأمر دافعا كافيا لعفلق ومحفزا قويا جدا ليختار غوطة دمشق لتكون مسرحا لكلمته الأخيرة في سورية و يرتدي قفاز التحدي في 18/1/1966 و يعلن من هناك ” لقد تبدلت صورة هذا الحزب وتبدلت نفسية أعضائه وإذا كان التعميم غير جائز فان هذا يصح على الكثيرين.. تبدلت معالم هذا الحزب لا بل بُدلت وفق مخططات وتصميم وعمل دائب، حتى يتحول هذا الحزب في عقيدته وفي سياسته وفي تنظيمه وفي أخلاقيته، وزيادة في التضليل وفي الإجرام بحق الأمة العربية احتفظ باسم الحزب.. باسم الحزب الذي هو معروف لدى الشعب العربي منذ ربع قرن بوحدويته وثوريته ونظافته وبتميزه عن كل ما سبقه، حتى تطعن الأمة في أملها، في ثقتها بنفسها، في عقيدتها القومية الاشتراكية، ولكي يعم اليأس ” .
إن هذه الأيام التي تحل فيها الذكرى السنوية لميلاد الاستاذ عفلق مؤسس حزب البعث تستحق أن تروى فيها سردية مختلفة لما حدث في سورية قبل أكثر من ستة عقود لتبرئة ساحة هذا الرجل الحر الاصيل من فرية المسؤولية عما أصاب الشعب العربي السوري الشقيق من جرائم على يد الطغمة الأسدية .
المصدر
المصدر: سواليف
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود