حكم المداومة على قراءة صحيح البخاري في زمان ومكان معين
تاريخ النشر: 10th, January 2026 GMT
من المقرر شرعًا أن تخصيص شهر معين في العام ومكان معين للتحديث فيه بـ "صحيح البخاري" وروايته وسماعه وجمع طلبة العلم والناس على ذلك هو من أفضل الأعمال الصالحة أثرًا وقبولًا عند الله تعالى؛ فإنه طلب للعلم، واتصالٌ بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصلاةٌ عليه، وربطٌ للأمة بسنة نبيها صلى الله عليه وآله وسلم، وتبركٌ بالصحيح وتيمن بدعوة مصنفه لقارئه، واستجلابٌ لرضا الله تعالى، وعلى ذلك جرى علماء الأمة ومحدِّثوها عبر الأمصار والأعصار من غير نكير، ومَن حرَّم ذلك أو نهى عنه فقد قال على الله تعالى بغير علم، ومن وصف فعل ذلك بالبدعة فهو بالبدعة أحرى وإلى الوقوع فيها أقرب.
يمثل صحيح الإمام البخاري قمة التوثيق والنقل العلمي لسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حظي بعناية فائقة من أجيال العلماء والرواة عبر التاريخ، فضلًا أنه أصح كتاب بعد القرآن الكريم.
التعريف بصحيح البخاري وأهميته العلمية
صحيحُ الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري المتوفى سنة ٢٥٦هـ، أصحُّ كتابٍ بعد كتاب الله سبحانه وتعالى في نقله، وفي اهتمام المسلمين به، لا سيما وأنه ينقل إلينا سنَّةَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بطرائقَ فيها غايةُ توثيق المصدر وغايةُ النقد العلمي، وقد سمَّاه الإمام البخاري: (الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسننه وأيامه)، غير أنه اشتهر بين الناس بـ (صحيح البخاري).
رواية صحيح البخاري عبر العصور
وقد سمع ذلك الكتابَ من البخاري خلقٌ كثير في كل مدينة وقرية كان ينزل بها البخاري؛ فقد روى الفَرَبْرِيُّ أنه سمعه منه تسعين ألفَ نفس، ورواه لمن بعده رواةٌ كثيرون؛ منهم: حماد بن شاكر المتوفى سنة ٢٩٠هـ، وإبراهيم بن معقل النَّسَفي المتوفى سنة ٢٤٠هـ، ومحمد بن يوسف بن مطر الفَرَبْرِي المتوفى سنة ٣٢٠هـ.
وروايةُ الفَرَبْرِي هذه هي التي وصلت إلينا؛ فقد سمعها منه جماعة، منهم: أبو محمد الحَمُّوِي المتوفى سنة ٣٨١هـ، وأبو الهيثم محمد الكُشْمِيْهَنِي المتوفى سنة ٣٨٩هـ، ورواها عن الحَمَوِي الداودي المتوفى سنة ٤٦٧هـ، وعنه أبو الوقت المتوفى سنة ٥٥٣هـ، وعنه الإمام النووي المتوفى سنة ٦٧٦هـ.
عناية العلماء بصحيح البخاري
واهتم أولئك الرواة بصحيح البخاري أشدَّ الاهتمام؛ فكانوا يقرؤونه كلمةً كلمة، حتى رأينا اثنين من كبار علماء العربية والحديث يجلسان مع جماعة من الفضلاء لتحرير كل الروايات على مستوى الحركة في صحيح البخاري، وهما: جمال الدين محمد بن مالك صاحب الألفية المشهورة في النحو، المتوفى سنة ٦٧٢هـ، وشرف الدين علي بن محمد اليُونِينِيّ (نسبةً إلى يُونِين، إحدى قرى بعلبك) المتوفى سنة ٧٠١هـ، وتمت هذه الجلسات في دمشق، وبلغ عددها إحدى وسبعين جلسة، وذلك من سنة ٦٦٧هـ؛ فخرجت هذه النسخة في غاية التحقيق والتدقيق، وأصبحت من أوثق النسخ المعتمدة لصحيح البخاري، بل لو أطلقنا القول بأنها أوثقها وأعظمُ أصلٍ يُوثَقُ به لما كان بعيدًا، وقد جعلها الإمام القَسْطَلَّاني المتوفى سنة ٩٢٣هـ عُمْدَتَه في شرح صحيح البخاري، فحقَّق المتن حرفًا حرفًا على تلك النسخة.
وتتابع العلماء عبر العصور عدراسة صحيح البخاري ونقده وتمحيصه؛ فخلصوا إلى أنه أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، وهذه النتيجة محل إجماع بين العلماء المتخصصين وتلقتها الأمة بالقبول، وقد تناقل آلاف السامعين صحيح البخاري منذ عصر مؤلفه حتى استقرّت روايته المعتمدة عبر طريق الفَرَبْرِي، وبلغت نسخة اليونيني ذروة التحقيق بعد جلسات علمية دقيقة شارك فيها كبار اللغويين والمحدّثين، فأصبحت أوثق أصول الصحيح، واعتمدتها الطبعة السلطانية في القرن الثالث عشر الهجري بطباعة دقيقة راجعتها لجان علمية متخصصة، ثم تلتها الطبعة الفَكْهانية مع مزيد من التنقيح والتحقيق.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: البخاري الإمام البخاري الإمام البخاري وصحيحه حكم قراءة صحيح البخاري صلى الله علیه ی المتوفى سنة صحیح البخاری الله تعالى الف ر ب ر ی رسول الله
إقرأ أيضاً:
لكل زمان بلعمه: المفكر المحصّن وتراجيديا السقوط الطوعي
تأتي الصدمات الكبرى في الوعي الجماعي حين تسقط الأقنعة دفعة واحدة. في السنوات الأخيرة، شهد الفضاء العربي خريفا متسارعا تهاوت فيه نخب فكرية وفنية ومؤثرون بنوا أمجادهم على أكتاف قضايا الشعوب، لينتهي بهم المطاف كتروس ناعمة في ماكينات الترويج السياسي. لكن وسط هذا الزحام، تبرز حالة الدكتور عدنان إبراهيم كلوحة تراجيدية شديدة الخصوصية؛ حالة منزوعة الأعذار، سقطت عنها كل تبريرات الانكسار التقليدية.
يبدأ المشهد من فيينا، حيث الضباب الشتوي العريق والأمان المطلق. لكنه ليس مجرد شتاء عابر؛ إنه يتداخل مع ذلك الشتاء السياسي الصقيعي الذي ضرب المنطقة العربية عقب وأد ربيعها الأخضر، ذلك الربيع الذي علّقت عليه الشعوب آمالا عريضة ومستقبلا يرجى منه الخير الكثير، قبل أن تتكالب عليه قوى الثورة المضادة والأنظمة المستبدة لتدفنه في مهده، وعلى رأس تلك الأنظمة الجهة التي يتوجه إليها عدنان إبراهيم اليوم بارتياح ومباركة.
نحن لسنا أمام مجرد خيارات فردية للأشخاص، بل أمام ماكينة سلطوية صماء، هندست مشهدها على معادلة فرز حاسمة: تكافئ وتغدق على كل مَن يمنحها صكوك الشرعية ويبرر سياساتها، وتحبس وتغيب خلف القضبان كل مَن يملك شجاعة الرفض
وسط هذا الصقيع العربي، وخلف النوافذ النمساوية الدافئة، يعيش هذا المفكر محصنا بالقوانين الأوروبية، بعيدا عن أيدي البطش وسياط الجلادين، لا خوف يهدد حياته، ولا جوع يهدد عائلته. وهنا تحديدا يكمن البُعد الفلسفي المرير لتحوله: فالرجل لم يتحرك تحت وطأة "الرَّهبة"، بل سار طوعا خلف "الرَّغبة". لم تكن خطوته زلة لسان في لحظة اندفاع، بل مسار تشكّل بهدوء وصيغ بدم بارد، مع سبق الإصرار والترصد؛ مسار بدأ بتنقية طروحاته الفكرية لتلائم هوى الأنظمة، وانتهى بتوقيع العقود الرسمية وتولي منصب المستشار في أبوظبي. حتى ذلك الحادث المروري الرهيب عام 2019 الذي هشم جسده وعزله سنتين، بدا في القراءة الأخلاقية كأنه كسر العظام لكنه لم يبرر بيع الروح في سوق النفوذ.
وهذا العود الأكاديمي والسياسي الملتوي، يعيد إلى الأذهان فورا تراجيديا دينية وتاريخية غائرة في عمق الوعي الإنساني؛ قصة "بلعام بن باعوراء". فالمقارنة هنا لا تنبع من مجرد رغبة في استدعاء التاريخ، بل لأن الشخصيتين تلتقيان في ذات المنحدر النفسي: كلتاهما حظيت بعلم غزير، وفصاحة تخلب الألباب، وبصيرة فكرية كانت كفيلة بهداية أمة، لكن كليهما اختار في لحظة فارقة أن ينسلخ من آياته ومبادئه ليضع علمه في خدمة الطغيان طمعا في عَرَض الدنيا. إنها ذات المعضلة الفلسفية القديمة المتجددة: كيف يتحول "التنوير" إلى أداة للتبرير؟ وتتجلى هذه الأزمة في أبهى صورها التعبيرية، حيث يقول الله تعالى: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ" (الأعراف: 175).
وإذا تفكك الاسم الديني والتاريخي "بلعام بن باعوراء" في سياق لغوي وفلسفي، سنرى أمامنا تشريحا مشهديا صارخا لسقوط المثقف. فالاسم يلتحم لغويا بـ"البلعوم"؛ ذلك المجرى البيولوجي الشره للبلع والطعام. وكأن كل تلك الفصاحة، والخطب الرنانة التي سحرت الملايين، تم ترويضها واختزالها لتخدم "البلعوم" والمصالح المادية والمناصب الرفيعة. هنا يتجسد المعنى الفلسفي للمشهد، حيث يقول الله تعالى: "وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهمْ يَتَفَكَّرُونَ" (الأعراف: 176)؛ لهاث وجودي دائم خلف المادة لا ينقطع.
ثم تكتمل الصورة في "باعوراء"؛ التي تبدأ بـ"باعَ"، وهي لقطة المقايضة العظمى حيث يستبدل المفكر رصيده الشعبي وعلمه بعقود عمل ووظيفة سلطوية زائلة، وتتوسطها "عوراء"، لتجسد ذلك "العور الفكري" والانتقائية الأخلاقية؛ حيث تنفتح العين بـانبهار على شعارات "التسامح والحوكمة" في أروقة المؤتمرات، بينما تُصاب بالعمى التام أمام دماء المستضعفين والفتن والحروب الإقليمية. وينتهي اللفظ بـ"وراء"، ليرسم حركة الارتداد التراجيدي لمفكر أمضى عقودا يزعم أنه يقود الطليعة التنويرية في المقدمة، فإذ به يرتد إلى الوراء ليصبح مجرد تابع يبرر سياسات الحكام.
وهنا تتجلى المفارقة في اسم الرجل نفسه وصيغته المركبة؛ "عدنان إبراهيم". ففي فقه اللغة، يشتق "عدنان" من لزوم الحق والثبات والاستقرار عليه، لكن عدنان قصتنا خان اشتقاق اسمه؛ فاستبدل الثبات بالارتحال إلى مواطن الزيف، ليلتحم هذا السقوط اللغوي بعبث سياسي أشد مرارة في اسم أبيه "إبراهيم"؛ فالاسم الذي حمل يوما طهر الرمزية الإنسانية، أُفرغ اليوم من محتواه ليتماهى مع "الاتفاقيات الإبراهيمية الخرقاء" التي هندسها ترامب لتركيع المنطقة وفرض التطبيع على بلدانها. وكأن المفكر بارتمائه في أحضان عاصمة هذه الاتفاقيات، بات يحمل غطاء سياسيا باردا يبرر الانبطاح، في وقت تذبح فيه غزة من الوريد إلى الوريد.
هذه المشهدية الفكرية الباذخة لـ"بلعم الجديد" تصطدم بالميكانيكية البنيوية الخشنة التي تدار بها عواصم المنطقة اليوم. فنحن لسنا أمام مجرد خيارات فردية للأشخاص، بل أمام ماكينة سلطوية صماء، هندست مشهدها على معادلة فرز حاسمة: تكافئ وتغدق على كل مَن يمنحها صكوك الشرعية ويبرر سياساتها، وتحبس وتغيب خلف القضبان كل مَن يملك شجاعة الرفض.
ينتهي المشهد في الفضاء الرقمي الباهت، والمنصات التي غدت مقفرة بعد أن انفضت عنها الجموع التي صدمها سقوط المفكر الأخلاقي بعد أن شككها في دينها وثوابتها. لكن خارج تلك الشاشات الباردة، وفي قلب الواقع، تدور الأرض من جديد
في ذات اللحظة التي يبتلع فيها نظام المكافآت عدنان إبراهيم في قاعاته المكيفة محاطا بحفاوة المؤسسات الرسمية، تفتح ذات الماكينة زنازينها المظلمة لتبتلع المشايخ والعلماء والمثقفين الحقيقيين؛ لأنهم رفضوا أن يكونوا ترسا في هذه البنية. نرى الشاعر عبد الرحمن يوسف وغيره مغيبين في سجون الإمارات، وعلماء أحرارا في سجون السعودية ومصر وتونس، لا لشيء إلا لأنهم كسروا شروط اللعبة الرسمية، ورفضوا أن يكونوا شهود زور على خذلان قضايا الأمة، وعلى رأسها مأساة غزة التي تواجه الإبادة. المفارقة هنا حارقة وفلسفية بامتياز: الأحرار يُسجنون لثباتهم وهم داخل الأوطان، والمحصن في منافيه الأوروبية ينزل من شرفته الآمنة ليدخل طواعية أروقة الماكينة، ويقتات على موائد دُفعت أثمانها من دماء الأبرياء وحرية الشرفاء.
ينتهي المشهد في الفضاء الرقمي الباهت، والمنصات التي غدت مقفرة بعد أن انفضت عنها الجموع التي صدمها سقوط المفكر الأخلاقي بعد أن شككها في دينها وثوابتها. لكن خارج تلك الشاشات الباردة، وفي قلب الواقع، تدور الأرض من جديد. واليوم، ونحن على أعتاب صيف لاهب وحار، تبدو الأجواء مشحونة بأنفاس جديدة قد تعيد الحياة إلى ذلك الربيع العربي؛ الربيع الذي استعجل عدنان دفنه وظن -واهما- أنه قد مات وانتهى، أو ربما أقنع نفسه تحت بريق العطايا الرسمية بأنه لم يكن سوى "مؤامرة".
إن الصيف القادم يحمل في طياته حرارة الحقائق لا حرارة الطقس فحسب؛ حقيقة أن الشعوب قد تنام لكنها لا تموت، وأن الجمر الكامن تحت رماد الاستبداد ينتظر ليفاجئ كل مَن باعوا أقلامهم وظنوا أن عجلة التاريخ قد توقفت عند عتبات قصور حكامهم. النتيجة الفلسفية الأخيرة هي أن الأمة وقضاياها العادلة لا تخسر بانسلاخ الأشخاص؛ فالحق لا يُعرف بالرجال، بل يُعرف الرجال بالحق. تذوب الوجوه الفصيحة وتبقى المبادئ، ويبقى الصوت التاريخي يتردد بمرارة فوق لقطة النهاية: "لكل زمان بلعمه"، والتاريخ لا يرحم مَن اشترى بآيات الله ومبادئه ثمنا قليلا.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.