في سياق التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، تبرز الاستراتيجية الأمريكية تجاه الدول المعادية للكيان الإسرائيلي بوصفها أحد أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية، إذ لم تعد السياسة الأمريكية مجرد دعم سياسي أو عسكري لإسرائيل، بل تحولت إلى مشروع متكامل لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية برمتها بما يضمن تفوق الكيان الصهيوني واستدامة أمنه وهيمنته الاستراتيجية على الشرق الأوسط.

هذا التحول يعكس إدراكًا أمريكيًا عميقًا بأن بقاء إسرائيل كقوة إقليمية متفوقة يستلزم تحييد، أو إضعاف، أو تفكيك كل القوى التي يمكن أن تشكل تهديدًا مستقبليًا لها، سواء كانت دولًا، أو حركات مقاومة، أو حتى أنظمة سياسية تحمل خطابًا معاديًا للمشروع الصهيوني.

منذ تأسيس إسرائيل عام 1948، ارتبطت السياسة الأمريكية بها ارتباطًا عضويًا، قائمًا على اعتبارات أيديولوجية واستراتيجية واقتصادية وأمنية متشابكة. فالولايات المتحدة لا تنظر إلى إسرائيل كحليف تقليدي فحسب، بل تعتبرها قاعدة متقدمة لمصالحها في الشرق الأوسط، وأداة لضبط التوازنات الإقليمية، وذراعًا متقدمة في مواجهة أي قوى معادية للنفوذ الأمريكي.

من هنا، فإن استهداف الدول المعادية للكيان الإسرائيلي لا يمكن فصله عن مشروع الهيمنة الأمريكية الأشمل، القائم على منع ظهور أي قوى إقليمية مستقلة تمتلك إرادة سياسية سيادية وقدرات عسكرية واقتصادية تؤهلها لتهديد التفوق الأمريكي أو الإسرائيلي.

تتخذ هذه الاستراتيجية الأمريكية أشكالًا متعددة، تبدأ من الضغوط السياسية والدبلوماسية، مرورًا بالعقوبات الاقتصادية الخانقة، وصولًا إلى التدخلات العسكرية المباشرة وغير المباشرة، والحروب بالوكالة، واستخدام الأدوات الناعمة كالإعلام والمنظمات الدولية ومنصات حقوق الإنسان لتشويه صورة الأنظمة المعادية وشيطنتها أمام الرأي العام العالمي.

فالولايات المتحدة أدركت مبكرًا أن الحروب التقليدية لم تعد الوسيلة الوحيدة لتحقيق أهدافها، بل أصبحت الحروب المركبة والهجينة هي الأداة الأكثر فاعلية في تفكيك الدول من الداخل وإعادة تشكيلها وفق المصالح الأمريكية.

إيران تمثل النموذج الأبرز في هذا السياق، إذ تُعد الدولة الأكثر صراحة في معاداة الكيان الإسرائيلي، والأكثر قدرة على تشكيل محور إقليمي مقاوم يمتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت وغزة.

لذلك، لم تتوقف واشنطن عن محاصرة إيران سياسيًا واقتصاديًا منذ الثورة الإسلامية عام 1979، مستخدمة العقوبات، والحصار المالي، ومحاولات العزل الدولي، إلى جانب دعم حركات الاحتجاج الداخلية، واستهداف حلفائها في المنطقة. الهدف هنا ليس فقط تغيير سلوك النظام الإيراني، بل تفكيك منظومة النفوذ التي بنتها طهران خلال العقود الماضية، وإضعاف قدرتها على دعم فصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية التي تشكل التهديد الأكثر إلحاحًا لإسرائيل.

وفي السياق ذاته، يمكن فهم ما جرى ويجري في سوريا، حيث لعبت الولايات المتحدة دورًا محوريًا في إضعاف الدولة السورية منذ اندلاع الأزمة عام 2011، عبر دعم فصائل مسلحة متعددة، وفرض عقوبات اقتصادية خانقة، والعمل على عزل دمشق دوليًا.

ورغم أن الخطاب الأمريكي الرسمي ركز على قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، إلا أن البعد الإسرائيلي ظل حاضرًا بقوة، إذ كانت سوريا تاريخيًا إحدى أهم دول المواجهة مع إسرائيل، وتشكل حلقة مركزية في محور المقاومة. وبالتالي، فإن إضعاف الدولة السورية يخدم بشكل مباشر الأمن الإسرائيلي عبر تفكيك الجبهة الشمالية وإخراج دمشق من معادلة الصراع.

العراق أيضًا لم يكن بعيدًا عن هذا السياق، فالغزو الأمريكي عام 2003 لم يكن مجرد إسقاط لنظام صدام حسين، بل كان خطوة استراتيجية لإعادة تشكيل العراق سياسيًا وأمنيًا بما يضمن خروجه من معادلة التهديد لإسرائيل.

فقد كان العراق، رغم خلافاته السابقة مع إيران، يشكل قوة عربية مركزية قادرة على التأثير في موازين القوى الإقليمية. ولذلك، فإن تفكيك الدولة العراقية وإدخالها في دوامة الصراعات الطائفية والعرقية كان يصب في مصلحة المشروع الأمريكي الإسرائيلي القائم على إضعاف الدول المركزية وتحويلها إلى كيانات هشة عاجزة عن لعب أدوار إقليمية مؤثرة.

ولا يمكن تجاهل الدور الأمريكي في محاصرة حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، حيث تصنف واشنطن هذه الحركات كـ"تنظيمات إرهابية"، وتعمل على تجفيف مصادر تمويلها، وتشويه صورتها إعلاميًا، وتوفير الغطاء السياسي والعسكري لإسرائيل في كل عدوان تشنه على غزة أو لبنان. فالولايات المتحدة تستخدم حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن بشكل متكرر لإفشال أي قرارات تدين الجرائم الإسرائيلية، ما يعكس انحيازًا مطلقًا لا لبس فيه، ويؤكد أن واشنطن تعتبر أمن إسرائيل خطًا أحمر يتقدم على كل القوانين والأعراف الدولية.

الأخطر في الاستراتيجية الأمريكية هو سعيها إلى إعادة هندسة الشرق الأوسط عبر مشاريع التطبيع الإجباري، والضغط على الدول العربية لإقامة علاقات علنية مع إسرائيل، في محاولة لعزل القوى الرافضة للتطبيع وتحويلها إلى "دول مارقة" في الخطاب السياسي والإعلامي الغربي.

هذا المسار يهدف إلى خلق بيئة إقليمية جديدة يكون فيها الكيان الصهيوني جزءًا طبيعيًا من المنطقة، بل مركزًا اقتصاديًا وأمنيًا فيها، بينما يتم تهميش القضية الفلسطينية وتحويلها إلى ملف ثانوي في الأجندة الدولية.

في المحصلة، يمكن القول إن أمريكا تستهدف كل الدول المعادية للكيان الإسرائيلي ضمن استراتيجية شاملة تهدف إلى ضمان التفوق الإسرائيلي المطلق، ومنع ظهور أي محور مقاوم قادر على تهديد هذا التفوق. هذه الاستراتيجية لا تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل توظف أدوات الضغط الاقتصادي، والحصار السياسي، والحروب النفسية، واختراق المجتمعات من الداخل عبر إثارة النزاعات والانقسامات.

والنتيجة هي شرق أوسط ممزق، يعاني من أزمات متراكمة، بينما يواصل الكيان الإسرائيلي تمدده مستفيدًا من الدعم الأمريكي غير المشروط.

غير أن هذه السياسة، رغم نجاحاتها المرحلية، تحمل في طياتها بذور الفشل الاستراتيجي على المدى البعيد، إذ إن قمع الشعوب، وإضعاف الدول، وتجاهل الحقوق التاريخية للفلسطينيين، لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان والانفجار.

فالتاريخ يعلمنا أن الهيمنة لا تدوم، وأن مشاريع السيطرة الخارجية تصطدم دائمًا بإرادة الشعوب الرافضة للظلم والاحتلال. ومن هنا، فإن مستقبل الصراع سيظل مفتوحًا على كل الاحتمالات، في ظل نظام دولي يشهد تحولات كبرى قد تعيد رسم موازين القوى، وتضع حدًا لمرحلة التفرد الأمريكي والانحياز المطلق للكيان الإسرائيلي.

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: أمريكا اسرائيل العراق سوريا النظام الإيراني للکیان الإسرائیلی إضعاف الدول

إقرأ أيضاً:

الخارجية الأمريكية: تقدم مستمر بين إسرائيل ولبنان وتجاوز للإخفاقات الماضية

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

قالت وزارة الخارجية الأمريكية إن هناك تقدمًا مستمرًا سياسيًا وأمنيًا بين إسرائيل ولبنان، مؤكدة أنها تسعى لتجاوز إخفاقات العشرين عامًا الماضية.

انسحاب قوات الاحتلال

طلب لبنان وضع سقف زمني واضح لتحقيق انسحاب كامل لقوات الاحتلال الإسرائيلية من جنوب لبنان، وفقا لتقارير نقلا عن مصادر عربية. وأكد المسؤولون اللبنانيون أهمية الالتزام بجدول زمني محدد، معتبرين أن التأجيل أو المماطلة سيعيقان تطبيق الحلول السياسية المرتبطة بالملف الأمني.

واقترح لبنان خطة تمتد على مدار 60 يوما كمرحلة انتقالية، تنفذ خلالها عمليات انسحاب تدريجية للقوات الإسرائيلية من المناطق الحدودية، حسبما أفادت به فضائية العربية الحدث، مساء اليوم الثلاثاء.

وحددت الخطة خطوات عملية تضمن التخلي عن المواقع العسكرية الإسرائيلية بشكل شامل، ما يؤدي إلى استعادة السيادة اللبنانية في الجنوب.

مقترحات جديدة

وسعى لبنان إلى طرح مقترحات جديدة تهدف إلى حل أزمة سلاح حزب الله عبر وسائل سياسية بعد اكتمال الانسحاب الإسرائيلي. 

وشددت السلطات اللبنانية على أن نزع السلاح يجب أن يكون جزءا من استراتيجية شاملة، تتضمن ضمانات دولية وعربية لدعم الاستقرار في البلاد.

وناقش المسؤولون اللبنانيون والإقليميون خطة تخفيض التصعيد، التي تتضمن إعادة انتشار عناصر حزب الله شمال الليطاني بموجب آلية تفاوضية. 

وأشارت الخطة إلى أن الهدف الأساسي هو تحقيق التوازن بين القضايا الأمنية والسياسية، لضمان عدم عودة أي توتر في المستقبل.

وأعلنت الأطراف المنخرطة في النقاش التزامها بالحوار كوسيلة أساسية للوصول إلى صيغة توافقية تلبي تطلعات الشعب اللبناني. 

وركزت الاجتماعات الأخيرة على تعزيز التعاون الإقليمي لضمان عدم ترك فراغ أمني في المناطق التي سيتم الانسحاب منها.

ورحبت عدة أطراف دولية بخطة الـ60 يوما، مشيرة إلى أنها قد تشكل نقطة تحول مهمة نحو تحقيق السلام والاستقرار في لبنان. 

وحثت التقارير الدولية الأطراف المتنازعة على العمل بحسن نية لتجاوز التحديات اللوجستية والأمنية المرتبطة بتنفيذ الاتفاقات.

وتواصلت المشاورات بين الجانب اللبناني ومبعوثين من الأمم المتحدة لتحديد الخطوات العملية لتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي وإعداد البنية اللازمة لدعم الأطراف المعنية. 

ولاقت هذه اللقاءات دعمًا متزايدا من المجتمع الدولي الذي يعوّل على نجاح المبادرة كمقدمة لتعزيز جهود السلام في المنطقة.

واستعرضت الحكومة اللبنانية خطتها للمرحلة المقبلة مع قوى المعارضة والتيارات السياسية الفاعلة لضمان توافق وطني حول رؤية موحدة لمستقبل الجنوب اللبناني. 

وتم التأكيد خلال الاجتماعات على رفض أي تدخلات خارجية تعرقل المساعي اللبنانية لتحقيق إنهاء الصراعات والعودة إلى الاستقرار.

وركزت المناقشات الداخلية على وضع آليات للرقابة والمتابعة لضمان تنفيذ البنود المرتبطة بالانسحاب الإسرائيلي دون خروقات. 

وأعربت بعض الأطراف السياسية عن قلقها من احتمال تصعيد مفاجئ في حال حدوث أي تأخير يفسر كتهرب من الالتزامات الدولية.

ودعمت المنظمات الأهلية والمجتمع المدني الجهود الرسمية لتثبيت مطالب السيادة والحد من المخاطر المرتبطة باستمرار وجود القوات الإسرائيلية في الجنوب. 

وطالبت هذه الجهات بمزيد من الشفافية والانفتاح على آراء وتوقعات المواطنين فيما يتعلق بالإجراءات الدبلوماسية والأمنية.

وبرزت تفاؤلات مشروطة بين الأوساط الشعبية والسياسية بإمكانية نجاح هذا التحرك الجديد، خاصة مع بوادر تدخل دولي أكبر لدعم العملية. 

وينتظر الشعب اللبناني بشغف نتائج هذه المبادرة وسط تحديات هائلة تتطلب تعاونا داخليا وإقليميا غير مسبوق.

مقالات مشابهة

  • القيادة الوسطى الأمريكية تنفي استهداف مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين وقاعدة جوية أمريكية
  • الخارجية الأمريكية: تقدم مستمر بين إسرائيل ولبنان وتجاوز للإخفاقات الماضية
  • سقوط العدالة الدولية.. فلسطين تُعرّي الهيمنة الأمريكية وحتمية خيار المقاومة
  • السفير الأمريكي بلبنان : وقف إطلاق النار لا يزال سارياً .. والمفاوضات مع إسرائيل إيجابية
  • مجلس الوزراء الكويتي يدين الاعتداءات الإيرانية على الكويت والتصعيد الإسرائيلي في لبنان
  • هيئة البث العبرية: أمريكا تدعم استمرار وجود الاحتلال الإسرائيلي في لبنان
  • إسرائيل مستاءة... هذه كواليس الجلسة الأولى من المُفاوضات اللبنانيّة - الإسرائيليّة
  • تركيا: التدخل الإسرائيلي المستمر في لبنان قد يعصف بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية
  • برلماني: حملات التشكيك في قيم الانتماء والتضحية جزء من حروب نفسية تستهدف تفكيك الوعي الوطني وإضعاف الدول
  • البهواشي: استمرار أزمة هرمز يضغط على المخزونات الاستراتيجية ويزيد التعقيد الاقتصادي العالمي