عربي21:
2026-06-03@02:31:55 GMT

جناية «البشرية التكنولوجية» على إنسانيتها

تاريخ النشر: 11th, January 2026 GMT

مثلما كانت نهاية الحرب العالمية الأولى إيذانا بنهاية عصر الإمبراطوريات وبدء صعود عهد القوميات والكيانات القُطْرية وتعميمها على جميع البلدان، بما فيها المستعمرات الطامحة إلى نيل الحق في تقرير المصير، فإن بداية هذا العام تؤذن على ما يبدو بعودة عهد الإمبراطوريات و«دبلوماسية المدافع»، ولو في شكل «بزنسيّ» مفتقر إلى ما كانت تتسم به إمبراطوريات الماضي من المثابرة التاريخية والمرونة الإدارية (الإمبراطوريتان العثمانية والنمساوية-المجرية مثالا).

وقد تكون هذه إحدى دلالات الربع الأول من هذا القرن، إن كان له من وجهة أو معنى، علما أن استبانة دلالات عقود، أو أجيال، التاريخ المعاصر أو القريب تبقى من أصعب الأمور، مثلما ذكرنا الأسبوع الماضي عندما استشهدنا بأعمال ريمون آرون وجان فوراستيي وأندري فونتان عن الربع الأخير من القرن العشرين.

ومن مظاهر هذه الصعوبة أنه لم يصدر حتى اليوم، فيما نعلم، كثير من أعمال التأريخ أو التحليل للربع الذي انقضى من هذا القرن، باستثناء الكتاب الذي صدر الشهر الماضي في فرنسا بعنوان «التاريخ الأول للقرن الحادي والعشرين». كتاب جماعي تَعاون في تأليفه مجموعة من صحافيي مجلة «لونوفيل أوبسرفاتور» تحت إشراف زميلهم فرانسوا رينارت الذي سبق له أن أصدر كتبا تأريخية، مثل «ختام قرن» (1994) و«روح العصر الذي أصابني بالزكام» (1997) و«التاريخ الكبير للعالم» (2016) و«هيروشيما: عندما يفسر التاريخُ أحداثَ الساعة الراهنة» (2017) و«التاريخ الكبير للعوالم الجديدة» (2020).

ومنطلق رينارت وزملائه في هذا العمل هو القاعدة المعروفة القائلة بأن «الصحافة هي المسوّدة الأولى للتاريخ». ولهذا فإن كثيرا من الصحافيين المُجيدين هم مؤرخون، لا بمعنى أن «الصحافي هو مؤرخ اللحظة» فحسب، بل أيضا بمعنى أن انكبابه على مراقبة بلاد أو منطقة أو سلسلة أحداث طيلة عقود كفيل بأن يجعله مؤرخا لعهد ما أو عصر ما، تعزيزا للتحقيق والتوثيق التأريخي بالمعاينة (أي الشهادة) الميدانية التي هي مادة «المعاشرة الصحافية» المديدة. ومن أمثلة ذلك أن المرجع في دراسات الحرب الباردة في بلدان اللسان الفرنسي ليس عملا لمؤرخ أكاديمي، وإنما هو ثلاثية صحافي لوموند الراحل أندري فونتان «تاريخ الحرب الباردة: من ثورة أكتوبر إلى حرب كوريا (1917-1950)»، و«من حرب كوريا إلى أزمة التحالفات (1971-1950)»، و«تاريخ الانفراج: فراش واحد لحُلميْن اثنين (1962-1981) «.

ومن الأمثلة الأخرى على أن الصحافة هي المسودة الأولى للتاريخ أن صحافي الواشنطن بوست الراحل تشارلز كروثامر، صاحب مقولة «البرهة الأحادية» التي اشتهر بها عالميا منذ أن أطلقها عام 1990 على العهد الذي توقع أن الولايات المتحدة ستتفرد فيه بالزعامة العالمية (والذي استبان الآن أنه امتد من بدء التسعينيات حتى أواخر العقد الأول من هذا القرن) قد قدم بعض أقوى الإضاءات على عهود من التاريخ المعاصر في كتب مثل «محاولة في فهم دلالات عقد الثمانينيات». أما كتابه «الأهم والمهم»، الذي يجمع مختارات من مقالاته الصحافية من 1985 حتى 2015، فإن قيمته تكمن في أنه مثال عملي على الصحافة إذ تجيد، بل تمتاز، في التأريخ لعهد كامل من السياسة الأمريكية والدولية.

يسرد «التاريخ الأول للقرن الحادي والعشرين» أبرز أحداث هذا الجيل الذي انقضى للتو، مثل هجمات 11 سبتمبر، واحتلال أفغانستان والعراق، والأزمة المالية لعام 2008، وجائحة الكوفيد، والغزو الروسي لأوكرانيا، وصعود ما يسمى بدول البريكس أو الجنوب الشامل، فضلا عن الخَطْب الجَلل المتمثل في انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية والذي لولاه لما كان صعودها الاقتصادي الصاروخي ممكنا. على أن أهم ما يقرره الكتاب أن السرعة الجنونية التي تتزاحم بها الأحداث وتتلاحق الاختراعات قد نسفت كثيرا من الأشياء التي ورثناها من القرن العشرين والتي كنا نظنها ثابتة مستقرة. وهذا بالضبط ما أشعر به شخصيا منذ زمن (وأظن أنني لست الوحيد): إنه شعور الاغتراب.

اغتراب ابن عصر بدائي قذف به قذفا في عصر «تقدمي» ناء عنه وغريب عليه فكرا ووجدانا! ذلك أن هذه الأعوام الـ25 بثوراتها التكنولوجية، وخصوصا الموبايل والإنترنت ثم شبكات اللا-تواصل (هذا حتى قبل أن نسمع بالذكاء الاصطناعي) قد أحدثت قطيعة في أنماط الإدراك البشري. قطيعة أنثروبولوجية حقيقية (لا سابق لها منذ اختراع نوتنبرغ للطباعة) بين بشرية ما قبل هذا القرن وبشرية ما بعده. قطيعة أحدثت شرخا في الهوية الآدمية وزلزلت وجدان الإنسان. قطيعة جَنَتْ بها البشرية شر أفعالها التكنولوجية لتصير نهبا مباحا لدوامة اختراعاتها «الفرنكن-شيطانية».

القدس العربي

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه الهواتف الذكية التكنولوجيا الذكاء الاصطناعي سياسة تغطيات رياضة سياسة سياسة سياسة رياضة رياضة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة هذا القرن

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • صناع «إذما» لـ«الوفد»: الفيلم رحلة إلى أعماق النفس البشرية خارج حسابات الأكشن والكوميديا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • كيف بدأ الاحتلال سياسة التهجير والتطهير العرقي قبل قرن من الزمان؟
  • جلسة لمجلس الوزراء في هذا التاريخ
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • «الشارقة للفنون» تُطلق السلسلة الصوتية القصيرة «تواريخ ممتدة»
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟