11 يناير.. تأملات في يوم لا يشبه الأيام
تاريخ النشر: 11th, January 2026 GMT
د. إبراهيم بن سالم السيابي
ليس كل الأيام في عمر الأوطان متشابهة، فهناك أيام تمرّ، وأيام تُسجَّل، وأيام يُعاد فيها تعريف العلاقة بين الحاكم والوطن، وبين السُّلطةِ والنَّاس.
هذا اليوم، يوم 11 من يناير، ليس فقط احتفالًا بتولي الحاكم، بل طمأنينة لفكرة. فكرة أن الحكم يمكن أن يكون استمرارًا للعقل، لا قطيعة معه، وأن القيادة قد تأتي محمّلة بالهدوء أكثر من الضجيج، وبالبصيرة أكثر من الخطابة.
مولاي صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظم- أيدكم الله- حين توليتم مقاليد الحكم، لم يكن الوطن خاليًا من التحديات؛ بل كان مثقلًا بأسئلة المرحلة.. أسئلة لا تبحث عن إجابات سريعة؛ بل عن مسارٍ طويل الأمد. كيف تُدار الدولة في زمن الاضطراب العالمي؟ وكيف يُوازن الحكم بين ضرورات الإنفاق ومسؤولية المال العام؟ وكيف تُحمى الطموحات دون أن تُستنزف الموارد؟ وكيف يُستكمل مسار النهضة الذي بدأته البلاد؟ وكيف يُستثمر ما تحقق من إنجازات لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا؟ وكيف تُحافظ الدولة على استدامة التنمية وتوازنها بين مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟ وكيف يستمر المشروع الوطني في تطوير البنية التحتية، والتعليم، والخدمات، دون أن تُهدَر الفرص أو تُستنزف الموارد؟
التاريخ السياسي لا يُقاس بطول السنين؛ بل بعمق القرارات، وبالقدرة على صون الاستقرار دون تجميد الحركة. وقد علّمنا تاريخ الحكم في عُمان أن الدولة التي تحترم ذاتها، هي التي تُحسن ترتيب أولوياتها، وتعرف أن الموارد أمانة، وأن العقل حين يقود، يوفّر على الوطن أثمان الأخطاء.
وفي سنوات قصيرة، لمس المواطن تحوّلًا هادئًا لا صاخبًا، تحوّلًا لا يُعلن عن نفسه بالشعارات، بل يظهر في انتظام الإيقاع العام للدولة. إدارة رشيدة للمال العام، انضباط في سلة الإنفاق، وخطاب واقعي لا يُراهن على المعجزات، بل على الحساب، والتدرّج، والصدق مع الناس. لم يكن العبور إلى برّ الأمان نتيجة غير محسوبة، بل نتيجة قيادة تعرف متى تُمسك بالدفة، ومتى تُخفف السرعة، ومتى تصبر حتى تعبر العاصفة دون أن تفقد الاتجاه.
وعلى امتداد هذا النهج، ووسط اضطرابات جيوسياسية في المنطقة، ظلّت عُمان وفيّة لسياسة عُرفت بها طويلًا؛ سياسة الحياد، لا باعتبارها انسحابًا من العالم، بل اعترافًا عميقًا بتحدياته وفهمًا لمسؤولياتها.
سياسة الحياد، لا باعتبارها انسحابًا من العالم، بل باعتبارها فهمًا عميقًا له. فالابتعاد عن الصراعات لم يكن يومًا فرارًا، بل اختيارًا واعيًا لحماية الوطن، وعدم الزجّ به في معارك لا يربح منها شيئًا.
غير أنَّ الحياد، حين يُمتحن الضمير الإنساني، لا يقف على الحياد من الحق. وحين اهتزّ العالم تحت وطأة الظلم، ظهر المعدن الأصيل. وكان الموقف من القضية الفلسطينية تعبيرًا صادقًا عن انحياز ثابت للعدالة، موقف لا يعلو صوته، ولا يساوم على جوهره، بل يستند إلى تاريخٍ لم تتخلَّ فيه عُمان يومًا عن بوصلتها الأخلاقية. وبهذا، ترسّخت مكانتها صوتًا عاقلًا، ومرجعيةً للاتزان، ووسيطًا يُوثق به في زمن الاستقطاب.
مولاي المعظم.. لعلّ أكثر ما يُطمئن المواطن اليوم، ليس فقط ما تحقق على مستوى الإدارة والسياسة؛ بل "روح الحكم نفسها". طريقة تقوم على الإنصات قبل القرار، وعلى فتح قنوات التواصل بدل الاكتفاء بالمسافة الرسمية. شعر الناس أن صوتهم يُسمع، بل "تتواصل مع نبض المواطن"، وتُصغي من الداخل، وتتعامل مع المواطن بوصفه شريكًا لا تابعًا.
وفي هذا السياق، جاءت السياسة الاجتماعية امتدادًا طبيعيًا لهذا الفهم. لم تُختزل في حلول مؤقتة، بل في بناء منظومة حماية تمنح الإنسان شعور الطمأنينة، وتُعيد للعدالة الاجتماعية معناها العملي. اتسعت مساحات الحوار، وتقدمت أدوات التواصل، وترسّخت فكرة أن حرية الرأي والقول ليست تهديدًا للاستقرار، بل أحد شروطه، حين تُدار بالوعي والمسؤولية.
أما الرُّؤية المستقبلية، فلم تُطرح كحلمٍ معلّق، بل كمسارٍ واضح الملامح، يُراكم ما تحقق، ويستثمر في الإنسان قبل المشاريع، ويتعامل مع التحديات بوصفها جزءًا من الرحلة، لا ذريعة للتراجع ولا سببًا للتوجس.
مولاي.. في هذا اليوم، لا نكتب تهنئة عابرة، بل "تقدير صادق يتجاوز الخطاب التقليدي"، بل نكتب ثقةً متجددة، وأملًا عقلانيًا، ودعاءً صادقًا لوطنٍ اختار أن يُدار بالحكمة قبل العاطفة: حفظكم الله يا مولاي، وسدَّد خطاكم، وجعل عُمان بكم أكثر أمنًا، وأكثر عدلًا، وأكثر طمأنينة، وأدام على هذا الوطن نعمته، ووحدته، وثقته بالمستقبل.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
حماس: ادعاءات رفضنا تسليم الحكم بغزة أكاذيب وملادينوف يعيق عمل اللجنة الوطنية
نفت حركة حماس ، اليوم الثلاثاء، الأنباء المتداولة في أروقة مجلس الأمن الدولي حول رفض الحركة تسليم إدارة قطاع غزة ، واصفةً تلك التصريحات بأنها أكاذيب وعملية تضليل ممنهجة تهدف بشكل مباشر إلى التحريض ضد الحركة، ومنح الاحتلال الإسرائيلي ذرائع سياسية وعسكرية لتصعيد عدوانه المستمر ضد أبناء الشعب الفلسطيني في القطاع.
وأكّد المتحدث الرسمي باسم الحركة حازم قاسم، في تصريح صحفي له، على موقف الحركة القاطع والحاسم بالجهوزية الكاملة لتسليم كافة مجالات الحكم والإدارة في قطاع غزة، بما في ذلك الملف الأمني، إلى اللجنة الوطنية التي تم التوافق الفصائلي على تشكيلها في وقت سابق، مشيراً بأسف إلى أن هذه اللجنة لا تزال متواجدة في العاصمة المصرية القاهرة دون تمكينها من ممارسة مهامها على الأرض.
وفي سياق تفكيك أسباب الأزمة وعرقلة جهود الإدارة التوافقية، حمّل قاسم المبعوث الأممي ميلادينوف المسؤولية المباشرة عن تعطيل مسارات المرحلة الثانية، بعد ربطه دخول اللجنة باشتراطات ومسارات بديلة لا علاقة لها باتفاق وقف إطلاق النار المبرم أصلاً.
وأضاف المتحدث باسم الحركة أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تساهم بشكل أساسي في هذا التعطيل من خلال منع دخول أعضاء اللجنة ومقدراتها عملياً عبر إغلاق المعابر، يرافق ذلك عجز واضح من مجلس الأمن الدولي عن إلزام الاحتلال بإدخال اللجنة أو توفير المقدرات والبيئة اللوجستية اللازمة لعملها، مجدداً التأكيد في ختام تصريحه على أن حماس أبدت مرونة كاملة لتسليم زمام الأمور، وأن الاحتلال هو المعطل الفعلي الوحيد لترتيب الأوضاع الداخلية.
المصدر : وكالة سوا اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد المزيد من آخر أخبار فلسطين المفتي العام يحذر من تداول نسخة من القرآن الكريم الصحة بغزة: شهيد و9 إصابات خلال 24 ساعة بالفيديو: شهيد و4 إصابات في قصف إسرائيلي استهدف مركبة بدير البلح الأكثر قراءة الجيش الإسرائيلي يستدعي جنود الاحتياط لتوسيع عملياته في لبنان الجيش الإسرائيلي هاجم الليلة أكثر من 100 هدف في البقاع وجنوب لبنان نحو 9400 أسير فلسطيني يستقبلون عيد الأضحى في ظروف قاسية رئيس الوزراء يحذر من تفاقم الأوضاع الإنسانية الكارثية في قطاع غزة عاجلجميع الحقوق محفوظة لوكالة سوا الإخبارية @ 2026