الشهيد القائد .. مظلوميةٌ وانتصار
تاريخ النشر: 12th, January 2026 GMT
في لحظات التحول الكبرى، حين تتساقط الأقنعة وتنكشف مواقع الناس من الحق، لا تعود الأحداث مُجَـرّد وقائع عسكرية أَو سياسية، بل تصبح معيارًا أخلاقيًّا يفضح جوهر الصراع بين مشروع تحرّري يستمد شرعيته من القرآن الكريم، وثقافته من وعي الأُمَّــة وهُـويتها، ومشاريع ارتهنت للخارج وتغذت من العمالة والتبعية.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز سيرةُ الشهيد القائد حسين بن بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه- بوصفها سيرةَ وعي قبل أن تكون سيرة مواجهة، وسيرة موقف قبل أن تكون سيرة رجل.
لم يخرج الشهيد القائد من فراغ، ولم ينطلق من نزعة سلطة أَو بحث عن مكاسب، بل خرج من مران، من أقصى الهامش الجغرافي، ومعه قلة من الأفراد، لكنه كان يحمل رؤية واضحة، ونظرة قرآنية عميقة للواقع.
كان القرآن عنده حاضرًا في تشخيص الأحداث، وفي فهم سنن الصراع، وفي تحديد مواقع الظالم والمظلوم.لم يكن
كتاب تلاوة فحسب، بل مشروع حياة، ومنهج مقاومة، وبُوصلة لا تحيد.
من هذه الزاوية القرآنية، أدرك الشهيد القائد أن ما تعيشه الأُمَّــة ليس أزمات متفرقة، بل حالة استضعاف ممنهج تقف خلفها قوى الاستكبار العالمي، وعلى رأسها أمريكا وكَيان الاحتلال الصهيوني.
فسمّى الأشياء بأسمائها، ورفض ثقافة الصمت والخضوع، وكشف زيف الشعارات التي تتغطى بها العمالة، حين تتحول الأنظمة إلى أدوات طيعة بيد الخارج، وتصبح السيادة مُجَـرّد وهم، والقرار الوطني سلعة تُباع وتُشترى.
وعندما واجه هذا المشروع الصادق آلة الحرب، شُنت عليه الحروب المتتالية، بإمْكَانات دولة، وبتحالفات إقليمية ودولية، ظنًا أن الصوت يمكن إسكاته، وأن الفكرة يمكن دفنها باستشهاد صاحبها.
لكن منطق القرآن الذي آمن به الشهيد القائد كان يؤكّـد أن النصر لا يُقاس بالعدة والعدد، بل بعدالة القضية وثبات الموقف. فكانت مظلوميته عنوان صدقه، وكان استشهاده بداية مرحلة جديدة من الانتصار لا نهايتها.
ومن رحم تلك الصرخة التي ارتفعت في جبل مران بصعدة، صرخة بدت يومها في نظر المتخاذلين مُجَـرّد هتاف، وليس مشروعًا تحرّريًّا متكاملًا، انطلق المسار.
لم تكن الصرخة شعارًا عابرًا، بل إعلان وعي وبداية طريق طويل من البناء الإيماني والفكري والجهادي.
تحولت الصرخة مع الزمن إلى ثقافة، والثقافة إلى مشروع، والمشروع إلى قوة ردع حقيقية.
واليوم لم تعد تلك الصرخة محاصرة في الجبال، بل صارت صواريخ ومسيرات بالستية تعبر المسافات، وتوقظ مضاجع العدوّ الصهيوني، وتتحول إلى شبح يطارد البارجات الأمريكية، ويحطم أوهام التفوق والاستعمار والاستكبار، ويعيد رسم معادلات الصراع على أَسَاس جديد قوامه الإرادَة والوعي لا الخضوع.
وفي مقابل هذا المسار، سقطت الأقنعة تباعًا، وانكشفت حقيقة كثير ممن اصطفوا مع العدوان، أَو باركوا الحروب، أَو صمتوا عن الجرائم.
تهاوت شعاراتهم أمام وضوح الموقف، وظهروا بلا مشروع وطني ولا أخلاقي؛ لأَنَّ التاريخ لا يحفظ إلا مواقف الرجال، ولا يرحم من باعوا أوطانهم تحت أي مسمى.
إن الحديث عن الشهيد القائد ليس استدعاءً للماضي، بل قراءة واعية للحاضر واستشراف للمستقبل.
هو استحضار لنموذج الإنسان الذي قرأ واقعه بالقرآن، وواجه الطغيان بالوعي، ودفع ثمن موقفه دمًا، فصار حضوره اليوم أقوى من غيابه.
مظلوميته لم تكن ضعفًا، بل شهادة حق، وانتصاره لم يكن لحظة عابرة، بل مسارًا ممتدًا في وعي الأُمَّــة.
ونحن نحيي ذكرى استشهاده في الخامس والعشرين من رجب، لا نقف عند حدود العاطفة، بل نجدد العهد والالتزام.
نجدد العهد بأننا على خطاه ثابتون، وعلى دربه ماضون، نحمل البُوصلة القرآنية ذاتها، ونرفض الخضوع، وننحاز للمستضعفين، ونواجه الاستكبار مهما تعددت أدواته.
فدمُه لم يكن خاتمةَ مشروع، بل كان وقوده، وستظل روحه حاضرة في كُـلّ صرخة حق، وكل موقف عز، وكل معركة كرامة، حتى يتحقّق وعد الله، وينكسر الطغيان، وتنتصر الأُمَّــة.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
من الكاريبي إلى المونديال.. مشروع هولندي يقود كوراساو إلى الحلم العالمي
لم يكن تأهل منتخب كوراساو إلى كأس العالم 2026 وليد المصادفة أو نتيجة طفرة عابرة، بل جاء ثمرة مشروع رياضي طويل اعتمد على المزج بين الهوية الكاريبية والخبرة الهولندية، ليحول الجزيرة الصغيرة إلى منافس قادر على مقارعة كبار القارة.
ترتبط قصة كوراساو الحديثة بتاريخ جزر الأنتيل الهولندية، إذ يعد المنتخب الامتداد القانوني والرياضي لذلك الكيان الكروي الذي اختفى بعد التغييرات السياسية في المنطقة.
ومنذ حصول كوراساو على عضوية مستقلة داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم عام 2011، بدأت ملامح مشروع جديد تتشكل بهدوء.
الخطوة الأولى تمثلت في استقطاب اللاعبين من أصحاب الأصول الكوراساوية الذين ولدوا ونشأوا داخل هولندا، مستفيدين من الروابط التاريخية والسياسية بين الجزيرة ومملكة هولندا.
هذا التوجه منح المنتخب قاعدة بشرية أكبر ومستوى فنيا أعلى، خصوصا أن عددا من لاعبيه تطوروا داخل أكاديميات ودوريات أوروبية تمتلك خبرة كبيرة في صناعة المواهب.
وبمرور السنوات بدأت النتائج تظهر تدريجيا، حيث فازت كوراساو بكأس الكاريبي عام 2017، ثم سجلت ظهورها الأول في الكأس الذهبية بالعام نفسه، قبل أن تبلغ ربع نهائي نسخة 2019 وتقترب من التأهل إلى مونديال قطر 2022.
لكن التحول الأكبر جاء مع وصول المدرب الهولندي المخضرم ديك أدفوكات مطلع عام 2024، ليقود الفريق بخبرته الطويلة في كرة القدم الدولية.
أدفوكات، البالغ من العمر 78 عاما، يمتلك سيرة تدريبية استثنائية، إذ سبق له قيادة منتخب هولندا في مونديال 1994، ثم كوريا الجنوبية في نسخة 2006، قبل أن يجد نفسه أمام تحد جديد في جزيرة صغيرة تطمح إلى صناعة المجد.
تحت قيادته تحولت كوراساو إلى فريق أكثر جرأة وفعالية هجومية، ونجح المنتخب في تسجيل 28 هدفا خلال 10 مباريات بالتصفيات، وهو رقم يعكس التطور الكبير في الأداء الهجومي والقدرة على فرض الشخصية داخل الملعب.
ورغم النجاح، لم تخل الرحلة من التقلبات ، ففي فبراير 2026 أعلن أدفوكات استقالته لأسباب شخصية مرتبطة بالحالة الصحية لابنته، ليتم تعيين فريد روتن مدربا جديدا استعدادا للمونديال.
لكن المفاجأة جاءت بعد ثلاثة أشهر فقط عندما تمت الإطاحة بروتن وعودة أدفوكات مجددا إلى منصبه، في قرار عكس حجم الثقة التي يحظى بها داخل المنظومة الكروية في كوراساو.
وتمنح هذه العودة المنتخب استقرارا فنيا مهما قبل البطولة، كما تجعل أدفوكات أكبر مدرب يقود منتخبا في تاريخ كأس العالم الممتد على مدار 96 عاما.
ولا يقتصر المشروع الكوراساوي على المدرب فقط، بل يعتمد أيضا على مجموعة من اللاعبين الذين يمثلون العمود الفقري للفريق، وفي مقدمتهم القائد لياندرو باكونا صاحب الخبرة الدولية الطويلة، وشقيقه جونينيو باكونا، إضافة إلى الهداف التاريخي رانجيلو جانغا الذي سجل 21 هدفا بقميص المنتخب.
هذا الخليط بين خبرة اللاعبين القادمين من أوروبا والروح القتالية المرتبطة بهوية الجزيرة منح المنتخب شخصية خاصة يصعب تجاهلها.
وسيكون الاختبار الأكبر عندما يبدأ المنتخب مشواره في كأس العالم بمواجهة ألمانيا في هيوستن يوم 14 يونيو، قبل لقاء إكوادور وكوت ديفوار ضمن مجموعة تبدو صعبة على الورق.
لكن كوراساو تدخل البطولة دون ضغوط كبيرة، فمجرد التأهل يعد إنجازا تاريخيا، بينما قد يمنحها غياب التوقعات فرصة للعب بحرية ومحاولة صناعة مفاجأة جديدة.