مشهدُ مشجّعِ الكونغو الذي وقف منذ أيام في مدرجات «مولاي الحسن»، حيث يتنافس منتخب بلاده في كأس الأمم الإفريقية، مقلِّدًا شكل التمثال الموضوع للزعيم الإفريقي باتريس لومومبا في كينشاسا، لم يكن مجرد فكرة للتشجيع، بل كان طريقة لتكريم رمز سياسي في بلاده.. فبعد أكثر من ستة عقود على اغتياله، يعود اسم باتريس لومومبا إلى الواجهة من جديد، من مدرجات كرة القدم، مشجّع يقف احترامًا، وذاكرة إفريقية تستعيد واحدًا من أهم رموزها.

لفت المشجّع الأنظار بتقليده الوقفة الشهيرة للمناضل باتريس لومومبا، والتي كانت له مع الزعيم جمال عبد الناصر، حكاية استدعتها الذاكرة الوطنية بعد هذه الواقعة.

لومومبا قائد وطني تولّى رئاسة الحكومة عقب استقلال الكونغو عن الاستعمار البلجيكي عام 1960، ويُعدّ من أبرز رموز الحركة التحررية في إفريقيا خلال القرن العشرين.

اشتهر لومومبا بخطابه التاريخي في يوم إعلان الاستقلال، حين واجه القوى الاستعمارية بكلمات مباشرة وقوية، كاشفًا حجم القهر والمعاناة التي عاشها الشعب الكونغولي طوال سنوات الاحتلال.

وتكتسب سيرة باتريس لومومبا بُعدًا إضافيًا، إذ ربطته علاقة فكرية وسياسية وثيقة بالزعيم جمال عبد الناصر، في مرحلة كانت تشهد تصاعدًا لحركات التحرر الوطني في العالمين العربي والإفريقي.

ففي الوقت الذي اشتدت فيه الضغوط على لومومبا، وتكالبت عليه قوى الاستعمار، وأصبح مهددًا بالاغتيال هو وأسرته، فكّر في تأمين عائلته بعيدًا عن الخطر الذي كان يتهدده من كل مكان، ولم يجد ملاذًا أكثر أمانًا من مصر وعبد الناصر.

ويُحكى في هذا السياق أن لومومبا قال لأبنائه بوضوح إنهم ذاهبون إلى «أبيهم عبد الناصر»، في تعبير يعكس عمق الثقة والاحترام الذي جمع بين الزعيمين، ويكشف حجم الرهان على مصر كحاضنة لحركات التحرر في إفريقيا.

وعن هذه الواقعة، يروي مراد غالب، سفير مصر في الكونغو آنذاك، في مذكراته «مع عبد الناصر والسادات»، قائلًا: «أقدم كازافوبو، رئيس الجمهورية، على خلع لومومبا من منصبه كرئيس للوزراء، وردّ لومومبا عليه بعدم الاعتراف به رئيسًا، وبدأت حالة الفوضى في البلاد بإعلان تشومبي، حاكم إقليم كاتنجا، انفصاله، وكان أغنى أقاليم البلاد، وتتركز فيه غالبية الشركات البلجيكية، خاصة العاملة في المناجم، وبدأت عملية محكمة لمحاصرة لومومبا».

وأضاف غالب: «استطاع لومومبا أن يفلت من طوق الحصار المفروض حوله، ويهرب إلى منزل بوسط العاصمة ليوبولدفيل، وبعث إليّ برسالة تُعرّفني بمكانه.. وصلت إلى مخبئه، ووجدت حالته سيئة للغاية، وكانت عيناه زائغتين. كتبت برقية إلى الرئيس جمال عبد الناصر أبلغته فيها أن لومومبا على قيد الحياة، عكس الأنباء التي تداولت مقتله، وأنه يرغب في نقل زوجته وأولاده إلى مصر، وأنني أصبحت المصدر الوحيد لأخباره».

ووضع غالب خطة لتهريب أبناء لومومبا، فتم تغيير جواز سفر مستشار في السفارة المصرية يُدعى عبد العزيز إسحاق، وكُتب فيه أنه متزوج من امرأة كونغولية ويريد اصطحاب أبنائه للسفر إلى لشبونة، ونجحت الخطة، وتم تهريب أبنائه بنجاح، فيما بقي لومومبا ليستكمل المقاومة حتى تم اغتياله.

وفي هذا السياق، وعن رد فعل عبد الناصر تجاه اغتيال لومومبا، يقول الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل: «كان جمال عبد الناصر متأثرًا إلى أبعد حد بقتل لومومبا، وتبادل خطابات في هذا الموضوع مع خروتشوف ونهرو وتيتو وهمرشولد، وكان لومه شديدًا لهمرشولد، فقد اعتبر أن لومومبا قُتل تحت أعلام الأمم المتحدة وفي وجودها، بل إن وجودها استُغل كغطاء لجريمة بشعة هزّت إفريقيا».

ويضيف هيكل في كتابه «سنوات الغليان» أن زوجة لومومبا كتبت خطابًا إلى عبد الناصر قالت فيه: «إنني امرأة لم تتعلم، لأن الاستعماريين البلجيكيين حرمونا من فرصة التعليم، لكنني، مع إدراكي البسيط، أفهم، مثل كل امرأة وطنية في إفريقيا، أنكم أوفى الأصدقاء لشعوبنا. إنني، بلسان امرأة، والمرأة موضع أسرار الرجل، أؤكد لكم أننا عرفنا الآن أصدقاءنا الحقيقيين، والله معك».

وبعد تهريب الأطفال الثلاثة، تم أيضًا تهريب الأم وطفلها الصغير، وعاشوا في مصر، وما كان من عبد الناصر إلا أن قرر تغيير اسم شارع «بلجيكا» بمدينة الإسكندرية إلى شارع باتريس لومومبا، تخليدًا لذكرى الزعيم الذي قاوم الاستعمار البلجيكي حتى النهاية.

كان اهتمام جمال عبد الناصر بإفريقيا كبيرًا، وعبّر عنه بقوله: «النيل هو شريان الحياة في إفريقيا، يفيض من قلبها ليأتي لمصر بالخصب والرخاء، ويبقى السودان الحبيب تمتد حدوده إلى أعماق إفريقيا ويرتبط بصلات الجوار مع المناطق الهامة في وسطها. ولسوف أظل أحلم باليوم الذي أجد فيه في القاهرة معهدًا ضخمًا لإفريقيا، يسعى لكشف نواحي القارة أمام عيوننا، ويخلق في عقولنا وعيًا إفريقيًا مستنيرًا، لنشارك مع كل العاملين على تقدم شعوب القارة الإفريقية ورفاهيتها».

كان إيمان عبد الناصر بفكرة التحرر الوطني في القارة الإفريقية هو المحرك الرئيسي لدعم القوى الوطنية في هذه الدول، وتعد الجزائر النموذج الأبرز للدور المصري في إفريقيا، إذ قدمت مصر دعمًا شاملًا للثورة الجزائرية (1954-1962)، شمل التدريب العسكري، والدعم الإعلامي عبر إذاعة «صوت العرب»، إلى جانب التحرك الدبلوماسي المكثف في المحافل الدولية، حتى نالت الجزائر استقلالها.

وشاركت مصر أيضًا، مع مجموعة الدول الأفروآسيوية، في مساندة شعوب أنجولا وموزمبيق وناميبيا، والصومال الذي حصل على استقلاله في يوليو 1960، كما وقفت إلى جانب الكونغو في نضاله ضد الاستعمار، وتعددت أشكال المساندة من دعم للأحزاب الوطنية في تلك البلدان، والدعم المادي لها ولحركات التحرر، فضلًا عن التوظيف الإعلامي من خلال إذاعات موجهة إلى دول القارة.

وكانت مصر أول دولة في العالم تقدم لحركات التحرير الإفريقية الأسلحة والتدريب العسكري المناسب، وظهر الدعم أيضًا بفتح مكاتب لحركات التحرير الإفريقية في القاهرة، لإيجاد تواصل بينها وبين مصر ومع العالم الخارجي.

كانت مصر أول بلد في العالم يتجمع فيه عدد كبير من المكاتب السياسية الإفريقية، كما اهتم عبد الناصر بإنشاء جهاز إعلامي قوي لدعم التواصل مع إفريقيا، حتى أصبحت القاهرة العاصمة الأولى التي تعكس قضايا القارة ككل، ونقلت مصر بهذا التوجه الإحساس لجميع الأفارقة بأن مصر جزء لا يتجزأ من القارة الإفريقية.

ويكفي أن نعلم أنه في عام 1959 لم يزد عدد الدول التي حصلت على استقلالها على عشر دول، وفي العام التالي استقلت 18 دولة، كان لمصر دور مؤثر فيها.

لقد لعبت مصر دورًا هامًا في القارة الإفريقية، سواء في فترة الكفاح من أجل التحرير، أو فيما بعد ذلك عندما واجهت الشعوب الإفريقية قضايا التنمية، وكان لمصر دور قيادي في إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية، التي مهد لقيامها عدة مؤتمرات، بدءًا من مؤتمر باندونج في ديسمبر 1954، وصولًا إلى مؤتمر القمة الإفريقي الأول في أديس أبابا في مايو 1963، الذي ناقش قضايا الوحدة الإفريقية، والقضاء على الاستعمار، والتفرقة العنصرية، وتنمية التعاون بين دول القارة، والعمل على نزع السلاح، وفي نهاية المؤتمر أُعلن عن ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية، الذي وقعته 23 دولة، وأكد على تحرير القارة الإفريقية وتحقيق مبادئ الوحدة والتضامن بين دولها، وفقًا لمبادئ تحكم علاقاتها بالعالم الخارجي.

حرص عبد الناصر طوال فترة حكمه على أن يكون الوجود المصري في إفريقيا واضحًا وملموسًا، فكان هناك أكثر من 52 مكتبًا لثلاث شركات قطاع عام تعمل في مجال التجارة الخارجية، هي: شركة النصر للتصدير والاستيراد، ومصر للتجارة الخارجية، ومصر للاستيراد والتصدير، وكان لتلك الفروع دور مهم في الترويج للمنتجات المصرية في القارة السمراء، وترسيخ العلاقات المصرية الإفريقية.

وكانت مواقف عبد الناصر وسياساته من كفاح جنوب إفريقيا ضد نظام الفصل العنصري بارزة، ولعب الدور الأول في تنفيذها وزيره الشاب آنذاك محمد فائق، ففي 30 مايو 1961 أعلنت مصر قطع علاقاتها مع النظام العنصري في جنوب إفريقيا، وقالت الخارجية المصرية في بيان لها: «إن سياسة التفرقة العنصرية التي تتبعها جنوب إفريقيا تجاوزت حدها في إهدار حقوق الأفارقة»، واتهمت جنوب إفريقيا بالاستهتار بالضمير العالمي، مؤكدة أن قصر الانتخابات فيها على السكان البيض إهدار لسيادة القانون، وأن مصر قررت عدم الاعتراف بالحكومة العنصرية وسحب بعثتها الدبلوماسية من بريتوريا.

وفي مذكرات نيلسون مانديلا، أول رئيس لجنوب إفريقيا بعد سقوط سياسة التمييز العنصري، قال بعد خروجه من السجن الذي قضى فيه سبعة وعشرين عامًا: «كانت مصر نموذجًا مهمًا لنا، الإصلاح الزراعي، والتصنيع، والتعليم».

وعندما زار مانديلا مصر عام 1962 لم تتح له فرصة مقابلة عبد الناصر، الذي كان مشغولًا حينها بلقاء الرئيس اليوغوسلافي تيتو. غير أن مانديلا قال، أثناء احتفال بتكريمه في جامعة القاهرة عام 1990: «كان لديّ موعد مع رجل رفعت رأسي من بعيد كي يراني، ثم حالت ظروف قاهرة بيني وبين لقائه، وحين جئت إلى مصر، كان من سوء حظي أن جمال عبد الناصر لم يعد هناك، سأزور في مصر ثلاثة أماكن: الأهرامات، والنيل العظيم، وضريح جمال عبد الناصر».

كان عبد الناصر من الآباء المؤسسين لمنظمة الوحدة الإفريقية التي عقدت مؤتمرها الأول في أديس أبابا عام 1963، بحضور رؤساء 30 دولة إفريقية. وكان لعبد الناصر رفاق أفارقة في دربه نحو تحقيق الحلم الإفريقي، منهم كوامي نكروما (1909- 1972)، الذي تزوج من سيدة مصرية اسمها فتحية رزق، التي أصبحت تُعرف بفتحية نكروما، وحظيت بشعبية كبيرة في غانا.. وتيمّنًا باسم جمال عبد الناصر، أطلقوا على أول أبنائهما اسم جمال، وهو جمال نكروما الذي عمل في صحيفة الأهرام، كما مُنح نكروما الدكتوراة الفخرية من جامعة القاهرة عام 1958.

ومن رفاقه أيضًا أحمد سيكوتوري، أحد أبرز الوجوه التحررية الوحدوية في القارة السمراء، ومن مؤسسي منظمة الوحدة الإفريقية، وقد ارتبط بعلاقات قوية بجمال عبد الناصر، حتى سُميت باسمه أكبر جامعة في غينيا، جامعة جمال عبد الناصر في كوناكري، ومنحه عبد الناصر قلادة النيل خلال زيارته لمصر عام 1961، كما حصل على الدكتوراة الفخرية في التاريخ الإسلامي من جامعة الأزهر الشريف، تقديرًا لدوره وكفاحه ضد الاستعمار.

وفي ذكرى ميلاد الزعيم جمال عبد الناصر، الذي وُلد في حي باكوس بالإسكندرية عام 1918، نستحضر كلمات الرئيس الكيني جومو كينياتا، الذي نعاه عند رحيله في سبتمبر 1970 بقوله: «أنا واحد من أمة كبيرة فُجعت في الوالد العظيم».. رحم الله جمال عبد الناصر.

اقرأ أيضاًعبد الناصر ولومومبا.. الحقيقة الغائبة عن دور مصر في الكونغو

محافظ بورسعيد واللواء سمير فرج يفتتحان أعمال تطوير حديقة جمال عبد الناصر

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: كأس الأمم الإفريقية القارة الإفريقية جمال عبد الناصر عبد الناصر أبو إفريقيا باتريس لومومبا القارة الإفریقیة الوحدة الإفریقیة جمال عبد الناصر باتریس لومومبا جنوب إفریقیا فی إفریقیا فی القارة

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • الأمير الحسن يؤكد أهمية مأسسة العمل الاقتصادي
  • أحمد موسى: كل التحية لـ المشير طنطاوي شال كتير
  • الشركة المنفذة لبناء استاد المصرى لكامل أبو علي على عودة الفريق للتدريب بملعبه نهاية أغسطس المقبل
  • أحمد موسى يقدم التحية الداخلية بعد القبض على سارق بائع الصحف
  • مصر تستضيف الاجتماع التحضيري للمجموعة الإفريقية لمكافحة التصحر استعدادًا لـ "COP17"
  • بعد تحطم مقدمة عربة ربع نقل.. الوزارة تجدد تحذيرها من اقتحام المزلقانات
  • الأمير الحسن يؤكد أهمية مأسسة العمل الاقتصادي وتعزيز دور الصناعة في بناء اقتصاد منتج ومستدام
  • الزراعة : مصر تستضيف الاجتماع التحضيري للمجموعة الإفريقية لمكافحة التصحر استعدادًا لـ COP17
  • استاد القاهرة يحتضن قمة مرتقبة بين النصر والسويحلي السبت المقبل
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟