من استاد «مولاي الحسن» وقفة «لومومبا».. تجدد التحية لناصر «أبو إفريقيا»
تاريخ النشر: 12th, January 2026 GMT
مشهدُ مشجّعِ الكونغو الذي وقف منذ أيام في مدرجات «مولاي الحسن»، حيث يتنافس منتخب بلاده في كأس الأمم الإفريقية، مقلِّدًا شكل التمثال الموضوع للزعيم الإفريقي باتريس لومومبا في كينشاسا، لم يكن مجرد فكرة للتشجيع، بل كان طريقة لتكريم رمز سياسي في بلاده.. فبعد أكثر من ستة عقود على اغتياله، يعود اسم باتريس لومومبا إلى الواجهة من جديد، من مدرجات كرة القدم، مشجّع يقف احترامًا، وذاكرة إفريقية تستعيد واحدًا من أهم رموزها.
لفت المشجّع الأنظار بتقليده الوقفة الشهيرة للمناضل باتريس لومومبا، والتي كانت له مع الزعيم جمال عبد الناصر، حكاية استدعتها الذاكرة الوطنية بعد هذه الواقعة.
لومومبا قائد وطني تولّى رئاسة الحكومة عقب استقلال الكونغو عن الاستعمار البلجيكي عام 1960، ويُعدّ من أبرز رموز الحركة التحررية في إفريقيا خلال القرن العشرين.
اشتهر لومومبا بخطابه التاريخي في يوم إعلان الاستقلال، حين واجه القوى الاستعمارية بكلمات مباشرة وقوية، كاشفًا حجم القهر والمعاناة التي عاشها الشعب الكونغولي طوال سنوات الاحتلال.
وتكتسب سيرة باتريس لومومبا بُعدًا إضافيًا، إذ ربطته علاقة فكرية وسياسية وثيقة بالزعيم جمال عبد الناصر، في مرحلة كانت تشهد تصاعدًا لحركات التحرر الوطني في العالمين العربي والإفريقي.
ففي الوقت الذي اشتدت فيه الضغوط على لومومبا، وتكالبت عليه قوى الاستعمار، وأصبح مهددًا بالاغتيال هو وأسرته، فكّر في تأمين عائلته بعيدًا عن الخطر الذي كان يتهدده من كل مكان، ولم يجد ملاذًا أكثر أمانًا من مصر وعبد الناصر.
ويُحكى في هذا السياق أن لومومبا قال لأبنائه بوضوح إنهم ذاهبون إلى «أبيهم عبد الناصر»، في تعبير يعكس عمق الثقة والاحترام الذي جمع بين الزعيمين، ويكشف حجم الرهان على مصر كحاضنة لحركات التحرر في إفريقيا.
وعن هذه الواقعة، يروي مراد غالب، سفير مصر في الكونغو آنذاك، في مذكراته «مع عبد الناصر والسادات»، قائلًا: «أقدم كازافوبو، رئيس الجمهورية، على خلع لومومبا من منصبه كرئيس للوزراء، وردّ لومومبا عليه بعدم الاعتراف به رئيسًا، وبدأت حالة الفوضى في البلاد بإعلان تشومبي، حاكم إقليم كاتنجا، انفصاله، وكان أغنى أقاليم البلاد، وتتركز فيه غالبية الشركات البلجيكية، خاصة العاملة في المناجم، وبدأت عملية محكمة لمحاصرة لومومبا».
وأضاف غالب: «استطاع لومومبا أن يفلت من طوق الحصار المفروض حوله، ويهرب إلى منزل بوسط العاصمة ليوبولدفيل، وبعث إليّ برسالة تُعرّفني بمكانه.. وصلت إلى مخبئه، ووجدت حالته سيئة للغاية، وكانت عيناه زائغتين. كتبت برقية إلى الرئيس جمال عبد الناصر أبلغته فيها أن لومومبا على قيد الحياة، عكس الأنباء التي تداولت مقتله، وأنه يرغب في نقل زوجته وأولاده إلى مصر، وأنني أصبحت المصدر الوحيد لأخباره».
ووضع غالب خطة لتهريب أبناء لومومبا، فتم تغيير جواز سفر مستشار في السفارة المصرية يُدعى عبد العزيز إسحاق، وكُتب فيه أنه متزوج من امرأة كونغولية ويريد اصطحاب أبنائه للسفر إلى لشبونة، ونجحت الخطة، وتم تهريب أبنائه بنجاح، فيما بقي لومومبا ليستكمل المقاومة حتى تم اغتياله.
وفي هذا السياق، وعن رد فعل عبد الناصر تجاه اغتيال لومومبا، يقول الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل: «كان جمال عبد الناصر متأثرًا إلى أبعد حد بقتل لومومبا، وتبادل خطابات في هذا الموضوع مع خروتشوف ونهرو وتيتو وهمرشولد، وكان لومه شديدًا لهمرشولد، فقد اعتبر أن لومومبا قُتل تحت أعلام الأمم المتحدة وفي وجودها، بل إن وجودها استُغل كغطاء لجريمة بشعة هزّت إفريقيا».
ويضيف هيكل في كتابه «سنوات الغليان» أن زوجة لومومبا كتبت خطابًا إلى عبد الناصر قالت فيه: «إنني امرأة لم تتعلم، لأن الاستعماريين البلجيكيين حرمونا من فرصة التعليم، لكنني، مع إدراكي البسيط، أفهم، مثل كل امرأة وطنية في إفريقيا، أنكم أوفى الأصدقاء لشعوبنا. إنني، بلسان امرأة، والمرأة موضع أسرار الرجل، أؤكد لكم أننا عرفنا الآن أصدقاءنا الحقيقيين، والله معك».
وبعد تهريب الأطفال الثلاثة، تم أيضًا تهريب الأم وطفلها الصغير، وعاشوا في مصر، وما كان من عبد الناصر إلا أن قرر تغيير اسم شارع «بلجيكا» بمدينة الإسكندرية إلى شارع باتريس لومومبا، تخليدًا لذكرى الزعيم الذي قاوم الاستعمار البلجيكي حتى النهاية.
كان اهتمام جمال عبد الناصر بإفريقيا كبيرًا، وعبّر عنه بقوله: «النيل هو شريان الحياة في إفريقيا، يفيض من قلبها ليأتي لمصر بالخصب والرخاء، ويبقى السودان الحبيب تمتد حدوده إلى أعماق إفريقيا ويرتبط بصلات الجوار مع المناطق الهامة في وسطها. ولسوف أظل أحلم باليوم الذي أجد فيه في القاهرة معهدًا ضخمًا لإفريقيا، يسعى لكشف نواحي القارة أمام عيوننا، ويخلق في عقولنا وعيًا إفريقيًا مستنيرًا، لنشارك مع كل العاملين على تقدم شعوب القارة الإفريقية ورفاهيتها».
كان إيمان عبد الناصر بفكرة التحرر الوطني في القارة الإفريقية هو المحرك الرئيسي لدعم القوى الوطنية في هذه الدول، وتعد الجزائر النموذج الأبرز للدور المصري في إفريقيا، إذ قدمت مصر دعمًا شاملًا للثورة الجزائرية (1954-1962)، شمل التدريب العسكري، والدعم الإعلامي عبر إذاعة «صوت العرب»، إلى جانب التحرك الدبلوماسي المكثف في المحافل الدولية، حتى نالت الجزائر استقلالها.
وشاركت مصر أيضًا، مع مجموعة الدول الأفروآسيوية، في مساندة شعوب أنجولا وموزمبيق وناميبيا، والصومال الذي حصل على استقلاله في يوليو 1960، كما وقفت إلى جانب الكونغو في نضاله ضد الاستعمار، وتعددت أشكال المساندة من دعم للأحزاب الوطنية في تلك البلدان، والدعم المادي لها ولحركات التحرر، فضلًا عن التوظيف الإعلامي من خلال إذاعات موجهة إلى دول القارة.
وكانت مصر أول دولة في العالم تقدم لحركات التحرير الإفريقية الأسلحة والتدريب العسكري المناسب، وظهر الدعم أيضًا بفتح مكاتب لحركات التحرير الإفريقية في القاهرة، لإيجاد تواصل بينها وبين مصر ومع العالم الخارجي.
كانت مصر أول بلد في العالم يتجمع فيه عدد كبير من المكاتب السياسية الإفريقية، كما اهتم عبد الناصر بإنشاء جهاز إعلامي قوي لدعم التواصل مع إفريقيا، حتى أصبحت القاهرة العاصمة الأولى التي تعكس قضايا القارة ككل، ونقلت مصر بهذا التوجه الإحساس لجميع الأفارقة بأن مصر جزء لا يتجزأ من القارة الإفريقية.
ويكفي أن نعلم أنه في عام 1959 لم يزد عدد الدول التي حصلت على استقلالها على عشر دول، وفي العام التالي استقلت 18 دولة، كان لمصر دور مؤثر فيها.
لقد لعبت مصر دورًا هامًا في القارة الإفريقية، سواء في فترة الكفاح من أجل التحرير، أو فيما بعد ذلك عندما واجهت الشعوب الإفريقية قضايا التنمية، وكان لمصر دور قيادي في إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية، التي مهد لقيامها عدة مؤتمرات، بدءًا من مؤتمر باندونج في ديسمبر 1954، وصولًا إلى مؤتمر القمة الإفريقي الأول في أديس أبابا في مايو 1963، الذي ناقش قضايا الوحدة الإفريقية، والقضاء على الاستعمار، والتفرقة العنصرية، وتنمية التعاون بين دول القارة، والعمل على نزع السلاح، وفي نهاية المؤتمر أُعلن عن ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية، الذي وقعته 23 دولة، وأكد على تحرير القارة الإفريقية وتحقيق مبادئ الوحدة والتضامن بين دولها، وفقًا لمبادئ تحكم علاقاتها بالعالم الخارجي.
حرص عبد الناصر طوال فترة حكمه على أن يكون الوجود المصري في إفريقيا واضحًا وملموسًا، فكان هناك أكثر من 52 مكتبًا لثلاث شركات قطاع عام تعمل في مجال التجارة الخارجية، هي: شركة النصر للتصدير والاستيراد، ومصر للتجارة الخارجية، ومصر للاستيراد والتصدير، وكان لتلك الفروع دور مهم في الترويج للمنتجات المصرية في القارة السمراء، وترسيخ العلاقات المصرية الإفريقية.
وكانت مواقف عبد الناصر وسياساته من كفاح جنوب إفريقيا ضد نظام الفصل العنصري بارزة، ولعب الدور الأول في تنفيذها وزيره الشاب آنذاك محمد فائق، ففي 30 مايو 1961 أعلنت مصر قطع علاقاتها مع النظام العنصري في جنوب إفريقيا، وقالت الخارجية المصرية في بيان لها: «إن سياسة التفرقة العنصرية التي تتبعها جنوب إفريقيا تجاوزت حدها في إهدار حقوق الأفارقة»، واتهمت جنوب إفريقيا بالاستهتار بالضمير العالمي، مؤكدة أن قصر الانتخابات فيها على السكان البيض إهدار لسيادة القانون، وأن مصر قررت عدم الاعتراف بالحكومة العنصرية وسحب بعثتها الدبلوماسية من بريتوريا.
وفي مذكرات نيلسون مانديلا، أول رئيس لجنوب إفريقيا بعد سقوط سياسة التمييز العنصري، قال بعد خروجه من السجن الذي قضى فيه سبعة وعشرين عامًا: «كانت مصر نموذجًا مهمًا لنا، الإصلاح الزراعي، والتصنيع، والتعليم».
وعندما زار مانديلا مصر عام 1962 لم تتح له فرصة مقابلة عبد الناصر، الذي كان مشغولًا حينها بلقاء الرئيس اليوغوسلافي تيتو. غير أن مانديلا قال، أثناء احتفال بتكريمه في جامعة القاهرة عام 1990: «كان لديّ موعد مع رجل رفعت رأسي من بعيد كي يراني، ثم حالت ظروف قاهرة بيني وبين لقائه، وحين جئت إلى مصر، كان من سوء حظي أن جمال عبد الناصر لم يعد هناك، سأزور في مصر ثلاثة أماكن: الأهرامات، والنيل العظيم، وضريح جمال عبد الناصر».
كان عبد الناصر من الآباء المؤسسين لمنظمة الوحدة الإفريقية التي عقدت مؤتمرها الأول في أديس أبابا عام 1963، بحضور رؤساء 30 دولة إفريقية. وكان لعبد الناصر رفاق أفارقة في دربه نحو تحقيق الحلم الإفريقي، منهم كوامي نكروما (1909- 1972)، الذي تزوج من سيدة مصرية اسمها فتحية رزق، التي أصبحت تُعرف بفتحية نكروما، وحظيت بشعبية كبيرة في غانا.. وتيمّنًا باسم جمال عبد الناصر، أطلقوا على أول أبنائهما اسم جمال، وهو جمال نكروما الذي عمل في صحيفة الأهرام، كما مُنح نكروما الدكتوراة الفخرية من جامعة القاهرة عام 1958.
ومن رفاقه أيضًا أحمد سيكوتوري، أحد أبرز الوجوه التحررية الوحدوية في القارة السمراء، ومن مؤسسي منظمة الوحدة الإفريقية، وقد ارتبط بعلاقات قوية بجمال عبد الناصر، حتى سُميت باسمه أكبر جامعة في غينيا، جامعة جمال عبد الناصر في كوناكري، ومنحه عبد الناصر قلادة النيل خلال زيارته لمصر عام 1961، كما حصل على الدكتوراة الفخرية في التاريخ الإسلامي من جامعة الأزهر الشريف، تقديرًا لدوره وكفاحه ضد الاستعمار.
وفي ذكرى ميلاد الزعيم جمال عبد الناصر، الذي وُلد في حي باكوس بالإسكندرية عام 1918، نستحضر كلمات الرئيس الكيني جومو كينياتا، الذي نعاه عند رحيله في سبتمبر 1970 بقوله: «أنا واحد من أمة كبيرة فُجعت في الوالد العظيم».. رحم الله جمال عبد الناصر.
اقرأ أيضاًعبد الناصر ولومومبا.. الحقيقة الغائبة عن دور مصر في الكونغو
محافظ بورسعيد واللواء سمير فرج يفتتحان أعمال تطوير حديقة جمال عبد الناصر
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: كأس الأمم الإفريقية القارة الإفريقية جمال عبد الناصر عبد الناصر أبو إفريقيا باتريس لومومبا القارة الإفریقیة الوحدة الإفریقیة جمال عبد الناصر باتریس لومومبا جنوب إفریقیا فی إفریقیا فی القارة
إقرأ أيضاً:
شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
كشفت الفنانة المعتزلة شمس البارودي تطورات حياة نجلها الفنان عمر حسن يوسف، مؤكدة أنه بخير، وقالت باللهجة الدارجة: «الحمد لله، عمر كان فرحان جدًا ومتواصل دائمًا مع ياسر جلال وأشرف زكي».
وأضافت أن عمر هو الوحيد من أبنائها الذي أحب مهنة والده الراحل حسن يوسف، مشيرة إلى أن زوجها الراحل «كان بيحبه جدًا»، بينما لم يتجه بقية أبنائها، ناريمان ومحمود وعبد الله، رحمه الله، إلى المجال الفني.
وتابعت البارودي، في مداخلة هاتفية مع الإعلامية بسمة وهبة مقدمة برنامج 90 دقيقة، عبر قناة المحور، أنها تنظر إلى دور الحماة باعتباره دور الأم، وقالت: «الحمى دي أم، وأنا بروح أطبخ ليهم وبحبهم جدًا»، معربة عن سعادتها باختيار عمر لزوجته، وأضافت: «الجميل إن ابني عمر اختار زوجة بتسعده، وأنا بقول دايمًا "اللي يحب ابني أحبه"».
وأوضحت أنها لم تكن بحاجة إلى أن توصي عمر بشيء عند زواجه، لأنه نشأ وهو يرى كيف كان والده يعامل والدته، وقالت: «هو شاف والده كان بيعامل أمه إزاي، فمش محتاج وصية، هو قدوته أبوه»، مؤكدة أن حسن يوسف كان «نعم الزوج ونعم الأب»، واحتواها بحنان كبير، بل إنه عندما تزوجها كان يخشى عليها من مشقة العمل وقال لها: «هنتجلك وأخرجلك» حتى يخفف عنها أعباء المهنة.
وفي حديثها عن المسيرة الفنية لعمر حسن يوسف، أوضحت شمس البارودي أنه حصل على فرص كثيرة، لكنها أشارت إلى أنه في بداياته «مكنش مركز». وأضافت أن والده الراحل كان حريصًا دائمًا على أن يضع التعليم في المقام الأول، وكان يردد أن «الشهادة أهم من أي حاجة»، ولذلك أصر على أن ينهي عمر دراسته أولًا ثم يتجه بعد ذلك إلى ما يرغب فيه.
وأكدت أنها كانت تخشى عليه من الشهرة، وقالت باللهجة الدارجة: «أنا كنت خايفة عليه من الشهرة لأن تمنها قاسي والإنسان مبيعرفش يعيش حياته بخصوصية»، في إشارة إلى الأعباء التي تفرضها الحياة تحت الأضواء.