على مدار عقود، وتحديداً منذ ما قبل تسعينيات القرن الماضي بقليل، ساد اتجاه عام في إدارة ملف "شركات قطاع الأعمال العام" يرتكز على فكرة التخلص من الشركات التي وُصفت بالخاسرة عبر "مقصلة البيع" أو التصفية كحل جاهز، دون النظر في عمق الأسباب التي أدت إلى تعثر هذه القلاع. واليوم، يبرز نموذج "سيماف" (مصنع المهمات السكك الحديدية) وشركة النصر للسيارات ليفرض نموذجاً مغايراً يثبت خطأ تلك السياسات التي سادت إدارة ملف قطاع الأعمال العام منذ ذلك التوقيت وحتي ماقبل التحول النسبي مؤخراً.

فهذه التجارب (سيماف والنصر للسيارات) توضح كيف يمكن تحويل شركات خاسرة من أطلال صناعية متهالكة إلى مجمع ذكي يضاهي المعايير العالمية، بفضل ضخ استثمارات ضخمة لتحديث خطوط الإنتاج وتوطين تلك التكنولوجيات الأحدث بالشراكة مع عمالقة دوليين، مما سيرفع نسبة المكون المحلي ويوقف نزيف العملة الصعبة عبر تفعيل حقيقي لسياسة "إحلال الواردات".


إن ما تعرض له القطاع العام من تراجع لم يكن نتاج تآكل زمني طبيعي، بل كان نتاج سوء إدارة، بل و"تخريب ممنهج" سعى لتحويل قلاع الإنتاج إلى جثث هامدة تمهيداً لبيعها بأبخس الأثمان، متناسين أن هذا القطاع كان "ظهير الدولة" في حرب أكتوبر المجيدة بدعم  المجهود الحربي بالأسلحة والذخائر وتأمين الجبهة الداخلية. واليوم، نرى بعثاً جديداً لهذا الفكر في "شركة النصر لصناعة السيارات"، التي عادت للحياة بعد سنوات من التصفية، لتتحول بقرار إرادي إلى مركز لصناعة الأتوبيسات والسيارات الكهربائية، لتثبت أن "الإحياء" هو السبيل الوحيد لتقليل الاعتماد على الخارج وتوطين الصناعة الوطنية.


وهذا النجاح لتلك التجارب مؤخرا (والتي ينبغي تعميمها مستقبلا أن شاء الله) يفتح الجرح من جديد حول قلاع استسلمنا في الماضي لقرار إعدامها أو تحجيمها لضعف الفكر أو لمصالح أخري للبعض، مثل "حديد وصلب حلوان" التي كان يمكن تحديثها بدلاً من تصفيتها، وشركة "النصر للمراجل البخارية" التي فُرط في تكنولوجيتها النادرة لصالح مشروعات عقارية، وصولاً إلى شركة "راكتا" للورق بالإسكندرية، التي عانت من إهمال متعمد لماكيناتها بدلاً من إعادتها للمنافسة.

ولا تنسي أيضا تجربة تصحيحية أخري في طريقها للنجاح هي الأخري وهي تجربة التحول في إدارة ملف شركة "عمر أفندي"؛ فبعد سنوات من عثرات الخصخصة، تشهد الشركة حالياً منذ (2024-2025) توجهاً لتعظيم عوائد أصولها غير المستغلة عبر إضافة "النشاط الفندقي والسياحي" لأغراضها، وتحويل فروعها التاريخية العريقة إلى فنادق تحت إدارة احترافية، وهو مسار يهدف لصون الأصول وتطوير هوية الشركة لتناسب متطلبات العصر، وٱن كام هذا لا ينبغي أن يغمض أعيننا عن ضرورة الحفاظ علي دور هذه الشركة وشركات أخري مثيلة في النشاط التجاري لمستلزمات الأسرة والبيت المصري من ملابس وأجهزة منزلية وأثاث وغيرها بأسعار زهيدة تناسب مستوي معيشة السواد ةلأعظم من المصريين في ظل سيطرة القطاع الخاص علي تجارة التجزئة بهوامش ربح عالية لتتناسب أغلب الأسر المصرية حاليا وهو فراغ لم تتمكن بعد اي شركة عامة من ملئه وهو ما يقتضي الحفاظ علي هذه الشركة من أجله بل والتوسع فيه.  


إن حماية الأصول الوطنية وتفعيل سياسة إحلال الواردات تتطلب تبني حزمة حلول متكاملة، من بينها الشراكة مع القطاع الخاص ومع بيوت الخبرة المحلية والعالمية للمشاركة والتطوير، فضلا عن البدائل الأخري مثل فصل الملكية عن الإدارة عبر الاحتفاظ بملكية الدولة للأصول مع منح حق الإدارة لشركات متخصصة، مدعومة بمسار التحديث لتوطين التكنولوجيا العالمية. ويتوازى ذلك مع الاندماج مع شركات ناجحة أن أمكن، أو دمج المصانع المتعثرة في سلاسل إمداد متكاملة.

ولا ينبغي أن يفوتنا في هذا المعرض الاسترشاد بالتجارب العالمية، مثل النموذج الصيني في حوكمة الشركات الحكومية، أو تجربة "تيماسيك" السنغافورية في إدارة الأصول بمنطق استثماري، وكذا النموذج الألماني في الشراكة التي تضمن السيادة الوطنية والشفافية.

إن النجاح الملفت في تجربة "سيماف" وعودة "النصر للسيارات" وإستغلال الأصول المعطلة في عمر أفندي سياحيا هي كلها إرهاصات نهج جديد طالب به الكثير من المخلصين والخبراء لعقود طويلة دون سميع أو مجيب، وهو ما يقتضي ضرورة إعادة النظر في كافة المخرجات التاريخية لملف ادارة خصخصة وتصفية قطاع الأعمال العام لاكتشاف وتصحيح ما تراكم من أخطاء تاريخية تسببت في إهدار بعض أصول الدولة.  كما يمثل هذا النجاح رسالة مفادها أن وجود إدارة وطنية مخلصة، تضع إحلال الواردات وتعميق التصنيع المحلي نصب عينيها، كفيل بتحويل "العبء التاريخي" إلى "ذراع إنتاجية" تولد الدخل القومي وتحمي الأصول وتخفض عجز الميزان التجاري وتحمي القرار الوطني وتدعم الاستقلال الاقتصادي والتنمية المستدامة.

 

سياسي ونقابي والمستشار الأسبق لوزير البيئة

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: قطاع الاعمال العام وشركة النصر إدارة ملف

إقرأ أيضاً:

في الذكرى ال5 للإدارة الحالية.. موظفو الخطوط الجوية اليمنية يستعرضون إنجازات الشركة وسط ظروف استثنائية

أشاد موظفو الخطوط الجوية اليمنية، الناقل الوطني لليمن، بالإنجازات التي قالت الشركة إنها حققتها خلال السنوات الأربع الماضية تحت قيادة رئيس مجلس الإدارة الكابتن ناصر محمود محمد، رغم ما وصفوه بظروف استثنائية وتحديات غير مسبوقة واجهت قطاع الطيران في البلاد.

وقال موظفو الشركة، في رسالة بمناسبة بدء العام الخامس للإدارة الحالية، إن الخطوط الجوية اليمنية واجهت خلال الفترة الماضية تحديات تمثلت في تدمير عدد من طائراتها واحتجاز أموالها والسيطرة على بعض أصولها، إلى جانب ما وصفوه بحملات استهدفت الشركة وموظفيها، فضلاً عن تداعيات الأوضاع الإقليمية التي أثرت على عمليات التشغيل وخطط التطوير.

وأضافت الرسالة "وصلت مأرب برس نسخة منها" أن الشركة تمكنت، رغم تلك التحديات، من الحفاظ على استمرارية خدماتها وتعزيز حضورها التشغيلي، مشيرة إلى إدخال ثلاث طائرات جديدة إلى أسطولها خلال أقل من ثلاث سنوات، وتنفيذ مشاريع لتطوير البنية التحتية في مقر الإدارة العامة بمدينة عدن، شملت ترميم المبنى الرئيسي وإنشاء مبنى إضافي وتوسعة المرافق التشغيلية.

ووفقاً للرسالة، افتتحت الشركة مكاتب جديدة في عدد من المدن، بينها الدوحة وجدة والغيضة، كما اشترت مقراً مملوكاً لها في القاهرة، وأنشأت هنجر صيانة في مطار عدن الدولي، إلى جانب استكمال الإجراءات التمهيدية لمشروع هنجر الصيانة الثقيلة الذي وصفته بالاستراتيجي.

وفي جانب الموارد البشرية، قالت الرسالة إن الشركة نفذت برامج تدريب وتأهيل للطيارين والمهندسين وأطقم الضيافة الجوية وموظفي الإدارات المختلفة، بهدف تطوير الكفاءات الوطنية ورفع جاهزية الكوادر العاملة وفق المعايير المعتمدة في صناعة الطيران.

كما أشارت إلى أن الخطوط الجوية اليمنية أعادت بناء أنظمتها الإدارية والمالية والتشغيلية في عدن بعد توقف منظومات سابقة، وتمكنت من تحويل المدينة إلى مركز رئيسي متكامل لإدارة أعمال الشركة التشغيلية والإدارية والمالية والفنية.

وقالت الرسالة إن الشركة عززت كذلك شراكاتها الدولية، وفي مقدمتها التعاون مع شركة Airbus، ووقعت اتفاقية لشراء طائرات جديدة ضمن خطط تحديث الأسطول وتوسيع قدراته التشغيلية.

وأكد الموظفون أن هذه الإنجازات تمثل جزءاً من أعمال ومشاريع أوسع نُفذت خلال السنوات الأربع الماضية، معتبرين أن نتائج بعض الخطط التطويرية تأثرت بالظروف الاستثنائية التي شهدها قطاع الطيران في اليمن والمنطقة.

وفي ختام الرسالة، عبّر موظفو الخطوط الجوية اليمنية عن تقديرهم للعاملين في الشركة داخل اليمن وخارجها، مشيدين بجهود قيادة الشركة في الحفاظ على استمرارية الناقل الوطني وتعزيز دوره في ربط اليمن بالعالم وتقديم خدمات النقل الجوي للمواطنين.

 

مقالات مشابهة

  • المملكة نموذج عالمي في التخطيط والتنظيم وإدارة الحشود
  • %34.3 نمو الأصول الأجنبية للبنوك الوطنية خلال عام
  • صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية يطلق الدورة 15 من مشروع تطوير الخدمة المدنية
  • حماس: اتهامنا برفض تسليم إدارة غزة أكاذيب
  • تعليم الإسكندرية يبحث آخر الاستعدادات لامتحانات الشهادة الإعدادية
  • هبوط حاد يضرب العملات الرقمية.. بيتكوين تقترب من 70 ألف دولار
  • في الذكرى ال5 للإدارة الحالية.. موظفو الخطوط الجوية اليمنية يستعرضون إنجازات الشركة وسط ظروف استثنائية
  • عاجل| مدير الأمن العام يوعز بعرض مباريات المنتخب الوطني في كأس العالم للنزلاء داخل مراكز الإصلاح والتأهيل
  • بديل رايكوفيتش.. الاتحاد يخطط لضم حارس النصر
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش