لجريدة عمان:
2026-06-02@22:42:52 GMT

إعادة تصميم المؤسسات لتغيير اقتصادي فاعل

تاريخ النشر: 13th, January 2026 GMT

ديان كويل -

يعترف علم الاقتصاد اليوم بأهمية المؤسسات في تحقيق النمو، كما يظهر من خلال الفائزين بجائزة نوبل في الاقتصاد خلال العامين الماضيين، ومع ذلك فإن المؤسسات التي تُشكّل منظومات الابتكار أصبحت شبه متحجرة في كثير من البلدان، ونادرًا ما يفكر صانعو السياسات في كيفية إصلاحها.

استخدم جويل موكير، الحائز على الجائزة عام 2025، مصادر تاريخية ليُبين أن المجتمعات تزدهر عندما تتيح للأفكار الجديدة أن تُترجم إلى تطبيقات عملية، وحدد فيليب أجيون وبيتر هاويت، وهما شريكاه في الجائزة، دور «التدمير الخلّاق»، والمؤسسات التي تمكّن الوافدين الجدد من إزاحة الشركات والتقنيات القائمة، بوصفه محركًا للنمو المستدام.

أما الحائزون على الجائزة لعام 2024، وهم دارون أسيموغلو وسايمون جونسون وجيمس أ. روبنسون، فيرون أن مفتاح الازدهار الاقتصادي يكمن في سيادة القانون والمؤسسات التمكينية، وقد اعترف علم الاقتصاد على نطاق واسع بهذه الحقائق، لا سيما في ظل قيام التقنيات الناشئة بتحويل هيكل الإنتاج. لكن ثمة انفصالًا غريبًا بين هذا الإجماع والنقاش الدائر حاليًا حول السياسات الاقتصادية والذي يتركز في الغالب على قضايا ضيقة مثل الاستثمار في البنية الأساسية للذكاء الاصطناعي والضرائب على الشركات.

وعندما تُطرح قضايا تصميم المؤسسات فإنها غالبًا ما تُحصر في هيئات محددة مثل البنوك المركزية، ونادرًا ما يفكر صانعو السياسات في نوع المناخ المؤسسي الذي يتيح الابتكار والتجريب. فضلًا عن ذلك، ولا توجد تعريفات أو مقاييس مؤسسية معيارية. وتميل الدراسات التي تغطي الاقتصاد ككل إلى الاعتماد على مقاييس غير مباشرة ينظر إليها كثير من الاقتصاديين بعين الشك، مثل استطلاعات «الثقة في المؤسسات» أو مؤشرات جودة المؤسسات. وبالمثل، فإن قياس الأصول غير الملموسة، مثل البحث والتطوير أو أصول البيانات، وهي عناصر أساسية للاقتصادات والشركات على حد سواء، لا يزال أقل تطورًا بكثير من غيره من الإحصاءات الاقتصادية.

إن تبني منظور أوسع يثير تساؤلات جديدة، مثل من هم المكافئون المعاصرون لأولئك الميكانيكيين الذين كانوا يعبثون بالتقنيات الجديدة، والذين اعتبرهم موكير فاعلين أساسيين في الابتكار خلال الثورة الصناعية؟، وما الذي يمنع الشركات القائمة الأقل إنتاجية من الخروج من السوق؟ وهو أمر وجد أجيون وهاويت أنه حاسم للحيوية الاقتصادية، وما هي النسخ المعاصرة من المؤسسات مثل الجامعات والنقابات، التي سهّلت، كما يوضح موكير وزملاؤه في كتاب «مساران إلى الازدهار: الثقافة والمؤسسات في أوروبا والصين 1000-2000»، تقدم أوروبا.

ومن السبل التي يمكن لصانعي السياسات من خلالها الإجابة عن هذه الأسئلة إعادة إعطاء أهمية أكبر لسياسات المنافسة، وهي أهمية أكّدتها «معجزات التنمية» في جنوب وشرق آسيا خلال النصف الثاني من القرن العشرين، فقد بنت تلك الاقتصادات قواعدها الصناعية بالاعتماد على المنافسة المحلية أو التصديرية لفرض الانضباط في صناعاتها الرائدة.

وعلى الرغم من تزايد الاعتراف داخل الأوساط الأكاديمية بأن قوانين مكافحة الاحتكار لم تطبق بالقدر الكافي في اقتصادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية منذ ثمانينيات القرن الماضي، فإن التغيير كان محدودًا، ويتطلب تطبيقا أكثر فاعلية وشجاعة سياسية لمواجهة الشركات القوية القائمة، وهي شجاعة تبدو نادرة. ففي الولايات المتحدة، توقفت زيادة التدقيق في قوانين مكافحة الاحتكار، التي قادتها لينا خان رئيسة لجنة التجارة الفيدرالية في عهد الرئيس السابق جو بايدن، عندما عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، أما الاتحاد الأوروبي فقد تردد في استخدام كامل قوة تنظيماته الرقمية بسبب تهديدات الإدارة الأمريكية في عهد ترامب بالتجارة، وبسبب المقاومة الشديدة من شركات التكنولوجيا الأمريكية. وفي المملكة المتحدة علقت آمال النمو على جذب الاستثمارات الوافدة من الشركات متعددة الجنسيات الكبرى إلى حد إضعاف هيئة المنافسة والأسواق البريطانية.

وفي جميع هذه الحالات لا يزال التركيز منصبًا على تفاصيل الإطار القائم على حساب التفكير الأوسع في البنية المؤسسية للاقتصاد، ففي كثير من البلدان أصبحت المؤسسات التي تُشكّل منظومات الابتكار، وتحدد سهولة تأسيس الشركات وحلّها، وتتيح التجريب في المنتجات والخدمات الجديدة، شبه متحجرة. وعلى سبيل المثال فإن فشل الشركات مكلف للغاية بالنسبة للعديد من الشركات الأوروبية، وتشير أبحاث جديدة إلى أن ارتفاع تكاليف إعادة الهيكلة يحد من البحث والتطوير، ويجعل الاستثمار في الشركات الناشئة في مجالي التكنولوجيا والتقنيات الحيوية غير مربح.

غير أن تطبيق إصلاحات «المرونة مع الأمان» التي تجمع بين مرونة سوق العمل والحماية الاجتماعية القوية ليس حلًا سحريًا. فمعدل نشوء الشركات الناشئة وازدهارها هو مسألة اقتصاد سياسي يعتمد على البيئة العامة للمكان الذي تعمل فيه بما في ذلك النظام البيئي للأعمال، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، والالتزام السياسي بالنمو.

ولحسن الحظ بدأت مناقشات أوسع نطاقًا في الظهور؛ فقد شكّل تقرير الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي ورئيس وزراء إيطاليا السابق ماريو دراغي حول مستقبل التنافسية الأوروبية محطة مهمة للاتحاد الأوروبي؛ إذ أقرّ بالحاجة إلى تجديد شامل للسياسات. ومع تعطل النظام متعدد الأطراف إلى حد كبير، وانطلاق التحول نحو الطاقة النظيفة، وتقدم الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة للغاية فإننا بحاجة إلى توسيع نافذة الأفكار السياسية إلى أقصى حد، وخلق مساحة لأفكار سياسات جديدة عبر مجالات متعددة. ومع تزايد شعور الناس في الاقتصادات المتقدمة بخيبة الأمل تجاه المؤسسة الاقتصادية فإن المؤسسات التي تقوم عليها ستتغير حتمًا. لكن كيفية هذا التغيير ستعتمد على ما سيفعله صانعو السياسات بعد ذلك.

ديان كويل أستاذة السياسة العامة في جامعة كامبريدج، ومؤلفة عدد من الكتب، كان أحدثها كتاب «قياس التقدم: احتساب ما يهم حقًا»، الصادر عن مطبعة جامعة برينستون عام 2025.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: المؤسسات التی ت

إقرأ أيضاً:

خلال اجتماع اقتصادية الشيوخ.. تساؤلات حاسمة للحكومة حول خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعام 2026/2027

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

أكد النائب أشرف عبد الغني، أمين سر اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ، أن مسودة خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2026/2027، والإطار العام للخطة متوسطة الأجل "2029/2030"، تأتي في توقيت بالغ الأهمية والدقة، في ظل تحولات جيوسياسية واقتصادية متلاحقة تفرض التزامًا تشريعيًا ورقابيًا مضاعفًا لحماية مقدرات الوطن وضمان استدامة مسيرته التنموية.

وأضاف عبد الغني، خلال اجتماع اللجنة الاقتصادية اليوم بمشاركة ممثلي الحكومة ورؤساء اللجان بالمجلس، أن هذه الوثيقة لا تمثل مجرد أرقام ومستهدفات كمية، بل هي خريطة طريق ترسم ملامح ومستقبل الاقتصاد المصري للسنوات القادمة، وتحدد التوجهات الاستراتيجية للدولة في قطاعات حيوية تمس الحياة اليومية للمواطن بشكل مباشر، بدءًا من ملفات التنمية البشرية والصحة، وصولًا إلى الأمن الغذائي، وتطوير البنية التحتية، وتمكين القطاع الخاص كشريك أصيل في قيادة النمو.

10 تحديات رئيسية

وأثار النائب أشرف عبد الغني عدة ملاحظات جوهرية تحتاج إلى استيضاح من الحكومة، مشيرًا إلى أنه على الرغم من تثمينه لتبني الخطة نهج "التخطيط المرن" وتوحيد المدى الزمني بين وزارتي التخطيط والمالية، وحصر 10 تحديات رئيسية واستحداث 14 إجراءً علاجيًا جديدًا، فإن الوثيقة لم تفصل ماهية هذه الإجراءات الـ14 بشكل يتيح للبرلمان مراقبتها بدقة.

مدى قدرة الحكومة على سد الفجوة الاستثمارية المطلوبة من القطاع الخاص

كما تطرق عبد الغني إلى مستهدفات النمو الطموحة التي وضعتها الحكومة (والتي تتراوح بين 5.2% و5.4% لعام 2026/2027، وصولًا إلى 6.8% بنهاية خطة 2029/2030)، معتبرًا إياها طموحة للغاية في ظل اعتراف الوثيقة الصريح بتراجع الطاقة التشغيلية للمصانع بسبب عدم كفاية مدخلات الطاقة التقليدية، واستمرار الاضطرابات الإقليمية، وتراجع عوائد قناة السويس، مطالبًا الحكومة بتقديم خطط بديلة وواضحة للتعامل مع هذه التحديات على أرض الواقع.

كما أثار علامة استفهام كبرى حول قدرة الحكومة على سد الفجوة الاستثمارية المطلوبة من القطاع الخاص، والتي تتطلب نموًا بنسبة 35% في عام واحد، متسائلًا: "ما هي الحوافز النقدية والمالية المحددة التي ستطلقها الحكومة لإقناع القطاع الخاص بضخ 2.2 تريليون جنيه في ظل مستويات الفائدة السائدة ومخاوف عدم اليقين؟".

وأكد أن هذا المستهدف الضخم يفرض بالضرورة بيئة تشريعية وإجرائية فائقة المرونة تتجاوز البيروقراطية الحالية.

وفي سياق متصل، حذر أمين سر اللجنة الاقتصادية من الصعود التدريجي المخطط لـ"صافي الضرائب غير المباشرة" عبر سنوات الخطة الكلية، لتقفز من تريليون و48 مليار جنيه متوقعة في 2025/2026 إلى تريليون و770 مليار جنيه بنهاية خطة 2029/2030.

وأوضح عبد الغني أن هذا الاعتماد المتزايد على الضرائب غير المباشرة (مثل ضريبة القيمة المضافة والرسوم) يمثل عبئًا تراجعيًا يمس القوة الشرائية للمواطن مباشرة، مطالبًا الحكومة بكشف الإجراءات الهيكلية لضمان ألا تؤدي هذه الزيادات إلى موجات تضخمية جديدة تقوض مستهدف الخطة في خفض التضخم إلى 9.3%.

كما تساءل عن خطة الوزارة لتوسيع القاعدة الضريبية عبر دمج الاقتصاد غير الرسمي بدلًا من زيادة الأعباء على الملتزمين حاليًا.

وانتقد النائب أشرف عبد الغني تحفظ مستهدفات الخطة بشأن خفض نسبة السكان تحت خط الفقر من 33% (عام 2021/2022) إلى 30% فقط بنهاية خطة عام 2029/2030.

واعتبر عبد الغني أن هذا المستهدف (خفض 3% فقط على مدار سنوات طويلة) يعد تحفظيًا للغاية، ولا يتناسب مع حجم الإنفاق الملياري الضخم على المشروعات القومية والتنموية، مما يشير إلى ضعف آليات "توجيه واستهداف" الدعم.

مشيرًا إلى وجود مفارقة في ملف الصرف الصحي بقرى "حياة كريمة"، فرغم أن محافظات الصعيد تستحوذ على 68% من مخصصات المرحلة الأولى، فإن هناك بطئًا في إنهاء محطات معالجة الصرف الصحي، حيث تم الانتهاء من 38 محطة فقط من أصل 166 محطة مستهدفة بنهاية ديسمبر 2025، وهو ما يؤخر شعور المواطن بالعائد البيئي والصحي.

وتساءل مستنكرًا: "كيف تفسر الحكومة هذا التراجع الطفيف والبطيء جدًا في مستهدفات خفض نسب الفقر الكلي، رغم الطفرة المليارية في الإنفاق على شبكات الأمان الاجتماعي؟ وما هي الأسباب الفنية لتعثر وتأخر تسليم محطات معالجة الصرف الصحي بقرى المرحلة الأولى من مبادرة حياة كريمة؟".

وفي المحور المتعلق بقطاع النقل، توقف عبد الغني أمام ضخامة الاستثمارات المخصصة لاستكمال الخط الأول للقطار الكهربائي السريع (العين السخنة/ العاصمة الإدارية/ العلمين) البالغة 79.2 مليار جنيه، مشيرًا إلى أن الوثيقة لم توضح هيكل القروض الخارجية المرتبطة بهذا المشروع وأثرها على الدين العام المقوم بالعملة الأجنبية.

وطالب الحكومة بتوضيح نسبة المكون المحلي الفعلي في أعمال تجديد الخطوط الحديدية وتوريد العربات، وتقديم خطة حوكمة واضحة لسداد هذه القروض، لضمان عدم تحميل الموازنة العامة أعباء إضافية.

مقالات مشابهة

  • وفرة في المنتجات الزراعية بسناو وسط حراك اقتصادي متزايد
  • برلماني: المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمتلك مقومات لتصبح مركزًا عالميًا لإدارة سلاسل الإمداد
  • منع الاحتفالات داخل الحرم الجامعي خلال مناقشات التخرج
  • رئيس الوزراء يتابع مع نائبه موقف خطة إعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية
  • مدبولي يوجه بصياغة جدول زمني متكامل لخطة إعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية
  • رئيس الوزراء يتابع مع نائبه خطة إعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية
  • «كونكت بي إس» تستعرض حلول الأمن السيبراني في «CAISEC 2026»
  • لماذا يتراجع الدولار في مصر؟.. خبير اقتصادي يكشف 7 عوامل تدعم قوة الجنيه
  • ونيس: نحتاج مشروعاً سياسياً يرفض إعادة إنتاج تجارب الماضي
  • خلال اجتماع اقتصادية الشيوخ.. تساؤلات حاسمة للحكومة حول خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعام 2026/2027