هل بلغ الدَّين العام نقطة التحول؟
تاريخ النشر: 13th, January 2026 GMT
جون بلندر / ترجمة - بدر بن خميس الظفري -
هل أصبح الدَّين العام في الدول المتقدمة خارج نطاق السيطرة عمليًّا؟ هذا السؤال وجيه، ولا ينطوي على مبالغة؛ فالأرقام الحديثة للدَّيْن تُظهر بوضوح مدى ابتعادنا عن النموذج التقليدي للمالية العامة، الذي كان يقوم على تراكم الديون زمن الحروب ثم سدادها في فترات السلم.
لنبدأ بالولايات المتحدة؛ فقد انخفضت نسبة الدَّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في أكبر اقتصاد في العالم من 106 في المائة عام 1946 إلى 21.
وفي أوروبا، يتوقع صندوق النقد الدولي تضاعف متوسط الدين العام للدول خلال الـ15 عامًا المقبلة في حال غياب تغييرات في السياسات، الأمر الذي سيقود إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض، وتباطؤ النمو، وزيادة الهشاشة المالية. وجميع هذه الاتجاهات تعني تحميل الأجيال القادمة عبئًا لا يُحتمل.
توجد، بطبيعة الحال، وسائل تقليدية لخفض نسبة الدَّين إلى الناتج المحلي. تحقيق فائض أولي في الموازنة قبل احتساب فوائد الدين يظل أداة أساسية. كما يسهم النمو الاقتصادي في زيادة الإيرادات الضريبية وتقليص الإنفاق الدوري. والحفاظ على أسعار فائدة حقيقية أدنى من معدل النمو يُعد آلية قوية لتقليص الدين. كذلك تقوم عدة ظواهر مثل الخفض غير المعلن للدين عبر التضخم، إلى جانب القمع المالي الذي تُجبِر فيه الحكومات المستثمرين على شراء سنداتها بأسعار أدنى من السوق، بدور مؤثر.
تجربة المملكة المتحدة بعد الحرب تقدم مثالًا دالًّا على تفاعل هذه العوامل. فقد تراجعت نسبة الدَّين إلى الناتج المحلي من أكثر من 250 في المائة عام 1946 إلى نحو 42 في المائة بعد ثلاثة عقود. وفي دراسة محورية، يبيّن باري آيخنغرين وروي إستيفيس أن بريطانيا حققت خلال معظم فترة ضبط الدين بين 1946 و1955 فوائض أولية كبيرة ومتواصلة، رغم التوسع الواسع لدولة الرفاه في ظل حكومة حزب العمال. غير أن العامل الأكبر في خفض الدين كان التضخم، الذي أسهم بأكثر من 80 في المائة من عملية تقليص الدين خلال تلك الفترة. وبعد عام 1955، تولّى الانضباط المالي والنمو الاقتصادي الدور الأبرز، وهو أمر لافت بالنظر إلى سجل بريطانيا الاقتصادي آنذاك، إذ تراجع أثر تضخم أسعار المستهلكين، الذي بلغ ذروته عند 24 في المائة عام 1975، بسبب الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة.
سياسات خفض الدين بهذا الحجم اتسمت بصراع توزيعي حول الدخل، يدور على سؤال من يتحمّل الكلفة: أصحاب الريع، أو العمال، أو رواد الأعمال عبر ضرائب مرتفعة. غير أن الواقع أكثر تعقيدا، إذ تتداخل هذه الفئات، خاصة أن فئة أصحاب الريع اليوم تضم ملايين المنتسبين إلى أنظمة التقاعد.
هذا الصراع يتفاقم في الوقت الراهن بفعل ضغوط متزايدة لتوسيع الإنفاق العام لمواجهة شيخوخة السكان، وما يترتب عليها من تكاليف مرتفعة للمعاشات والرعاية الصحية وغيرها. ويُضاف إلى ذلك عبء التوترات الجيوسياسية وتكاليف التكيف مع تغيّر المناخ.
هل يمكن أن ينقذنا تسارع النمو الناجم عن قفزة إنتاجية تقودها تقنيات الذكاء الاصطناعي؟ في دراسة حديثة لمعهد أبحاث دويتشه بنك، يأخذ ماثيو لوزيتي وزملاؤه متوسط تقديرات عدد من كبار الاقتصاديين، ويخلصون إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع الإنتاجية بنحو 0.5 إلى 0.7 في المائة سنويا. غير أنهم يرون أن هذا الأثر سيؤدي على الأرجح إلى إبطاء الارتفاع التدريجي للدَّين أكثر مما يقود إلى انعكاس حاد في مساره، وبالتالي لا يمثل حلا سحريا.
في عالم بات فيه النمو معتمدا على الدَّين بصورة متزايدة، تولّد الاستقطابات السياسية والشعبوية مطالب متعارضة بمزيد من الإنفاق وأقل من الضرائب. في الوقت نفسه، أسهمت البنوك المركزية في تعقيد المشهد عبر ميلها إلى توفير شبكات أمان للأسواق عند الهبوط، مع عجزها عن كبح موجات التفاؤل المفرط. كما أن التزامها باستهداف التضخم جعل من الصعب استخدام التضخم لتخفيف عبء الدين؛ لأن أثره لا يتحقق إلا إذا جاء غير متوقع، وإلا فإن ارتفاع أسعار الفائدة يعادله ويُفرغه من مضمونه. وبذلك يصبح هذا المسار معتمدا على أخطاء جسيمة من البنوك المركزية، أو على تمويل مباشر للدين العام بقرار سياسي.
أما القمع المالي، فيواجه بدوره صعوبات في عالم مالي أكثر تطورا؛ حيث تبدو ضوابط الصرف اللازمة لدعمه قابلة للاختراق على الأرجح. وعليه، يتضح أن الانضباط القاسي الذي تفرضه أسواق السندات، أكثر من الإرادة السياسية، هو العامل الحاسم في ضبط الدين. وهذا المسار يشير، مع مرور الوقت، إلى أزمات مالية واضطرابات سياسية.
يرى الاقتصادي السويدي أندرس أوسلوند أن الوضع الراهن يستحضر أجواء عام 1929. وحتى لو بدا هذا التوصيف متشددا، يصعب تجاهل الخلاصة الأساسية، وهي أن نهاية هذا المسار لا تبدو مبشرة.
جون بلندر كاتب وصحفي اقتصادي بريطاني بارز، يعمل كاتبًا ومحللًا في صحيفة فايننشال تايمز. اشتهر بكتاباته المتخصصة في الشؤون المالية والاقتصادية العالمية، ولا سيما قضايا الدَّين العام، والأسواق المالية، والسياسات النقدية، والاستقرار المالي.
الترجمة عن صحيفة فايننشال تايمز
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: فی المائة ین العام نسبة الد
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود