سمية الغنوشي: القانون الدولي مات في غزة.. فلماذا ينعى العالم موته في غرينلاند؟
تاريخ النشر: 14th, January 2026 GMT
نشر موقع "ميدل إيست آي" البريطاني مقالاً للباحثة والأكاديمية التونسية سمية الغنوشي، سلطت فيه الضوء على الانهيار المتسارع لمنظومة القانون الدولي، مع تطورات الأحداث الأخيرة في فنزويلا، وتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بغزو غرينلاند.
وقالت الغنوشي إن ما يجري ليس سوى نتيجة طبيعية لـ"موت القانون" الذي بدأ في قطاع غزة، حيث جرى استباحة دماء المدنيين وتدمير المؤسسات الحقوقية أمام مرأى ومسمع من القوى الغربية التي اختارت الصمت، مما حوّل غزة إلى "مقبرة" للمبادئ التي تأسس عليها النظام العالمي منذ عقود، بحسب وصفها.
وتاليا الترجمة الكاملة للمقال:
لأشهرٍ عديدة، حذّر الكثيرون من أن الهجوم الإسرائيلي على غزة، والذي لم يلتزم بضوابط، لم يكن مجرد جريمة بحق الفلسطينيين، بل ضربة قاتلة لفكرة القانون الدولي ذاتها.
فما كان على المحك لم يكن فقط حجم العنف الإسرائيلي، بل ما إذا كانت القواعد ما تزال سارية أصلًا، وما إذا كانت السلطة ستظل مقيّدة بالقانون، أم أن القانون سيفسح المجال أمام القوة الغاشمة.
وقد جرى آنذاك تجاهل تلك التحذيرات باعتبارها مبالغات، لكنها لم تكن كذلك.
وقلّة من عبّروا عن خطورة الموقف بوضوح مثل رئيس كولومبيا، غوستافو بيترو، الذي حذّر من أن الخيار المطروح أمام العالم “صارم وقاسٍ”: إمّا الدفاع عن المبادئ القانونية المصمّمة لمنع الحرب، أو مشاهدة النظام الدولي وهو ينهار تحت وطأة سياسات القوة المنفلتة.
وشدّد بيترو على أن القانون الدولي، بالنسبة لمليارات البشر في الجنوب العالمي، ليس مجرّد تجريد نظري، بل هو درع؛ فإذا أُزيل فلن يبقى سوى المفترسين.
وكان الرئيس الكولومبي محقًّا، لقد كانت غزة هي البداية؛ ولم تكن انحرافًا بسيطًا أو زلة، بل اللحظة التي تخلّت فيها عقيدة طال أمدها أخيرًا عن كل قيودها.
ما جرى هناك لم يكن فقط قتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، بل قتل القانون ذاته، ومعه قيمة الحياة الإنسانية.
وعلى مدى أكثر من عامين، تم تجريد القانون الدولي من معناه، ودُهس بالأقدام إلى جانب جثث الأطفال والأطباء والصحفيين والمرضى الذين قُصفوا في منازلهم ومستشفياتهم.
وأصبحت الحياة الإنسانية مجرّد إزعاج، والشرعية عقبة، والأخلاق عبئًا.
تمكين الفظائع
لم يحدث ذلك في الخفاء، بل أمام أنظار العالم؛ فألمانيا سلّحته، وبررته بريطانيا، وترددت فرنسا، وقدمت دول أخرى الصمت في ثوب “التعقيد”. أما المؤسسات التي يُفترض أن تمنع مثل هذه الجرائم فقد وقفت مكتوفي الأيدي أو ساهمت في تمكينها.
وأقنع العالم نفسه بأن انهيار القانون وتدهور قيمة الحياة الإنسانية يمكن احتواؤهما، وأنه يمكن التعامل مع غزة كاستثناء دون عواقب، لكن ذلك لم يكن ممكنًا.
وثمة ما يبعث على الاشمئزاز في مشاهدة ألمانيا وأوروبا وهما تعيدان اكتشاف القانون الدولي فجأة عندما يتحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن ضمّ غرينلاند. فالحكومات نفسها التي أمضت شهورًا في تمزيق الأعراف القانونية، وتزويد الأسلحة، وتحييد المساءلة بينما كانت غزة تُسحق، باتت الآن تتحدث بجدية عن السيادة والنظام ومخاطر القوة غير المقيّدة.
وبعد أن استخدمت أوروبا الإبادة الجماعية كسلاح، وبعد أن شاهدت المستشفيات تُقصف والأطفال يُدفنون دون عواقب، ها هي اليوم تتظاهر بالهلع من احتمال تجاهل الحدود، ما دامت تلك الحدود أوروبية.
وهذا ليس دفاعًا عن القانون الدولي، بل حنين إلى نسخة منه كانت تحميهم. فالقواعد كانت قابلة للتجاوز حين سُحق الفلسطينيون تحتها؛ لكنها عادت لتصبح مقدّسة عندما بدا أن غرينلاند، أو أوروبا نفسها، معرّضة للخطر.
لقد شكّلت غزة اللحظة التي توقفت فيها القوة المدعومة أمريكيًا حتى عن التظاهر بالالتزام بالمعايير الدولية، وبدأت تعمل علنًا كهيمنة مفروضة بالقوة. وما إن يُطبَّق القانون بشكل انتقائي حتى يفقد وظيفته كقانون، بل يصبح إذنًا، ولم يكن سوى مسألة وقت قبل أن يُمارَس ذلك الإذن في مكان آخر.
وما يجري اليوم في فنزويلا ليس تصعيدًا، بل تنفيذًا؛ حيث إن خطف رئيس دولة وقصف عاصمة سيادية هما إعلانان، فهما يعلنان عن مرحلة جديدة في السياسة العالمية، منزوعٌ منها القيد والحياء وحتى التظاهر بالشرعية.
تدخّل بلا خجل
لقد تدخلت الولايات المتحدة بعنف في أمريكا اللاتينية والجنوب العالمي لأكثر من قرن، عبر الانقلابات والغزوات والعقوبات والحروب بالوكالة والاغتيالات، وما يميّز حقبة ترامب ليس وتيرة التدخل، بل شكله.
لم يعد التدخل مموّهًا بالعبارات الملطّفة أو مرشحًا عبر المؤسسات، بل أصبح معلنًا وشخصيًا ومسرحيًا وبدون خجل.
وفي حين أن الإدارات السابقة كانت تغلّف التدمير بلغة الديمقراطية أو الإنسانية، فإن ترامب يتخلّى عن القناع تمامًا؛ فالسيطرة لديه ليست مبررة، بل تُفرَض فرضًا.
وهذا هو التعبير العملي عن استدعاء ترامب المشوَّه والمحرَّف لمبدأ مونرو. فما كان يُقدَّم، ولو على نحو زائف، باعتباره مقاومة للاستعمار الأوروبي، انقلب إلى ترخيص للهيمنة الأمريكية.
وتحت ما أطلق عليه النقّاد وصفًا بليغًا هو “مبدأ دونرو”، بات المبدأ اليوم يدلّ على شيء أكثر فجاجة: الحق المزعوم في التدخل العنيف، والاستيلاء على الموارد، والسيطرة على الممرات الإستراتيجية، وإقصاء الخصوم بالقوة.
فنزويلا ليست المقصد من هذه العقيدة، بل تجسيدها، وقد أوضح ترامب أنه الأمر لن يتوقف عند هذا الحد، حيث قام بالتلميح بالفعل إلى كوبا والمكسيك كأهداف محتملة تالية.
ولا يتجلّى ذلك أوضح مما هو في الخطة المفروضة على كاراكاس. وبموجب هذه الخطة، ستسيطر الولايات المتحدة على مبيعات النفط الفنزويلي “إلى أجل غير مسمّى”، وستدير العائدات عبر حسابات خاضعة لسيطرتها، وتستخدمها كورقة ضغط لفرض مستقبل البلاد السياسي والاقتصادي.
ولن تكون فنزويلا حتى حرّة في التجارة وفق ما تختار، بل ستُجبر على شراء السلع الأمريكية حصريًا، بغضّ النظر عن التكلفة أو توافر البدائل في أماكن أخرى. هذا ليس دعمًا، بل هو مصادرة.
ولم يظهر ذلك في فراغ؛ فقد خضعت فنزويلا للعقوبات الأمريكية منذ عام 2005، وتفاقمت بشكل كبير في عام 2017 خلال الولاية الأولى لترامب، لتتصاعد في نهاية المطاف إلى ما يشبه الحصار.
وكانت النتيجة دمارًا اقتصاديًا وتشريد ما يقارب 8 ملايين شخص من بلد يمتلك أكبر احتياطات نفطية مثبتة في العالم. ولم يكن هذا الانهيار عرضيًا؛ بل صُمّم عمدًا. والخطة الحالية ليست خروجًا عن تلك الاستراتيجية، بل تتويجًا لها.
مقبرة القانون الدولي
يصعب تجاهل أوجه الشبه مع العراق؛ فهناك أيضًا تم استخدام العقوبات كسلاح، وأُعيد تصنيف الكارثة الإنسانية كسياسة. وكان برنامج النفط مقابل الغذاء – الذي تديره الأمم المتحدة – بحد ذاته استجابة لعقوبات كانت قد أودت بالفعل بحياة أكثر من نصف مليون طفل بسبب سوء التغذية والمرض.
وبالمقارنة، فإن الخطة المفروضة الآن على فنزويلا أكثر تطرفًا: بلا رقابة أممية، بلا إطار متعدد الأطراف، بلا حرية في التجارة؛ حيث ستسيطر الولايات المتحدة وحدها على النفط، والإيرادات، وشروط البقاء.
وتمتد الجذور التاريخية أعمق من ذلك. فما يُفرض على فنزويلا يعكس ممارسات استعمارية قديمة، مثل التدمير المنهجي الذي قامت به بريطانيا لصناعة النسيج في الهند، أو حروب الأفيون التي حوّلت الصين إلى سوق أسير تحت تهديد السلاح.
وحتى إمبراطوريات القرن التاسع عشر كانت تُغلّف الغزو بلغة الحضارة والتقدّم، أما ترامب فلا يسعى إلى مثل هذه الشرعية. فالهيمنة تُبرَّر بالقوة وحدها.
ويُعلّمنا التاريخ أيضًا أن العنف الإمبريالي في الخارج يعود حتمًا إلى الداخل. فحادثة إطلاق النار على رينيه نيكول غود على يد ضابط من وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية، تلتها حرمانها من المساعدة الطبية، بدّدت أي وهم بأن هذا النظام يستهدف الشعوب البعيدة فقط.
أما أوجه الشبه مع الممارسات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية وغزة فهي جلية: استخدام القوة خارج القانون، والإفلات التام من العقاب، وتوظيف الرعب لفرض الطاعة. إذ تتشارك القوات الأمنية الأمريكية والإسرائيلية تقنيات المراقبة، وبرامج التدريب، وإستراتيجيات القمع التي باتت تطمس تدريجيًا الحدود بين الاحتلال والإنفاذ الداخلي.
وما جرى اختباره على الفلسطينيين يجري الآن تطبيعه في أماكن أخرى، فلقد أصبحت غزة مقبرة القانون الدولي، ليس لأنه كان هشًّا، بل لأنه دُفن: بشكل منهجي وعلني، وبدون عواقب.
لقد جرى تفكيك القانون الدولي قطعة قطعة، وجسدًا بعد جسد. أما الذين يندبون اليوم زواله فهم أنفسهم من هندسوا تدميره، كفرانكشتاين الذي يرتعب من الوحش الذي صنعه قطعةً قطعة؛ هذه هي حقبة البلطجة العلنية.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية سياسة دولية الغنوشي ترامب الفلسطينيين فلسطين الغنوشي ترامب المزيد في سياسة سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة القانون الدولی لم یکن
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.