الأسبوع:
2026-06-02@18:23:06 GMT

لماذا تخلت أمريكا عن الجماعة؟

تاريخ النشر: 14th, January 2026 GMT

لماذا تخلت أمريكا عن الجماعة؟

لم تكن الفوضى في الشرق الأوسط وليدة لحظة غضب عابرة، بل نتاج تخطيط طويل المدى، صاغته قوى استعمارية قديمة ثم أعادت القوى الكبرى الحديثة إنتاجه بصياغات جديدة، باعتباره الوسيلة الأقل كلفة لإدارة المنطقة دون احتلال مباشر. لم تُنشأ بعض التنظيمات لتبني دولًا، بل لتفكيكها من الداخل، ولم تُدعَم لتستقر، بل لتُبقي المجتمعات في حالة سيولة دائمة.

هنا يبرز تنظيم الإخـوان بوصفه أحد أخطر الأدوات الوظيفية، ليس بسبب شعاراته، بل بسبب الدور السياسي الذي أُعدّ ليؤديه داخل بنية الدولة الوطنية.

تاريخ النشأة لا يمكن فصله عن السياق الاستعماري البريطاني في مطلع القرن العشرين. فبعد الحرب العالمية الأولى وتصاعد الحركات الوطنية، أدركت بريطانيا أن السيطرة العسكرية لم تعد كافية، وأن إدارة المجتمعات تحتاج إلى أدوات ثقافية ودينية واجتماعية تُعيد توجيه الوعي بعيدًا عن فكرة الدولة الجامعة. تزامن ذلك مع وعد بلفور عام 1917، الذي دشّن مرحلة إعادة هندسة المنطقة، وفتح الباب أمام استخدام تنظيمات أيديولوجية كأدوات ضبط اجتماعي طويلة الأمد، تعمل من داخل المجتمعات لا من فوقها.

في هذا المناخ، جرى تشجيع ظهور تنظيمات تُقدَّم كحركات إصلاح أخلاقي، بينما تُدار سياسيًا بما يخدم إضعاف الدولة المركزية. ومع انتقال التنظيم إلى مصر، لم يكن تمدده نتيجة قبول شعبي بريء فقط، بل ثمرة فراغ اجتماعي وفشل إداري في الوصول إلى القاعدة، واستثمار منظم في العمل الخيري والخدماتي، سمح ببناء ولاءات بديلة وتحويل الفكرة من خطاب دعوي إلى شبكة تنظيمية عابرة للطبقات.

بحلول الأربعينيات، تحوّل التنظيم إلى شبكة إقليمية، وهو ما رصدته تقارير بريطانية اعتبرته أداة قابلة للتوظيف في مواجهة المدّ القومي العربي. هذا التحول تزامن مع عام 1948، عام الاعتراف بدولة إسرائيل، حيث دخلت المنطقة مرحلة صراع جديدة لم يعد الهدف فيها مواجهة الجيوش فقط، بل منع تشكّل دول عربية قوية قادرة على امتلاك قرارها السيادي. في هذا الإطار، أدت التنظيمات العابرة للحدود دورًا وظيفيًا في إبقاء المجتمعات منقسمة ومشغولة بصراعات داخلية.

بعد الحرب العالمية الثانية، انتقلت رعاية هذا الدور من لندن إلى واشنطن. وفي إطار الحرب الباردة، رأت الولايات المتحدة في التنظيمات الأيديولوجية المنظمة أداة مناسبة لمواجهة التيارات القومية واليسارية، وهو ما تؤكده وثائق وتقارير مراكز أبحاث غربية. لم يكن ذلك تحالفًا قائمًا على القيم، بل استخدامًا مرحليًا تحكمه المصالح.

في الداخل المصري، ارتُكب خلال عهد مبارك خطأ استراتيجي بالغ، تمثّل في ترك القاع الاجتماعي بلا إدارة سياسية حقيقية. فبينما انشغلت الدولة بالسطح السياسي، كان التنظيم يتغلغل في النقابات، ويبني اقتصادًا موازيًا، ويقدّم نفسه بوصفه بديلًا للخدمات العامة، حتى تحوّل تدريجيًا إلى دولة داخل الدولة. لم يكن الخطر في وجود التنظيم، بل في تركه يتمدد دون تفكيك فكري أو اجتماعي، والاكتفاء بالمواجهة الأمنية وحدها.

مع أحداث يناير 2011، لم يكن التنظيم صانع الاحتجاج، لكنه كان الأكثر استعدادًا لاستثمار الفوضى. وثّقت تقارير بحثية غربية اتصالات جرت قبل وبعد يناير بين قيادات التنظيم وإدارات أمريكية، ضمن ترتيبات ما بعد سقوط الأنظمة. حصل التنظيم على شرعية خارجية سريعة مقابل التزامات سياسية وأمنية خطيرة، من بينها ملفات تتعلق بسيناء، وهي أمور أشار إليها الرئيس الفلسطيني محمود عباس في تصريحات موثقة. دعم واشنطن لوصول التنظيم إلى الحكم لم يكن تعبيرًا عن إيمان ديمقراطي، بل رهانًا على قدرته على الضبط الاجتماعي. وحين فشل في إدارة الدولة، واصطدم بالمجتمع والمؤسسات، وتحول إلى عامل اضطراب، سقط الرهان، وانكشفت محدودية الأداة. وفي الوقت ذاته، خرجت من رحم الخطاب ذاته معظم الحركات الإرهابية التي ضربت المنطقة، سواء بالانشقاق أو التطور العنيف، لتُستخدم في تفكيك دول كاملة ضمن مشروع فوضوي يخدم مصالح السلاح والطاقة.

ومع تفكيك أدوات جماعة الإخـوان ومشتقاتها الوظيفية، لا يمكن فصل المشهد عن بقية الأدوات الإقليمية التي شكّلت أضلاع المخطط ذاته، وفي مقدمتها نظام الملالي في إيران، الذي أسس شبكة ميليشياوية وتصدير صراعات طائفية لإبقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم. كذلك، يظل نظام أردوغان الحاكم في تركيا الأداء الأهم، الذي حاول إعادة تدوير الإخـوان كأداة إقليمية، مستندًا إلى طموحات الإمبراطورية العثمانية الجديدة والبراغماتية الغربية.

اليوم، بات واضحًا أن دور كل هذه الأدوات قد انتهى، وأن القضاء عليهم أصبح حتميًا، سواء على مستوى الإخـوان ومشتقاتهم، أو إيران وأدواتها، أو إعادة توظيف أردوغان في المشهد الإقليمي. هذه اللحظة التاريخية تمثل فرصة نادرة لإعادة ضبط المنطقة، وإغلاق كل الأبواب التي سمحت بإنتاج هذه الأدوات منذ البداية.

ولا يكتمل تفكيك أي تنظيم من هذا النوع دون تفكيك الحاضنة الفكرية التي سمحت له بالبقاء. فالمواجهة الحقيقية تبدأ من مناهج التعليم، حيث تسللت عبر سنوات أفكار مغلّفة بالأخلاق والدين، لكنها تُقدّم الجماعة على الوطن، والتنظيم على الدولة. المطلوب مراجعة شاملة للمناهج، تُنقّي السطور من أي مضمون يُخاصم الدولة الوطنية، وتربط التعليم بالهوية والحضارة المصرية، من مصر القديمة إلى الدولة الحديثة، بوصفها إطار الانتماء الأعلى. ويتوازى مع ذلك بناء منظومة إعلام عصرية قادرة على خوض معركة الوعي بلغة العصر، لا بالوعظ التقليدي، بل بالسرد الذكي والتحليل الرصين، وإعادة الاعتبار لفكرة الدولة دون صخب.

واليوم، مع اتجاه الولايات المتحدة إلى تصنيف التنظيم كجماعة إرهابية، لا ينبغي قراءة القرار أخلاقيًا، بل بوصفه إعلانًا بانتهاء الصلاحية الوظيفية. غير أن الأهم بالنسبة لمصر هو إدراك أن هذه القرارات مؤقتة، خاضعة لتبدل الإدارات وتغير المصالح. من هنا، تصبح اللحظة الراهنة فرصة سياسية نادرة يجب استغلالها بأقصى سرعة، ليس فقط لتجفيف منابع التنظيم، بل للقضاء عليه وجوديًا وثقافيًا داخل المجتمع، عبر تفكيك خطابه، وإنهاء حضوره العام، ومنع إعادة تدويره تحت أي غطاء. فالحسم الحقيقي لا يصنعه قرار خارجي، بل مناعة داخلية تُغلق الدائرة التي ظلّت تُفتح في كل جيل، وتقطع الطريق على أي أدوات محلية أو إقليمية كانت تُستغل ضمن مشروع الفوضى الخلّاقة.

اقرأ أيضاًعاجل.. مصدر أمني يكشف حقيقة وفاة أحد قادة «الإخوان» في محبسه

إرهاب الإخوان.. ملاحظات ما بعد «القرار الأمريكي»

فرنسا تستدعي السفير الإيراني وتدين قمع المتظاهرين في إيران

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: الحرب العالمية الأولى الشرق الأوسط تنظيم الإخوان جمال رشدي ل التنظیم لم یکن

إقرأ أيضاً:

تحالفات متشابكة وخلافات سياسية.. لماذا تعثرت مفاوضات الكابينة العاشرة لكوردستان؟

تحالفات متشابكة وخلافات سياسية.. لماذا تعثرت مفاوضات الكابينة العاشرة لكوردستان؟

مقالات مشابهة

  • هيئة البث الإسرائيلية: الولايات المتحدة تعتزم تدريب الجيش اللبناني حتى يتمكن من تفكيك سلاح حزب الله
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • تحالفات متشابكة وخلافات سياسية.. لماذا تعثرت مفاوضات الكابينة العاشرة لكوردستان؟
  • خالد الجندي: عصر “التزييف الرقمي” يفرض علينا حسن الظن وسوء الظن يهدم المجتمعات
  • خالد الجندي: عصر التزييف الرقمي يفرض علينا حسن الظن.. وسوء الظن يهدم المجتمعات
  • برلماني: حملات التشكيك في قيم الانتماء والتضحية جزء من حروب نفسية تستهدف تفكيك الوعي الوطني وإضعاف الدول
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • خلية المطرية.. استكمال محاكمة 7 متهمين بتهم الإرهاب وتمويل الجماعات المتطرفة
  • جدل في الهند بعد إزالة تمثال ميسي العملاق.. قرار أمني يثير تساؤلات حول التنظيم والسلامة