سواليف:
2026-07-23@21:58:59 GMT

يوم الفوز الحقيقي

تاريخ النشر: 15th, January 2026 GMT

يوم #الفوز_الحقيقي – #ماجد_دودين

 من فرحة الفوز بلعبة إلى فرحة الفوز في الآخرة

لقد شهدنا ليلة أمس ذلك الفرح العارم الذي اجتاح الملايين في المغرب والوطن العربي والعالم بفوز المغرب على نيجيريا في لعبة كرة القدم، كما تحمّل الملايين السهر حتى وقت متأخر، ورقص كثيرون حتى الفجر، وامتلأت القلوب ابتهاجًا وفرحا وسرورا وحبورا بانتصار في لعبة.

وهذا المشهد يذكرنا بسؤال دقيق وعميق:

كم سيكون فرحنا يوم القيامة إذا أكرمنا الله بالفوز الحقيقي والدائم؟

مقالات ذات صلة عمان تحت اختبار القرار الأمريكي: هل تعيد تصنيفات “الإخوان” رسم المشهد السياسي الأردني؟ 2026/01/14

المواقف الثلاثة المصيرية

كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم حريصًا على أمَّتِه، شفيقًا بهم رؤوفًا رحيمًا، ومِن مَظاهرِ هذا الحِرصِ وهذه الرَّحمةِ أنَّه يشفَعُ لهم يومَ القيامةِ، ويسأَلُ اللهَ لهم الخيرَ في هذا اليومِ العصيبِ، ومن ذلك ما يُخبرُ به أنسٌ رَضِي اللهُ عَنه في هذا الحَديثِ، فيقولُ: سألتُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ أن يشفعَ لي يومَ القيامةِ فقالَ أنا فاعِلٌ قلتُ يا رسولَ اللَّهِ فأينَ أطلبُكَ قالَ اطلُبني أوَّلَ ما تطلُبُني على الصِّراطِ. قالَ قلتُ فإن لم ألقَكَ على الصِّراطِ قالَ فاطلُبني عندَ الميزانِ. قلتُ فإن لم ألقَكَ عندَ الميزانِ قالَ فاطلُبني عندَ الحوضِ فإنِّي لا أخطئُ هذِهِ الثَّلاثَ المواطنَ – الراوي: أنس بن مالك | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح الترمذي – الصفحة الرقم: 2433 | خلاصة حكم المحدث: صحيح – التخريج: أخرجه الترمذي (2433) واللفظ له، وأحمد (12848)

وعن عائشة رضي الله عنها أنها ذَكَرَتِ النار، فبَكَت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يبكيكِ»؟ قالت: ذكرتُ النار فبكَيتُ، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما في ثلاثة مواطن، فلا يذكر أحدٌ أحدًا: عند الميزان حتى يعلم أيخِفُّ ميزانه أو يثقُل، وعند الكتاب حين يُقال: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} [الحاقة: 19]، حتى يعلم أين يقع كتابه؛ أفي يمينه، أم في شماله، أم من وراء ظهره، وعند الصراط إذا وُضِع بين ظَهْرَي جهنم))؛ (رواه أبو داود، وأحمد). 
١. عند الميزان: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}

هنا يُوزن كل عمل صالح وسيء بدقة لا تخفى فيها ذرة. الفوز الحقيقي هو أن ترجح كفة الحسنات، فينادي المنادي: “يا أهل السعادة، أبشروا”. تخيل الفرح عند رؤية الصدقة التي نسيتها، والدعوة التي لم تلتفت لها، والدموع التي سالت خوفًا من الله، كلها في كفة الحسنات.

٢. عند تطاير الصحف: {فَأَمَّا مَن أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}

الصحف تُعطى: باليمين للفائزين، وبالشمال للخاسرين، ومن وراء الظهر للمجرمين. يقول تعالى: { وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۜ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) سورة الحاقّة. الفوز العظيم هو استلام الكتاب باليمين مع البشارة: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ (18) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)}. سورة الحاقة ما أعظم فرحة من يقرأ سجله وقد غفر الله سيئاته وحولها إلى حسنات!

٣. على الصراط: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا}

الصراط فوق جهنم، أحد من السيف وأدق من الشعرة. ويكونُ هناك تَفاضُلٌ في المرورِ عليه يومَ القيامةِ؛ فالمؤمِنون يَنْجُون مِن السُّقوطِ في جَهنَّمَ، ومِن النَّاسِ مَن يُطرَحُ ويسقُطُ في النَّارِ، فإذا عُوقبوا على ذُنوبِهم أُخرِجوا منها إلى الجنَّةِ، ما لم يَكونوا كافِرينَ، والنَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أوَّلُ مَن يَجتازُ الصِّراطَ بأمَّتِه، وكلامُ الأنبياءِ يومَئذٍ: اللَّهمَّ سلِّمْ سلِّمْ. النجاة تكون بنور الإيمان: فمنهم من يجري، ومنهم من يمشي، ومنهم من يزحف، والناجون هم أهل التقوى الذين قال الله عنهم: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا }. الفرح الحقيقي هو الوصول إلى الجنة بعد عبور هذا الامتحان المهول.

المقارنة بين الفرحتيْن

فرحة الفوز بالمباراة فرحة مؤقتة وزائلة ويشترك فيها المؤمن والكافر وقد يعقبها خسارة في مباراة قادمة وهي فرحة اللحظة الآنيّة ثم تُنسى مع هموم الحياة والمشي في مناكبها.

أما فرحة الآخرة فهي دائمة وأبدية وللمتقين فقط ولا خسارة بعدها أبدًا وهي فرحة الأبد وتزداد مع مرور الأزمان في النعيم المقيم في دار الخلد والمقامة.

بعض الأدلة على سبيل المثال لا الحصر على عظمة الفوز الأخروي:

قال تعالى: {فَرَحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران:170] وقال صلى الله عليه وسلم: إنَّ أرواحَ الشُّهداءِ في طَيرٍ خُضرٍ تَعلقُ من ثمرِ الجنَّةِ، أو شَجرِ الجنَّةِ) الراوي: كعب بن مالك | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح الترمذي – الصفحة أو الرقم: 1641 | خلاصة حكم المحدث: صحيح

التخريج: أخرجه الترمذي (1641) واللفظ له، وأحمد (27166)، والبغوي في ((معجم الصحابة)) (2009) باختلاف يسير.

للشُّهداءِ مَكانةٌ عظيمةٌ عِندَ اللهِ سبحانه وتعالى، ويُكرَّمون بدءًا مِن سَيلانِ أوَّلِ قطرةٍ مِن دِمائِهم، ثمَّ دَفْنِ أجسادِهم وصعودِ أرواحِهم ودخولِهم الجنَّةَ، وفي هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم عن أرواحِهم: “إنَّ أرواحَ الشُّهَداءِ في طَيرٍ خُضْرٍ”، أي: في طيرٍ مِن طيورِ الجنَّةِ لَونُها أخضَرُ، قيل: تُحفَظُ تلك الأرواحُ في حَواصِلِ تلك الطُّيورِ، “تَعلُقُ مِن ثمَرِ الجنَّةِ، أو شجَرِ الجنَّةِ”، أي: يَكونُ أكْلُها ورَعيُها ومأواها على شَجرِ الجنَّةِ وثِمارِها، وفي روايةٍ: “حتَّى يَبعَثَه اللهُ عزَّ وجلَّ إلى جسَدِه يومَ القيامةِ”،

الفوز في المباراة يمنح كأسًا ماديًا، أما الفوز يوم القيامة فيمنح {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا}. (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).

الخلاصة: الاستعداد للفوز الأكبر

لقد فرحنا بالفوز بمباراة، وهذا فرح جائز ما لم يكن فيه معصية. ولكن الأجدر بنا أن:

1. نوجه جلّ حماسنا للاستعداد ليوم القيامة.

2. نستثمر أوقاتنا في الأعمال التي تثقل الميزان.

3. نتذكر أن الفرح الحقيقي الذي لا ندامة بعده هو الفرح بلقاء الله. قال صلى الله عليه وسلّم: “مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ. قالَتْ عائِشَةُ أوْ بَعْضُ أزْواجِهِ: إنَّا لَنَكْرَهُ المَوْتَ، قالَ: ليسَ ذاكِ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ بُشِّرَ برِضْوانِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ، فليسَ شَيءٌ أحَبَّ إلَيْهِ ممَّا أمامَهُ؛ فأحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ، وأَحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، وإنَّ الكافِرَ إذا حُضِرَ بُشِّرَ بعَذابِ اللَّهِ وعُقُوبَتِهِ، فليسَ شَيءٌ أكْرَهَ إلَيْهِ ممَّا أمامَهُ؛ كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ، وكَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ. صحيح البخاري

فلنكن من الذين يستعدون لهذا اليوم، ليكون فرحنا فيه أعظم من كل أفراح الدنيا، حيث {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ، لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ}.

فالفوز في ملعب كرة القدم يذكرنا بملعب الحياة الحقيقي، حيث المباراة مع الدنيا والنفس والهوى والشيطان، والنصر الحقيقي هو نصر الإيمان والطاعة، والفوز العظيم هو فوز الجنة ورضوان الرحمن.

المصدر

المصدر: سواليف

كلمات دلالية: الفوز الحقيقي ماجد دودين صلى الله علیه وسل الفوز الحقیقی یوم القیامة ى الله عل ة الفوز ل قاء ه

إقرأ أيضاً:

لهذا يمثل لقاء ترمب وعون خبرا سيئا لحزب الله وإيران

شكل اللقاء الذي عقد في البيت الأبيض بين الرئيس الأمريكي ترمب ونظيره اللبناني جوزيف عون نقطة انعطاف بالغة الأهمية في مسار العلاقات بين البلدين، حتى وإن بدت النتائج متواضعة في ظاهرها؛ إذ اقتصرت على عبارات ودية تبشر بـ"مرحلة جديدة" في العلاقات الثنائية، وتعهد باستئناف الرحلات التجارية المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان، إلى جانب تجديد الدعم الأمريكي للقوات المسلحة اللبنانية.

بيد أن طيات هذه العناوين العريضة تحمل أمرا أعمق دلالة؛ ألا وهو حكم أصدرته واشنطن بوضوح لا لبس فيه، مفاده أن الدولة اللبنانية باتت تمتلك من القوة ما يكفي للشروع في استعادة سيادتها الفعلية على أراضيها. وفي حال ثبتت صحة هذا التقييم، فإن الخاسر الأكبر في فصول هذه القصة المتكشفة سيكون بلا ريب حزب الله وراعيته إيران.

طوال عقود خلت، تلخص المشهد اللبناني في حكومة مركزية ضعيفة ومفرغة من مضمونها، ترزح تحت وطأة مليشيا مدججة بالسلاح تأتمر بأوامر طهران لا بيروت. لم يمارس حزب الله دوره كحزب سياسي، بل تصرف كدولة داخل الدولة؛ إذ تفرد بقيادة هيكله العسكري، وأدار سياسته الخارجية باستقلالية، وتعامل مع مساحات شاسعة من جنوب لبنان وكأنها إقطاعية خاصة ينطلق منها لشن هجماته ضد إسرائيل.

بالنسبة لمليشيا ودولة راعية دأبتا طيلة عقود على استباحة لبنان والتعامل معه كأرض محتلة فعليا وإن لم يكن رسميا، فإن هذا التحول الجذري في مجريات الأحداث يعد المؤشر الأجلى حتى اللحظة على أن مسيرة حزب الله الطويلة من النفوذ المطلق والقوة الجامحة ربما تكون قد أذنت بالزوال أخيرا

وقد تمخض هذا الواقع عن نشوب حرب في عام 2006، وأفضى إلى انهيار اقتصادي تدريجي بلغ ذروته إبان الأزمة المالية لعام 2019، مخلفا فراغا أمنيا خانقا اضطر الولايات المتحدة لاتخاذ خطوة استثنائية تجلت في التكفل بدفع رواتب الجيش اللبناني، سعيا للحيلولة دون انهيار الدولة من الداخل. وهي سابقة لم تقدم عليها واشنطن قط مع أي دولة أخرى في أوقات السلم، مما يعكس بوضوح مدى اقتراب لبنان من شفير الهاوية والزوال كدولة فاعلة.

إعلان

وتنبثق أهمية لقاء ترمب وعون من كونه إشارة جلية إلى قناعة الولايات المتحدة بأن حقبة هيمنة حزب الله قد أزفت نهايتها. وعلى الرغم من أن استئناف الرحلات التجارية المباشرة قد يبدو مجرد إجراء تيسيري يهدف إلى توفير خيارات سفر اقتصادية وفعالة للمواطنين والمغتربين، فإن أبعاده تتجاوز ذلك بكثير.

فالرحلات المباشرة تستوجب مستوى عاليا من التدقيق الأمني، وتفتيش البضائع، وإحكام السيطرة على المطارات، وهي مهام لا تقوى على الاضطلاع بها سوى دولة تتمتع بسيادة حقيقية وفاعلة.

وهو معيار عجز لبنان عن بلوغه طيلة ثلاثين عاما، وتحديدا منذ حقبة الاحتلال السوري. ومن هنا، فإن مجرد استعداد رئيس أمريكي للنظر في هذا الأمر يعد بمثابة تصويت بالثقة لم يشهده لبنان منذ جيل بأكمله.

وعلاوة على إعلان استئناف الرحلات الجوية، تبرز خطوة أخرى ذات تأثير فوري أعمق؛ تتمثل في برنامج تجريبي تقرر بموجبه القوات الإسرائيلية الانسحاب من مناطق في جنوب لبنان، وتسليم زمام المسؤولية فيها للقوات المسلحة اللبنانية.

وسيتعزز هذا البرنامج بدعم أمريكي يشمل توسيع نطاق التدريب وتوفير المعدات والعتاد. وتشكل هذه الخطوة الحلقة الأهم في المشهد. إذ لطالما ارتكز ادعاء حزب الله بالشرعية داخل لبنان على أسطورة تزعم أنه المدافع الأوحد عن السيادة اللبنانية، مقصيا بذلك دور الجيش الوطني.

بيد أن هذا الادعاء لا يمثل قيمة إلا في ظل عجز الدولة اللبنانية، أو تقاعسها، عن بسط سيطرتها على أراضيها. ومع الانسحاب الإسرائيلي المقترن بالدعم الأمريكي، فإن كل ميل مربع يبسط الجيش اللبناني سيطرته عليه، يعادل ميلا مربعا يتهاوى فيه المبرر التأسيسي لوجود حزب الله.

طوال عقود خلت، تلخص المشهد اللبناني في حكومة مركزية ضعيفة ومفرغة من مضمونها، ترزح تحت وطأة مليشيا مدججة بالسلاح تأتمر بأوامر طهران لا بيروت

ولا تجري هذه التطورات في معزل عن السياق الإقليمي، وهنا يتكشف الموقف الإيراني بوضوح بالغ. فقد تولت طهران تأسيس حزب الله، وتكفلت بتمويله وتدريبه وتوجيهه، ليغدو درة التاج في شبكة وكلائها الإقليميين. وعلى امتداد سنوات طوال، شكلت سوريا إبان عهد بشار الأسد الشريان الحيوي الذي تدفقت عبره الأسلحة الإيرانية ومقاتلو الحزب.

وقد زج بالقوة القتالية لحزب الله في أتون الحرب الأهلية السورية، وتجلى ذلك بوضوح في تدخله الحاسم في معركة القصير، ودوره البارز في معركة حلب؛ سعيا للإبقاء على نظام الأسد في سدة الحكم.

غير أن رحيل النظام السوري أدى إلى تبدد العمق الإستراتيجي الذي كان يربط طهران ببيروت مرورا بدمشق، لا سيما أن السلطات الجديدة في سوريا لا تكنّ ودا يذكر للمليشيا اللبنانية التي شاركت في تدمير بلادها.

وتقف إيران، التي تعاني أصلا من الضعف وتراجع قدرتها على إمداد ودعم حزب الله بالسهولة المعهودة، موقف المراقب للممر الذي شيدته بنفسها وهو يغلق كل السبل على وكيلها الرئيسي.

وهذا هو الدافع الجوهري وراء إصرار طهران على إقحام لبنان في مذكرة التفاهم الخاصة بوقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة؛ لا رغبة في إرساء دعائم الاستقرار، بل سعيا لإجهاض عملية السلام الثلاثية التي أخذت تضيق الخناق على حزب الله، وتحاصره في الزاوية.

إعلان

وبالتزامن مع بدء انسحاب الجيش الإسرائيلي وفقا للبرنامج التجريبي، فإن إصرار حزب الله على رفض الوفاء بالتزامه لعام 2024 بشأن نزع سلاحه، يبدو أقرب إلى اليأس منه إلى استعراض القوة.

وقد أشارت تقارير إلى تلويح الحزب بمواجهة الجيش اللبناني، بل والتهديد بإشعال فتيل الصراع الأهلي مجددا؛ تفاديا لتسليم سلاحه طواعية. ورغم ضرورة أخذ هذا التهديد على محمل الجد، فإنه يستوجب قراءة متأنية وصحيحة؛ فالكيان الواثق من مستقبله لا يضطر للتلويح بحرب أهلية صونا لسلطته.

بناء عليه، فإن حزب الله لا يخوض غمار التفاوض من موقع قوة، بل يسعى جاهدا للحيلولة دون تحول عملية التطويق البطيئة والمدروسة التي يتعرض لها حاليا إلى واقع حتمي لا فكاك منه.

يأتي نهج إدارة ترمب، الذي يغلب كفة التنمية الاقتصادية والاستثمار على لغة المواجهة العسكرية، ليعكس إدراكا عميقا بأن إحداث تغيير جذري ودائم في لبنان يستوجب إرساء دعائم ازدهار اقتصادي يلتف حوله المواطنون اللبنانيون من شتى الأطياف والفصائل

ومع ذلك، فإن أيا من هذه المعطيات لا يضمن الوصول إلى نتيجة حاسمة أو سريعة. إذ لا تزال القوات المسلحة اللبنانية بحاجة ماسة إلى تكثيف التدريب، وتعزيز العتاد، ورص الصف الداخلي سياسيا، ليتسنى لها الصمود بثبات في وجه مليشيا متمرسة على القتال.

كما يظل خطر تسلل حزب الله خلسة إلى المناطق التي أخلتها إسرائيل قائما وبشدة، ما لم تتمكن الدولة اللبنانية من إرساء قوة ردع موثوقة. أضف إلى ذلك أن الممانعة السياسية الداخلية، لا سيما من قبل الأطراف الرافضة أي شكل من أشكال التطبيع مع إسرائيل، ستشكل عائقا إضافيا يبطئ من وتيرة هذه العملية.

فنحن أمام سباق ماراثون طويل الأمد وليس مجرد عدْو سريع. ويأتي نهج إدارة ترمب، الذي يغلب كفة التنمية الاقتصادية والاستثمار على لغة المواجهة العسكرية، ليعكس إدراكا عميقا بأن إحداث تغيير جذري ودائم في لبنان يستوجب إرساء دعائم ازدهار اقتصادي يلتف حوله المواطنون اللبنانيون من شتى الأطياف والفصائل.

بيد أن البوصلة تشير إلى مسار واضح لا تشوبه شائبة. فالولايات المتحدة توجه دعوة صريحة للبنان للعودة إلى الحاضنة الدولية كدولة ذات سيادة، في حين يجنح الجيش الإسرائيلي نحو تقليص تواجده بدلا من توسيعه، بينما تراهن واشنطن بجدية على دور بيروت في التصدي لوكيل طهران.

وبالنسبة لمليشيا ودولة راعية دأبتا طيلة عقود على استباحة لبنان والتعامل معه كأرض محتلة فعليا وإن لم يكن رسميا، فإن هذا التحول الجذري في مجريات الأحداث يعد المؤشر الأجلى حتى اللحظة على أن مسيرة حزب الله الطويلة من النفوذ المطلق والقوة الجامحة ربما تكون قد أذنت بالزوال أخيرا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية

مقالات مشابهة

  • محمد علي رزق: الفوز بكأس العالم يستحق أسبوعا من الاحتفال.. وعمرو عبد العزيز: عيد للمصريين
  • «الماء حياة ونماء».. موضوع خطبة الجمعة بمساجد الجمهورية اليوم
  • خبير أمن معلومات: ChatGPT قد يضعف التواصل الحقيقي بين الأزواج والأسر
  • ولادي طبعًا | شمس البارودي تبكي على الهواء بسبب هذا الموقف
  • تعرف على موضوع خطبة الجمعة غدا بمساجد الأوقاف
  • متى يجب على الفتاة ارتداء الحجاب؟.. أمين الفتوى يجيب
  • من الحصار إلى الردع… حين يصنع الإيمان معادلات القوة
  • النفط يحقق الفوز على الزوراء ودياً
  • لهذا يمثل لقاء ترمب وعون خبرا سيئا لحزب الله وإيران
  • حزب الله باقٍ.. وهذا ما أعطاه ترمب للرئيس اللبناني