أطماع ترامب في غرينلاند: بداية النهاية للنظام العالمي
تاريخ النشر: 15th, January 2026 GMT
في الأسابيع الأولى من عام 2026، تحولت التوندرا في غرينلاند إلى أخطر خط صدع في السياسة العالمية. فبعد نشوة القبض الجريء على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وجه دونالد ترامب بوصلته شمالاً، ليتعامل مع أكبر جزيرة في العالم ليس كشعب أو إقليم، بل كفراغ استراتيجي ينتظر من يملأه. وصرح ترامب أمام تنفيذيي شركات النفط في 9 يناير قائلاً: "سنفعل شيئاً بشأن غرينلاند، إما بالطريقة الحسنى أو بالطريقة الأصعب"، ملوحاً بشبح التغلغل الروسي والصيني في "فجوة GIUK".
لم تكن تلك دبلوماسية، بل كانت إنذاراً نهائياً.
وما قاله ترامب علانية، صاغه منظرو بلاطه بشكل صريح. فقد شكك ستيفن ميلر، منظّر الإكراه المقيم في الإدارة، علناً في حق الدنمارك في السيادة، مستخفاً بقرون من قوانين المعاهدات بسخرية بيروقراطي إمبراطوري، حيث قال: "لا أحد سيحارب الولايات المتحدة عسكرياً على مستقبل غرينلاند"، وكأن القوة في حد ذاتها حجة قانونية. وردد ماركو روبيو المنطق ذاته بلمسة سيناتور مصقولة، محذراً من أنه لا يمكن السماح لغرينلاند بأن "تسقط" في الأيدي الخطأ. أما بيت هيغسيث، "صليبي" أخبار الكابلات الدائم، فقد صوّر الضم كضرورة حضارية. ويشكل هؤلاء معاً جوقة من الازدراء للقواعد التي ادعت أمريكا يوماً أنها هي من وضعتها.
لم يعد هذا مجرد خيال عقاري فج كما طرحه ترامب في عام 2019، بل هو شيء أكثر خطورة بكثير: عقيدة—"قدر تجلى" (Manifest Destiny) من القرن الحادي والعشرين، يرتدي ثوب السياسة الأمنية، حيث تصبح السيادة اختيارية وتمنح القوةُ الشرعيةَ. لم يعد شمال الأطلسي فضاءً للتحالف في نظر واشنطن؛ بل أصبح بحيرة محلية.
إن الجشع الاستراتيجي عارٍ تماماً؛ فغرينلاند تحتوي على معادن نادرة ضرورية للبطاريات والصواريخ والإلكترونيات المتقدمة، والسيطرة عليها من شأنها أن تقوض هيمنة سلسلة التوريد الصينية بين عشية وضحاها. كما أن ذوبان الجليد في القطب الشمالي يفتح ممرات شحن وممرات بحرية جديدة يهوّس بها مخططو البنتاغون. وتكمن تحت الجليد هيدروكربونات غير مستغلة، محمية بشكل "مزعج" بقوانين الدنمارك البيئية. وإذا نزعنا البلاغة الخطابية، فما يتبقى هو دافع إمبراطوري مألوف: استولِ أولاً، وبرر لاحقاً.
تدرك أوروبا الخطر بالفطرة. وقد حذرت رئيسة الوزراء الدنماركية ميت فريدريكسن من أن أي تحرك أمريكي ضد حليف في الناتو سيكون "لحظة مصيرية"، من شأنها أن تنهي نظام الأمن في مرحلة ما بعد الحرب. كانت رسالتها صريحة: إذا هاجمت أمريكا حليفاً، فإن الناتو سيكف عن الوجود كأي شيء سوى اختصار فارغ.
ومع ذلك، كشف رد فعل أوروبا عن عطبها الخاص. فبريطانيا، التي كانت يوماً الصدى الأعلى لواشنطن، تقدم الآن غموضاً بدلاً من الحزم. فقد دعم رئيس الوزراء كير ستارمر الدنمارك في البداية، ثم تراجع إلى التهرب عند الضغط عليه. وعندما سُئل عما إذا كان الهجوم الأمريكي على غرينلاند سيقتل الناتو، رفض الإجابة مباشرة، واصفاً إجبار المرء على الاختيار بين واشنطن وبروكسل بأنه "خطأ استراتيجي". لم تكن هذه حنكة سياسية، بل كان جبناً. وبرفضه رسم خط فاصل، ترك ستارمر الباب موارباً أمام العدوان الأمريكي وجرّ مصداقية بريطانيا في الوحل. ولا يسع المرء إلا أن يتخيل رد الفعل الساحق لجيريمي كوربين لو كان هو ساكن "10 داونينج ستريت".
داخل الولايات المتحدة، توجد مقاومة لكنها هشة. فقد قدم السيناتور روبن غاليغو تشريعاً لمنع تمويل الأعمال العدائية ضد غرينلاند، متهماً ترامب بالرغبة في امتلاك "جزيرة عملاقة تحمل اسمه". هو على حق، لكن التقليل من شأن الأمر يغفل حجم التهديد. فهذا ليس مجرد مشروع غرور، بل هو الامتداد المنطقي لإدارة ترى القانون عقبة، والحلفاء إزعاجاً، والقوة بديلاً عن الشرعية.
بدأت العواقب تتفشى بالفعل. ففي بروكسل، يناقش المسؤولون بهدوء "اليوم التالي" لحلف الناتو، وهو يوم يفترض أن عدم الموثوقية الأمريكية حالة دائمة. وفي بكين وموسكو، يراقب الاستراتيجيون بشيء يقرب من الرضا، حيث يتردد صدى نصيحة نابليون في الدواوين: "لا تقاطع عدوك أبداً وهو يرتكب خطأً".
تتبع مقامرة ترامب في غرينلاند نفس المسار التدميري لمغامرته في فنزويلا. فكلا العملين يقوضان المعايير ذاتها التي تعتمد عليها واشنطن لكبح جماح الآخرين. فعندما تختطف الولايات المتحدة زعيماً أجنبياً أو تهدد بالاستيلاء على أراضي حليف، فإنها تفقد السلطة الأخلاقية لإدانة أفعال مماثلة في أماكن أخرى. وهنا يتلاشى الخط الفاصل بين الردع وانعدام القانون.
يحوم الدين القومي الأمريكي الآن حول 38 تريليون دولار، ومع ذلك تظل الشهية للمغامرات الخارجية غير قابلة للإشباع. لقد استنزفت فيتنام البلاد لمدة خمسة عشر عاماً. وحطم العراق منطقة بأكملها وقوض المصداقية الأمريكية. بنما، هندوراس، ليبيا—كل تدخل تم الترويج له على أنه ضروري ومؤقت وعادل، وكل منها خلف وراءه حطاماً. وتهدد غرينلاند بالانضمام إلى تلك السلالة، ليس كساحة معركة، بل كاللحظة التي انكسر فيها نظام التحالف أخيراً.
إذا كان ترامب جاداً—وتحركات القوات والبلاغة الخطابية والاستعدادات تشير إلى أنه كذلك—فإن الناتو قد مات بالفعل من الناحية العملية. وما يتبقى هو قوة عظمى تقايض الشرف بالمعادن، والتحالفات بالترهيب، والقانون بالنزوات. العالم لا يشاهد قيادة، بل يشاهد انهيارها.
نادراً ما تسقط الإمبراطوريات بسبب التحدي، بل تسقط لأنها تتخلى عن ضبط النفس، وتخلط بين الخوف والاحترام، وتلتبس عليها القوة مع القدر. قد لا تشهد غرينلاند إطلاق رصاصة واحدة، وهي ليست بحاجة لذلك، فقد وقع الضرر بالفعل.
(ميدل إيست مونيتور)
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه غرينلاند ترامب الولايات المتحدة الولايات المتحدة غرينلاند ترامب مقالات مقالات مقالات سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة رياضة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
المخطوطات العربية في برلين.. مبادرة قطرية لإعادة كتابة تاريخ المعرفة العالمي
بعيداً عن الصورة النمطية للمخطوطات كأوراق صفراء ترقد في عتمة الأرشيف، تفتح العاصمة الألمانية برلين أبوابها اليوم لحوار من نوع آخر؛ حوار يتصدره الحرف العربي ليُثبت أن إسهامات الشرق لم تكن مجرد جسر عبور، بل حجر أساس في بناء صرح المعرفة العالمية.
ففي قاعات مكتبة برلين الحكومية، التي تحتضن واحدة من أكبر مجموعات المخطوطات الشرقية في أوروبا، انطلقت في مارس/آذار 2026 سلسلة حوارات بعنوان "المخطوطات العربية: تراث إنساني مشترك"، بمبادرة من "الديوان – البيت الثقافي العربي"، التابع لسفارة قطر في برلين، على أن تستمر حتى أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
وتتجاوز المبادرة تنظيم فعاليات ثقافية حول التراث العربي في أوروبا، لتطرح مسعى أوسع يتعلق بإعادة إدراج المخطوط العربي في النقاش المعاصر حول تاريخ العلوم وانتقال المعرفة بين الحضارات.
وفي حديثهما للجزيرة نت، يوضح مدير "الديوان – البيت الثقافي العربي" الدكتور لورنس الحناوي، ورئيس قسم المخطوطات الشرقية في مكتبة برلين الحكومية الدكتور كريستوف راوخ، كيف تحولت الشراكة إلى منصة لإعادة قراءة التراث العربي بوصفه جزءا من الذاكرة الإنسانية المشتركة.
من عرض التراث إلى إعادة كتابة السردية المعرفيةيرى الحناوي أن المشروع ينطلق من مقاربة مختلفة للعلاقة الثقافية بين العالم العربي وأوروبا. فبدل تقديم الثقافة العربية بوصفها موضوعا للتعريف، أو مادة تراثية تُعرض على هامش المشهد الأوروبي، يسعى "الديوان" إلى تثبيت حضورها كشريك في إنتاج التاريخ الفكري العالمي نفسه.
ويقول إن المخطوطات العربية المحفوظة في برلين لا تمثل حالة "تراث شرقي" انتقل إلى أوروبا، بل تُشكل جزءا من الذاكرة الفكرية التي أسهمت في بناء العالم الحديث، عبر مسارات انتقال الفلسفة والطب والفلك والعلوم من العربية إلى اللغات الأوروبية.
وبذلك، تبدو المبادرة القطرية، وفق الحناوي، استثمارا بعيد المدى في الدبلوماسية الثقافية؛ إذ لا تكتفي بتقديم صورة إيجابية عن العالم العربي، بل تسعى إلى إعادة إدخاله في السردية العالمية للمعرفة بوصفه أحد صانعيها.
الأثر الثقافي خارج منطق الأرقاملا يقيس الحناوي نجاح هذه المبادرات بعدد الزوار أو الفعاليات، بل بنوعية التحول الذي تُحدثه في نظرة الجمهور الأوروبي إلى التراث العربي. ويضرب مثالا بحضور شاب ألماني إحدى جلسات السلسلة المخصصة لـ"كليلة ودمنة"، لا بدافع الفضول تجاه "الشرق"، بل لاهتمامه بما يطرحه النص من أسئلة عن السلطة والمعرفة وانتقال الأفكار.
إعلانهذا التحول، برأيه، هو المؤشر الأعمق: حين ينتقل المخطوط العربي من كونه معروضا تراثيا إلى مادة للنقاش الفكري المعاصر، ويصبح مدخلا لإعادة التفكير في المركزية الثقافية، وأصول الحداثة، وحركة الأفكار بين الشرق والغرب.
المخطوط بوصفه تاريخا حيا للأفكاريطرح الحناوي تصوراً يتجاوز النظر إلى المخطوطات بوصفها أشياء قديمة محفوظة في الأرشيف. فالمخطوط ليس كتابا صامتا، بل هو أشبه بشبكة تواصل اجتماعي قديمة؛ حيث نرى بصمات الناسخ المتعب، وتعليق القارئ الغاضب أو المعجب على الهوامش، ومسار رحلة الكتاب على ظهور الجمال أو السفن من مدينة إلى أخرى.
ومن هذا المنظور، ناقشت الجلسة الافتتاحية حول "كليلة ودمنة" مسألة لافتة، وهي أن الناسخ لم يكن دائما ناقلا محايدا، بل كان، في أحيان كثيرة، شريكا في تشكيل النص عبر الاختصار أو الإضافة أو التعليق. وتكشف هذه القراءة أن ظواهر مثل سيولة النصوص وإعادة تحريرها المستمرة، التي تُنسب عادة إلى العصر الرقمي، عرفتها الثقافة المخطوطة منذ قرون بصيغ مختلفة.
الزهراوي.. شاهد مادي على الابتكار العلميولم يقتصر هذا الحوار الحي على نصوص الأدب والسياسة كـ "كليلة ودمنة"، بل امتد بقوة ليضع أسس العلم التجريبي الحديث، وهو ما يتجلى بوضوح في المخطوطات العلمية.
من جهته، يشير راوخ إلى أن مجموعة برلين، التي تضم نحو 11 ألف مخطوطة عربية، تحتوي على نماذج مباشرة تكشف إسهام العلماء العرب في إنتاج المعرفة العلمية، لا بوصفهم ناقلين فحسب. ويضرب مثالا بمخطوطة الطبيب الأندلسي أبي القاسم الزهراوي، المعروفة بكتابه في الجراحة، والتي تتضمن رسومات تفصيلية لأدوات جراحية استُخدمت في القرن العاشر الميلادي. ويقول إن هذه الوثيقة تقدم دليلا ماديا على المستوى المتقدم الذي بلغته الحضارة العربية الإسلامية في الطب والجراحة، في مرحلة كانت أوروبا لا تزال بعيدة عن هذا المستوى العلمي.
يتحدث راوخ عن مشروع "قالاموس" باعتباره أحد أهم المسارات المستقبلية للتعامل مع المخطوطات العربية. فالمنصة توثق المخطوطات العربية المحفوظة في المكتبات الألمانية، وتتيح الوصول إليها رقميا، لكنها تتجاوز الإتاحة إلى تمكين الباحثين من تصدير البيانات وتحليلها إلكترونيا.
وبذلك يستطيع الباحث، خصوصا غير الناطق بالعربية، تتبع مسارات النصوص وانتقالها بين المدن ومراكز العلم، وفهم شبكات الشروح والترجمات والتداول، بما يكشف حضور العرب في تاريخ العلوم من زاوية جديدة: لا كنصوص منفردة، بل كجزء من شبكة عالمية لتداول المعرفة.
ما الذي تضيفه الشراكة القطرية؟بحسب راوخ، تكمن أهمية التعاون مع "الديوان" في فتح هذا التراث أمام جمهور يتجاوز الدوائر الأكاديمية المتخصصة. فالمكتبة، رغم إمكاناتها البحثية، تبقى مؤسسة أرشيفية بالدرجة الأولى. أما الشراكة مع مؤسسة ثقافية عربية، فأتاحت نقل المخطوطات من فضاء الحفظ إلى فضاء الحوار العام، عبر فعاليات مفتوحة تربطها بأسئلة معاصرة حول الإنسان وتاريخ التبادل الحضاري.
ويضيف أن المخطوطات القديمة ما تزال قادرة على قول شيء جديد عن تاريخ الأفكار، وعن التداخل الثقافي بين الحضارات، إذا أُعيد تقديمها في سياق معرفي معاصر.
ما بعد أكتوبر/تشرين الأول 2026.. نحو بنية معرفية عابرة للحدودلا ينظر القائمون على المشروع إلى السلسلة الحالية باعتبارها حدثا عابرا. فالحناوي يشير إلى أن التحدي الأكبر اليوم لا يتمثل في حفظ المخطوطات مادياً، بل في منع تحولها إلى تراث معزول عن البحث المعاصر.
إعلانولهذا يجري العمل على ثلاثة مسارات رئيسية بعد انتهاء البرنامج الحالي:
الرقمنة والفهرسة: تطوير مشاريع مشتركة تربط مجموعات برلين بنظيراتها في إسطنبول، القاهرة، الدوحة، باريس ولندن.
التعاون المؤسساتي: بناء شبكة تواصل مؤسساتية بين المكتبات العربية والأوروبية، تتيح جمع أجزاء الذاكرة العربية الموزعة في مؤسسات عالمية مختلفة.
التمكين الأكاديمي: دعم جيل جديد من الباحثين القادرين على الجمع بين علوم المخطوطات، والإنسانيات الرقمية، والنظرية الثقافية.
دبلوماسية ثقافية تتجاوز الفعالياتتكشف مبادرة "الديوان – البيت الثقافي العربي" عن اتجاه متنامٍ في الحضور الثقافي القطري داخل أوروبا، يقوم على بناء شراكات معرفية طويلة الأمد مع مؤسسات أكاديمية كبرى، بدل الاكتفاء بالفعاليات الموسمية.
وفي حالة برلين، يبدو أن الرهان القطري يتجاوز حفظ التراث أو عرضه، إلى محاولة إعادة وصل المخطوط العربي بتاريخ المعرفة العالمي، وإعادة طرحه بوصفه جزءا من النقاش الراهن حول نشأة الحداثة ومسارات انتقال العلوم بين الحضارات.
بهذا المعنى، لا تدور المبادرة حول الماضي فقط، بل حول سؤال حاضر: كيف يمكن لتراث محفوظ في خزائن أوروبا أن يعود فاعلا في إنتاج المعرفة المعاصرة؟ الإجابة بدأت تتشكل اليوم في قاعات برلين: التراث لا يموت حين يغادر وطنه، بل يموت حين يتوقف عن إثارة الأسئلة.