النموذج الإماراتي : عزم استراتيجي و حزم تكتيكي
تاريخ النشر: 16th, January 2026 GMT
كتب/ د. علي النعيمي
·في التجربة الإماراتية، لم تكن المبادئ موضع اختبار، بل كانت دائماً نقطة الانطلاق. ما يميّز هذا المسار ليس تبدّل القيم أو إعادة تعريف الالتزامات، بل وضوح الغاية وصلابة الإرادة في الوصول إليها. العزم الاستراتيجي كان ثابتاً منذ البداية: حماية الاستقرار، تقليص مساحات الصراع، وبناء شروط السلام والتنمية.
من هذا المنطلق، لا يمكن قراءة أداء دولة الإمارات العربية المتحدة من زاوية ردّ الفعل أو التكيّف الاضطراري. الإمارات تحركت دائماً وفق تصور استراتيجي واضح، لكنها أظهرت في التنفيذ حَزماً تكتيكياً يراعي الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون. هذا الجمع بين وضوح الهدف ومرونة الوسيلة هو ما أخرج سياستها من الأطر التقليدية، وجعلها عرضة لسوء الفهم من قِبل من اعتادوا أن تبقى الدول أسيرة نماذج مألوفة حتى وإن ثبت فشلها.
كثير من الجدل الذي أُثير حول الإمارات لا يرتبط بخطأ محدد بقدر ما يعكس صدمة أمام دولة قررت أن تتحرك عندما تردّد غيرها. السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الإمارات قد ذهبت بعيداً، بل لماذا اختارت أن تذهب حيث لم يجرؤ الآخرون. في لحظات إقليمية معقدة، فضّلت دول كثيرة إدارة الأزمات بدل مواجهتها، أو الاكتفاء بالتموضع الخطابي داخلها. الإمارات اختارت مساراً آخر، مساراً يقوم على الدبلوماسية الفاعلة ، والقرار الواضح، وتحمل كلفة الفعل عندما يصبح التردد أكثر خطورة من التحرك.
العزم الاستراتيجي هنا لم يكن شعاراً، بل إطاراً حاكماً. الهدف لم يكن توسيع النفوذ ولا فرض الوقائع بالقوة، بل إنهاء حالات استنزاف مزمنة تهدد استقرار الدول والمجتمعات. أما الحزم التكتيكي، فتمثل في القدرة على اتخاذ قرارات دقيقة، في توقيت محسوب، وبأدوات متنوعة، دبلوماسية وسياسية واقتصادية وإنسانية، وفق ما تقتضيه كل حالة. هذا التوازن بين الصلابة في الغاية والمرونة في التنفيذ هو ما منح الدور الإماراتي ثقله، وأربك في الوقت ذاته حسابات من يربط النفوذ بالتصعيد لا بالحلول.
في ملفات الأمن وإدارة الصراع، لم تتعامل الإمارات مع الأزمات بوصفها ساحات صدام صفري، بل كمعادلات معقدة يمكن إعادة ضبطها. سعت إلى خفض التوتر حيث أمكن، وإلى بناء مسارات تهدئة عندما بدا الصدام طريقاً مسدوداً، وإلى ترسيخ منطق السلم والتعايش كخيار عملي لا كشعار أخلاقي. هذا النهج تطلّب حزماً في لحظة القرار، لأن فتح مسار مختلف في بيئة متوترة غالباً ما يواجه مقاومة أكبر من الاستمرار في المسار القائم.
ما يغيب عن كثير من القراءات هو أن هذا الحزم لم يكن موجهاً ضد أحد، بل ضد منطق الفوضى والتعطيل. الإمارات لم تسعَ إلى إقصاء أدوار إقليمية، ولا إلى ملء فراغ على حساب شركاء، بل إلى إعادة توزيع المسؤوليات ضمن مشهد أكثر واقعية. ومع ذلك، فإن أي دور جديد، حين يكون فاعلاً ومنظماً، يُنظر إليه أحياناً بوصفه تهديداً، خصوصاً من قبل من اعتادوا احتكار التأثير في ملفات بعينها.
لهذا لا يستقر التشكيك على مسار واحد. ينتقل من ملف سياسي إلى أمني، ومن دبلوماسي إلى إنساني. هذا التنقل ليس دليلاً على تعدد الأخطاء، بل على غياب خطأ مركزي يمكن الإمساك به. وعندما يتعذر الطعن في القرار، يُلجأ إلى الطعن في النية. إنها سمة مألوفة في لحظات التحول، حين تتقدم الوقائع على السرديات.
العامل الأكثر إرباكاً في النموذج الإماراتي هو الاتساق الصارم. دولة تقول ما تفعل، وتفعل ما تقول، وتدير شراكاتها بالمنطق ذاته الذي تخاطب به جمهورها. لا ازدواجية خطاب، ولا رسائل متناقضة، ولا هامش واسع للمناورة اللفظية. هذا الاتساق يحرم كثيرين من أدوات سياسية اعتادوا استخدامها، ويجعل النقاش محصوراً في النتائج لا في التأويل.
ضمن هذا الإطار، تبنّت الإمارات الواقعية السياسية كأداة تنفيذ، لا كتنازل عن المبادئ. الواقعية هنا ليست براغماتية بلا سقف، بل انضباط في اختيار الوسيلة التي تحمي الهدف. القضايا الكبرى لم تُستخدم للمزايدة، بل أُديرت باعتبارها ملفات تتطلب حلولاً قابلة للاستمرار. وحين يصبح معيار التقييم هو الأثر لا الضجيج، تتراجع أهمية الخطاب العالي لصالح القرار الفعلي.
ولا يمكن فصل هذا كله عن الطبيعة التراكمية للمسار الإماراتي. السياسات لم تُبنَ على ردود أفعال، بل على قراءة طويلة المدى، أثبتت في أكثر من محطة أن ما بدا مثيراً للجدل في لحظته كان أكثر تماسكاً عند اختبار نتائجه. الزمن هنا ليس عاملاً ثانوياً، بل جزء من المعادلة.
الخطر الحقيقي لا يكمن في الاختلاف مع هذا النموذج، بل في رفض أي نموذج يحاول كسر الجمود. عقلية الارتياب من كل مسار مختلف لا تحمي الاستقرار، بل تُبقي الأزمات في حالتها المزمنة. أما التجربة التي تُقاس بآثارها، لا بشعاراتها، فهي وحدها التي تستحق التقييم الجاد.
الإمارات، في تعاطيها مع هذا الواقع، لم تنشغل بتبرير خياراتها، ولم تدخل سباق الردود. هذا ليس تجاهلاً، بل تعبير عن ثقة نابعة من وضوح المسار. الدول التي تمتلك عزماً استراتيجياً لا تُدار على إيقاع الضجيج، والدول التي تمارس حزماً تكتيكياً لا تحتاج إلى تضخيم قراراتها بالكلام.
في السياسة، ليست الجرأة في رفع السقف، بل في اتخاذ القرار الصحيح حين يتردد الآخرون. والإمارات اليوم تمارس هذا الدور بوعي كامل بتكلفته وبنتائجه. لا تبحث عن إجماع، ولا تطلب تصفيقاً، لكنها تمضي في مسار تعرف أسبابه وحدوده.
وهذا، في جوهره، ليس موضع دفاع، بل موضع دولة تعرف تماماً ما تفعل، ولماذا تفعله، وإلى أين تريد أن تصل.
المصدر
المصدر: جريدة الوطن
إقرأ أيضاً:
توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
أكدت الحقوقية مونا توكا، أن أزمة الكهرباء في ليبيا أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن بشكل يومي، فالكلفة الحقيقية للأزمة تتجاوز ساعات الانقطاع وتمتد إلى كل تفاصيل الحياة الاقتصادية للأسر الليبية.
وترى توكا، في تصريحات صحفية، أن الخسارة تبدأ من داخل المنزل، إذ يؤدي تذبذب التيار والانقطاعات المتكررة للكهرباء إلى تلف الأجهزة الكهربائية فتتحول الثلاجة أو المكيف أو الغسالة إلى نفقات طارئة تستنزف موازنة الأسرة الليبية، ومع ارتفاع أسعار الأجهزة وقطع الغيار يصبح إصلاح الأعطال أو استبدال الأجهزة عبئاً مالياً متكرراً يقتطع جزءاً من الدخل المخصص للحاجات الأساسية، وفق قولها.
وأضافت أن آثار الأزمة تنتقل إلى الأسواق عبر ارتفاع كلفة النشاط التجاري فالتاجر يتحمل خسائر في المواد الغذائية التي تحتاج إلى التبريد، إضافة إلى تكلفة الوقود وتشغيل المولدات، ما يعكس هذه النفقات الإضافية على ارتفاع أسعار السلع التي يتحملها المواطن الليبي سواء في الغذاء أو الدواء وغيرها من الحاجات اليومية، على رغم أن دخله لم يشهد زيادة تقابل هذا الارتفاع، إذ يراوح متوسط المرتبات الشهرية ما بين 160 و275 دولاراً.
وتابعت أن الأزمة تفرض أيضاً نمطاً جديداً من الإنفاق على الأسر يشمل شراء المولدات الكهربائية والوقود والزيوت اللازمة لتشغيلها ووسائل حماية الأجهزة من تذبذب التيار إضافة إلى كلفة الصيانة المستمرة، بجانب مصاريف تصفها الحقوقية الليبية بالبند الثابت في موازنة الأسرة على حساب الإنفاق على التعليم أو الصحة أو تحسين مستوى المعيشة.
وقالت توكا، إن هذه الحلقة تقود إلى تراجع القوة الشرائية للمواطن لأن الدخل يتآكل بالتدرج تحت تأثير نفقات متزايدة لا ترتبط بتحسين جودة الحياة وإنما بالحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار داخل المنزل.
وواصلت حديثها: “إذا ما تكلمنا عن حق المواطن في الكهرباء الذي يرتبط بشكل وثيق بالحق في مستوى معيشي لائق، فعندما تؤدي أزمة الكهرباء إلى استنزاف دخل الأسر وارتفاع أسعار السلع وإتلاف الممتلكات فإن آثارها تمتد إلى الأمن الاقتصادي للأسر الليبية وتؤثر في قدرتها على توفير حاجتها الأساسية والعيش بكرامة، لأن الكهرباء ليست رفاهية إنما حق أساس للمواطن في دولة النفط والغاز”.