المضامين والسِمات المديّنية الريادية المُستنتجة من كِتاب قصبة الكرك للدكتور العساف
تاريخ النشر: 17th, January 2026 GMT
المضامين والسِمات المديّنية الريادية المُستنتجة من كِتاب قصبة الكرك للدكتور العساف
رصد وتحليل: أ. د #حسين_طه_محادين- قسم علم الاجتماع – جامعة مؤتة.
*اسم الكتاب؛ #قصبة_الكرك؛ النواحي الإدارية والاحوال الاجتماعية والاقتصادية من خلال سجل قرارات حاكم الحقوق في محكمة الكرك (1919-1920) عدد الصفحات؛ 434
دراسة وتحقيق؛ الدكتور
مقالات ذات صلة#عبد_الله_مطلق_العساف.
جهة الاصدار؛ مركز التوثيق الملكي الأردني الهاشمي – عمان؛ وفي كلمة تقديمية لمعالي ا. د مهند مبيضين مدير عام مركز التوثيق الملكي الأردني الهاشمي موضحا فرادة وأهمية هذا الإصدار قائلا “يُسعد المركز ان يقدم هذا الإصدار كدراسة جادة توثق لحياة وتاريخ حاضرة عثمانية اردنية في عهدين هاشميين (في زمن المملكة الفصيلة؛ وبداية تأسيس أمارة شرقي الأردن).
تتجلى أهمية وغنى هذا الإصدار العلمي الرائد؛ بأنه قد شكل إضافة نوعية وتوثيقية تاريخية لواقع السمات المميزة لبنية العلاقات التفاعلية المرتبطة بواقع وتفاصيل التعاملات اليومية بين سكان قصبة الكرك حينها؛ أيّ اظهاره لنا كباحثين ماهية خِطاب حياتهم اليومية بمختلف عناوينها وتحولاتها الحداثية مقارنة بشقيقاتها من المناطق الأخرى ؛اذ اشارت المصادر التاريخية الى ان أول تشكيل قانوني واداري قد جاء بعد انعقاد مؤتمر السلط وذلك في عام 1920 حيث صاحب هذا التشكيل المؤسسي تعيين موظفين محليين؛ ومجلس مُنتخب للقضاة لإدارة شؤونه برعاية انجليزية وجهة نظر علم الاجتماع الحضري ايضا.
شكّل هذا الإصدار مرجعا تأصيليا بالنسبة لكل من: – الباحثون؛ المؤرخون؛ طلبة العلم بمختلف مستوياتهم؛ المعنيون في دقة المعرفة العلمية التأريخية؛ أي غير الانطباعية ممن هم غير الاسرى للثقافة السماعية والشفاهية غير المُحققة علميا من خلال الوثائق او السجلات القضائية او تلك الحوادث والبطولات المضخمة التي ينسجها المخيال الشعبي غالبا.
لقد أصل ضمنا هذا الإصدار العلمي ومن خلال سجل قرارات حاكم الحقوق في محكمة الكرك الى أميز خصائص وفرادة سمات التفاعلات الحياتية المعيشة في قصبة الكرك؛ اذ عبرت حقائقه التاريخية المُحققة عن حجم وسلمية تنوع خلفيات وخلافات سكان وتجار وقاطني قصبة الكرك عبر لجوئهم للقضاء في حل خلافاتهم؛ مثلما بيّن الاصدار مدنية السكان عبر وسائل دفاعهم عن مصالحهم وحقوقهم من خلال التقاضي حينها.
وبالترابط مع ما سبق ومعه؛ أن منطلق ومتن قراءتي البحثية عن قصبة الكرك هنا؛ هو وقائع واتجاه عناوين الحياة الاجتماعية المُستلهمة والمستنتجة علميا من هذا الكتاب ماهية وعي سكان القصبة ترابطا مع طبيعة وتفرد نظام ودلالات التراتب الاجتماعي أو الشرائحي المفتوح بحكم فعالية الجذور الاجتماعية ذات مرجعية الدينية والثقافية والتكافلية في مجتمع الدراسة لوجود ” نظام الزكاة والارث والمنيحة/ منايح لفقراء المجتمع؛ وليس وفِقا لتصنيف التقسيم الطبقي فيها كما يستسهل البعض وصفه ؛ وهذا هو الخطأ السائد لدى جُل الباحثين الذين يخلطون في منهجيتهم التحليلية لمثل هذه الحالات بين مفهومي الشرائح الاجتماعية وهي الاسلم علميا من استخدامهم لمفهوم “الطبقة” استنادا الى اطروحات العالم كارل ماركس.
*هل مجتمع قصبة الكرك كان مدنيا بالدلائل العلمية والفكرية علميا…؟
ينطلق هذا الرصد والتحليل العلمي على تشاركية العلوم الإنسانية استنادا الى اطروحات ونظريات كل من
أ-علم الاجتماع الحضريوهو أحد تخصصات علم الاجتماع الام والذي يدرس المدينة؛ تركيبتها الديمغرافية؛ شبكة وتنوع العلاقات القائمة بين قاطنيها؛ والتنظيمات القانونية والتعليمية والتعاملات الاقتصادية والاستثمارية.
ب- منطلقات مدرسة شيكاغو الامريكية منذ عشرينيات القرن الماضي؛ والتي اشهرت هذا العلم الجديد حينها لدراسة طبيعة وخصائص العلاقات الإنسانية والمصلحية بين سكان المدن وطبيعة النظامين القانوني والبيئي المنفعي بين جميع سكانها بغض النظر عن انحدارهم العرقي او اللغوي او حتى الديني. واللذان يدرسان المدن من حيث: – تميّز “مجتمع الدراسة ” مجتمع قصبة الكرك بخصائص وسمات المجتمع المدني المعاصر رغم تاريخيته؛ استنادا لما ورد في الكتاب المحقق اعتمادا على المؤشرات الاتية بهذا الخصوص:
أولا – جغرافية المدينة الرحبة وامتداداتها العربية الحاضنة..
يقول العلامة ابن خلدون ” تتأثر طبائع الناس بجغرافية امكنتهم ” لقد مثلت جغرافية المدينة ” قصبة الكرك؛ البؤرة الأساس لامتداداتها العابرة لحدودها الإدارية والقانونية وحتى التجارية عربيا والتي وردت في الكتاب ؛ فقد مثلت ما هو أوسع كثيرا من تركيبة وتنوع سكانها المحليين؛ فهي التي ضمت في جنباتها سكانا؛ عاملين وتجار مستثمرين وموظفين؛ تنحدر خلفياتهم التاريخية من فلسطين عموما والشام والمدينة المنورة ومن مدينة القدس بصورة لافته؛ وهذه المنظومة من المعطيات انما تمثل تفردا معيشيا واضحا مقارنة مع شقيقاتها الاخريات؛ كيف لا تكون كذاك ؟. خصوصا ما هو مرتبط بعلاقاتها الغنية والعميقة معها؟ فالقدس والكرك تربطهما عبر التاريخ علاقة تؤامه؛ اذ حُررت القدس مرتين من الكرك على يد كل من القائد المسلم صلاح الدين الايوبي(1187م) بعد معركة حطين؛ كما حررها للمرة الثانية من الكرك القائد الناصر بن داود (1239). إضافة لدعم أبناء الكرك الى ثورة عبد القادر الحسيني (1936-1939) ضد البريطاني اذ كان ذلك الدعم يصل الى فلسطين حينها عبر ميناء غور الحديثة على الحافة الشرقية للبحر الميت قبيل نشوء امارة شرق الاردن عام 1921 ؛ ومن هنا يمكن فهم مبررات اختيار أهالي القدس للراحل الدكتور الاممي يعقوب الزيادين عضوا عنهم في مجلس نواب الضفتين في منتصف خمسينيات القرن الماضي؛ ترابطا مع تخصيص مصطبة الكرك في باحة المسجد الأقصى من قِبل اهل القدس ؛ مع وجود وثيقة تؤامه بين بلديتي الكرك والقدس ووجود موسم ثقافي سنوي مستمر تحت عنوان ” الكرك والقدس بُطينان في قلب واحد” في الكرك؛ ويمكن ارجاع ما سبق من شواهد الى ان البنية الذهنية والنفسية لأبناء الكرك هي عشائرية النسب عروبية إسلامية المدى منفتحة على الدوام؛ وهي التي لا تبُعد بذات الوقت أكثر من مسافة النبض عن كل من :-
قلعتها الغراء التي بناها هازم العبرانيين تاريخيا القائد ميشع المؤابي؛ وكذا النبض مع معركة مؤتة؛ أول الفتح خارج الجزيرة العربية في” السنة 8 للهجرة”. لذا؛ لا غرابة أيضا ان تتميز الكرك وأهلها بأن أطلقوا اسم “مؤاب العربية” على حكومتهم المحلية سنة 1920.
ثانيا- التنوع السكاني لمجتمع القصبة؛ حيث أكد سجل قرارات حاكم الحقوق في هذا الكتاب على وجود سكان متنوعي الأصول والمعتقدات مثل؛ شوام؛ مسيحيين؛ مسلمين؛ يهود؛ اذ كانوا يعيشون بكل تنافس على البذل والتجارة والمصالح المشتركة ما أكد ضمنا على وحدة الوجدان الجمعي فيما بينهم؛ وتحت راية القانون المدني الرسمي كما اظهر الكتاب المحقق لقرارات الحاكم؛ وكذلك الأعراف القضائية العشائرية مع الوجود القبلي في الكرك لكل من: –
الكنائس والمساجد؛ مدرسة الكرك الثانوية كأول مدرسة في الأردن منذ عام 1899 من أموال تبرع بها المسلمون والمسيحيين؛ إضافة لوجود المدرسة البطريركية اللاتينية في نفس العام تقريبا كما تأسس المستشفى الإيطالي عام 1936 كتعبير طبي وخدمي للتأخي والعيش المشترك المستدام عربا ومسلمين.
ثالثا – التراتب الاجتماعي عبر الألقاب “باشا؛ شيخ؛ حاج” ص44 .
من الطبيعي ان استنتج أكاديميا؛ بأن وجود هكذا ألقاب انما يشي باستقرار وترابط المكانات الاجتماعية والاقتصادي السلطوية بصورة أفقية وعامودية متوافق عليها كمميزة لافتة لطبيعية وتراتبية البناء التنظيمي للمجتمع المديني مؤسسيا وحضاريا بالتأكيد.
رابعا- التجارة والعمل: – تغير نوعية وتشاركية امتلاك وتأجير المواشي؛ اظهر الكتاب أنواع المواشي التي كانت موجودة في تلك السنوات مثل الماعز؛ البقر؛ الضأن – لا يوجد جمال كرمز للبداوة – ما يعني تحديدا نوعية واتجاه بنية التحولات الحضرية والاقتصادية في قصبة الكرك كمجتمع مديني فيه من مظاهر الحريات الفردية ؛والذمم المالية المستقلة لأفراده من الجنسين ؛وِتداولهم للعملات النقدية المتنوعة عِوضا عن المقايضة؛ ولعل نوعية الحيوانات المتوافرة لدى سكانها تدل على نوعية الحياة الزراعية المحدودة جدا مقارنة بالقيم والتنظيمات المدينية الحديثة . وهذا ما يؤكد ان مسيرة مجتمع الكرك قد مرت قبلا في مراحل من التطور المتنامي للمدينة؛ استناد لاطروحات ابرز نظريات علم الاجتماع الحضري وهي “الثقافات الفرعية ” التي ظهرت منذ خمسينيات القرن الماضي؛ مع ملاحظة ان الكرك هي المجتمع الوحيد الذي لا يوجد فيه أيضا؛ وصف مُخيّم رغم وجود اعداد من أهلنا الفلسطينيون يعيشون فيها.
رابعا – تنوع أنواع العملات والمكاييل” المعيارية علميا ودلالاتهما: –
ا- العُملات النقدية؛ توزع استعمالها بين الليرة الإنكليزية؛ الليرة العثمانية؛ الريال المجيدي؛ القرش التركي (ص 67) ما يعني اتباع سكان القصبة حينها الى قانون (حرية السوق- وقانون العرض والطلب) مع وجود فرع للبنك الإنجليزي في الكرك؛ وقد شهدت تأسيس أول بلدية وغرفة تجارية قبيل ظهور امارة شرق الأردن كما يؤكد كتاب ” بلدية الكرك بالوثائق الصادر (2025) للباحث وسام الجعافرة.
ب- المكاييل ؛ ان وجدود وتداول وحدات لقياس الاحجام والاطوال والاوزان للحجام والأراضي؛ مثل “الاوقية؛ الرطل؛ او مكاييل للحبوب مثل الصاع؛ والمِد؛ ص 63″ونصف مِد الخليلي؛ الذي خصص لدعم صمود الاهل في فلسطين ؛ ولا ننسى وصف التشارك في محصول الأراضي” مرابعه؛ مثلاثه ؛مناصفة ؛ بين المُلاك والمزارعين بخصوص عوائد وعقود المحاصيل المحسوبة (رياضيا ) مثل اتفاق الملاك مع المزارعين على الناتج من الأرضي المزروعة ؛ على الرُبع؛ مناصصه والتي كان معمول بها في مجتمع القصبة المدني انما يعني وجود مرجعية معيارية ورياضية متطورة تضبط وتحدد شكل التعاملات المصالحية بين أيّ مُتعاقديّن.
خامسا- المرأة شريكة وصاحبة ذمة مالية مستقلة
لقد تضمن القرارات عددا من الشواهد لأسماء نساء كركيات قمن بالأعمال التجارية ويتمتعن بذلك في ذمم مالية مستقلة بدليل قيام بعضهن بإقامة شكاوى على رجال اخرين يطالبن باستعادة ديونهن منهم .ما يؤكد ضمنا على توازن البنية الاجتماعية بين الرجال والنساء حينها .
سادسا- تنوع المهن والاختصاصات
تشير قرارات الحاكم في هذا الكتاب بوجود أنواع من المهن التي تحتاج الى متعلمين وأصحاب خبرات كانت تعتمد عليهم المحكمة مثل: – المحامون؛ المهندسون؛ موظفو البلدية بتنوع أعمالهم؛ خبراء متخصصون كانت تستعين المحكمة بخبراتهم اثناء التقاضي؛ المالكون الخبراء في شؤون التحكيم بين المتخاصمين في القطاع الزراعي والحيوانات او أجور العقارات نقديا وحدود الأراضي المُختلف عليها فيما بين المتعاقدين وكل ها نظرت فيها المحكمة وأصدرت قرارات قضائية بخصوصها.
أخير..
وبعيدا عن التصنيفات الإدارية لقصبة الكرك الواردة في هذا الكتاب؛ يمكن الاستنتاج العلمي انها كانت تمتلك جميع شروط ومؤشرات المدينة المنفتحة على العالم منذ ذلك التاريخ مع ملاحظة ان شروط قيام المجتمع المدني المعاصرة كمفهوم وانماط حياة وهي: –
– تنشئة اجتماعية وإنسانية منفتحة لدى الآباء نحو الأبناء على قبول الاخر انطلاقا من اسرهم.
– حِس منفعي مدني ومعياري كمي بين عدد من الافراد تجمعهم مصالح اقتصادية او مطلبية معينة بغض النظر عن خلفياتهم الاجتماعية او الدينية.
– مؤسسات مجتمع مدني؛ وقد كانت قائمة وفاعلة في مجتمع قصبة الكرك مثل الجمعيات التطوعية والخيرية؛ واتحادات أهلية مثل الغرفة التجارية؛ البلدية.. الخ.
لذا؛ يمكنني الجزم علميا ان قصبة الكرك قد مثلت وحققت جراء تمثل سكانها كل قيم وسلوكيات المجتمع المدني بحرياته ومبادراته الفردية وبصورة ريادية وسابقة تاريخيا على مستوى الأردن الحبيب؛ أي منذ (1919- 1922) استنادا لِما تضمنه هذا الكتاب الموثوق؛ اذ جسد سبقا وعيشا حياتيا تاريخي متفرد وناجز؛ أقول اظهر تمثل الكرك القبلي لاطروحات المجتمع المدني وقيم المواطنة المحمية بالقانون حينها؛ قبل ان يعمم كمفهوم معاصر أي ما عُرف حديثا ب” المجتمع المدني” وبدعم ايدلوجي وتكنولوجي عالمي وعولمي بُعيد تسعينيات القرن العشرين في ظل سيادة القطب الواحد الحالي وبالضد من الأفكار الشمولية بُعيد سقوط الاتحاد السوفيتي وحلفاؤه اثناء ثنائية الحرب الباردة .
أخيرا..
أن هذه الاطروحة الاستنتاجية المستلهمة والمكثفة من قِبلي لهذا الكتاب الثري؛ لن تُغني ابدا عن قراءة ومحاورة مضامينه وآفاقه العلمية الرحبة وبالتي هي أنفع وأوثق.. وأمل اننا فاعلون.
المصدر
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: المجتمع المدنی علم الاجتماع هذا الإصدار هذا الکتاب من خلال
إقرأ أيضاً:
بين الهوية وصناعة الوجدان.. هكذا استخدمت ثورة يوليو الكتاب والمكتبات العامة كدروع لحماية عقل الإنسان المصري
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
«إن الثقافة حق للمواطن كالمعرفة والرغيف» لم تكن مقولة الدكتور ثروت عكاشة، أحد أهم رواد العمل الثقافي في مصر، مجرد مقولة عابرة؛ فقد كان أحد المشاركين في ثورة 23 يوليو عام 1952، والتي أعادت صياغة المشهد السياسي والاقتصادي في مصر، وأعادت الاعتبار للثقافة والعلم والعلماء والفنانين، ولم تكن مجرد ثورة على النظام الملكي قام بها الجيش وانضم إليها الشعب، بل كانت في جوهرها ثورة اجتماعية شاملة، آمنت بأن تحرير المواطن لا يكتمل إلا بتحرير عقله وتشكيل وعيه.
ومن هنا، ولدت لأول مرة في تاريخ مصر الحديث فلسفة «العدالة الثقافية»؛ تلك الفلسفة التي نقلت الثقافة والفنون من صالونات القصور والأوساط الأرستقراطية المغلقة لتصبح كالمأكل والملبس والتعليم «حقًا مشاعًا لكل مواطن». وأتذكر تلك الأغنية التى كانت تقدمها الإذاعة المصرية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى من أداء مجموعة الكورال، ويقول مطلعها: «قالت الثورة مفيش إقطاع.. أنا جيت أصلح الأوضاع».
من هنا، تحولت قصور الإقطاعيين وأصبحت ملاذًا للجميع؛ فكرًا وثقافة وفنًا ومسرحًا، وإعادة لتشكيل الوجدان الشعبي، فالتف حولها الشعب واستطاعت قصور الثقافة المساهمة في بناء العقل المصري الحديث، عبر هذا المشروع الطموح الذي قاده الوزير والفنان ثروت عكاشة في ذلك الوقت، لتحول مصر في ستينيات القرن العشرين إلى ورشة عمل ثقافية كبرى، تجسدت فيها العدالة الثقافية من خلال ركائز أساسية غيرت وجه الحياة في الريف والحضر.
شهادة ثروت عكاشة: ردود حاسمة من واقع المذكرات
لم تسلم ثورة 23 يوليو من توجيه بعض الانتقادات إليها، مما دفع الدكتور ثروت عكاشة للرد على منتقديها في كتابه الأشهر «مذكراتي في السياسة والثقافة» بما يملكه من وثائق تخص تلك الفترة الحرجة في تاريخ مصر الحديث، وهو الرد الذي فند فيه كل تلك الأقاويل باعتباره أحد المشاركين في الثورة والمؤسسين لها.
يقول عكاشة في مذكراته: «نحن الضباط الأحرار لم نتفق قط قبل 23 يوليو 1952 على أن نقوم بانقلاب أو بثورة نتولى بها السلطة، وغاية ما كان قد تم الاتفاق عليه بيننا أن نقوم بحركة عسكرية إصلاحية لإنهاض الجيش من عثرته، علمًا وقيادة وتسليحًا وتدريبًا، وتوفير مناخ مصري شعبي تُقتطف فيه من بعدُ ثمرةُ الاستقلال وثمرةُ العدالة الاجتماعية، وترميم ما يمكن ترميمه من شروخ عميقة أصابت هيكل السلطة، وبخاصة المسألة الديمقراطية وضمان حقوق الأغلبية الانتخابية، ومن ثم توزيع السلطة بالعدل والقسطاس على من هم جديرون مؤهلون حقًا للمشاركة بها في إطار الحكم الملكي نفسه».
ويتابع «عكاشة» فيما يخص التفاف الجماهير المصرية حول الشعب قائلًا: «إن الثورة تتحقق نتيجة لاتفاق ضمني بين رغبة الجماهير كقوة دافعة مساندة للتغيير، وبين قيادة ثورية قادرة على تحقيق هذا التغيير بإزاحة القوى المسيطرة على مصائر الجماهير وتحقيق الأهداف العامة التي تسعى إلى الأفضل، وإذا كان ثوار يوليو قد تحركوا تلاحمًا منهم مع أحوال الشعب المصري، الذي كان يطالب علنًا بالثورة على الأوضاع وعلى الاحتلال وعلى الملك وعلى سائر الحكام الذين أخفقوا في سياساتهم وتطبيقاتها لخدمة الجماهير، فقد ناب هؤلاء الثوار عن الشعب في ترجمة طموح الشعب إلى إحداث التغيير الجذري الشامل».
وهنا نجد أن ما قاله الدكتور ثروت عكاشة ما هو إلا انعكاس للحالة الشعبية في تلك الفترة وسرد للحقائق؛ فقد كانت الغالبية العظمى من الشعب المصري تعاني الفقر والتهميش وعدم القدرة على دفع تكاليف التعليم، وكانت العدالة الثقافية وقتها غير مطروحة في الواقع الاجتماعي المصري، فكانت الثورة كما وصفها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر «ثورة شعب بأكمله»، لتبدأ فترة جديدة في حكم مصر ورسم السياسات الثقافية لبناء الوعي.
قصور الثقافة.. «منارات الوعي في عمق القرى والنجوع»كانت قمة تجليات العدالة الثقافية لثورة 23 يوليو هي تفكيك المركزية الثقافية في فترة الستينيات، من خلال إطلاق مشروع «الثقافة الجماهيرية»، لتنتشر قصور وبيوت الثقافة داخل قرى ومراكز ومحافظات مصر، من الإسكندرية إلى أسوان.
يقول ثروت عكاشة عن تلك النهضة الفكرية إن وزارة الثقافة قد عهدت إلى الربط في مشروعات الوزارة بين النظرة الإنسانية وبين النظرة القومية إلى الثقافة، والجمع بين التراث القديم والتطور الحديث، ورفع الحواجز بين طبقات المجتمع بتطوير الثقافة الإقليمية، وإتاحة الفرصة للتفاعل بين أفراد الشعب وبين الفن رفيع المستوى، وإتاحة الحرية للفنان. كما أعدت الوزارة في تلك الفترة خطة للعمل الثقافي ومنها إقامة المتحف المصري، ودار الأوبرا الحديثة، ودار الكتب الجديدة، ومطبعة حديثة، واستكمال بناء المسارح، ومدينة الفسطاط وغيرها من المشروعات التي أقيمت في إطار الخطة الخمسية.
فلم تكن هذه القصور مجرد مبانٍ حكومية، بل تحولت في الستينيات وما بعدها إلى مراكز تنويرية يومية؛ ففيها عرف الفلاح البسيط طريقه إلى المكتبات العامة والمطالعة مجانًا، وشاهد أبناء القرى لأول مرة عروضًا مسرحية وسينمائية حية في قراهم، كما لعبت هذه القصور دورًا حاسمًا في اكتشاف الموهوبين والمبدعين من قلب الريف المصري، وتدريبهم، وتقديمهم للحركة الفنية، مما جعل الثقافة أداة للترقي الاجتماعي.
النهضة المسرحية.. «مسرح لكل مواطن»عاشت مصر في الستينيات ما يُعرف بـ«العصر الذهبي للمسرح المصري»، وهي نهضة لم تشهدها المنطقة العربية من قبل، ولم تكن هذه النهضة فنية فحسب، بل كانت نهضة جماهيرية بامتياز تخدم العدالة الثقافية؛ حيث تأسست مسارح الدولة المتخصصة (المسرح القومي، والمسرح الحديث، ومسرح الحكيم، والمسرح الكوميدي)، ودعمت الدولة تذاكر المسرح لتصبح بأسعار رمزية للغاية، مما أتاح للعائلات والعمال والطلاب ارتياد المسارح بانتظام.
امتدت هذه النهضة لتشمل «المسرح المتجول» الذي كان ينتقل بفرق وممثلي العاصمة الكبار كجلال الشرقاوي وكرم مطاوع وغيرهما ليقدم العروض على مسارح قصور الثقافة في الأقاليم، ومصانع حلوان، والمواقع الإنتاجية، ليتلاحم الفن بالجمهور الحقيقي للثورة، وكان يتم إرسال الفنانين في بعثات خارجية، وحينما يعودون يذهبون بتجاربهم وعلمهم إلى القرى والمحافظات البعيدة عن العاصمة. ففي تلك الفترة لمعت نصوص كبار الكتاب مثل توفيق الحكيم، ونعمان عاشور، وسعد الدين وهبة، وألفريد فرج، ويوسف إدريس، والتي كانت تناقش قضايا وهموم المواطن البسيط، مما جعل المسرح مرآة للمجتمع.
أكاديمية الفنون.. الموهبة والكفاءة هما المعياركانت دراسة الفنون الرفيعة قبل الثورة تعتمد على البعثات الخارجية أو المعاهد المحدودة والمبادرات الفردية، وفي عام 1959، أصدرت الدولة قرارًا تاريخيًا بإنشاء «أكاديمية الفنون»، لتمثل صرحًا تعليميًا أكاديميًا فريدًا في الشرق الأوسط.
وضمت الأكاديمية: المعهد العالي للسينما، المعهد العالي للموسيقى (الكونسرفتوار)، المعهد العالي للمسرح، ومعهد الباليه. وكان فتح أبواب هذه المعاهد بالمجان للموهوبين من كافة الطبقات الاجتماعية بمثابة ثورة في حد ذاته؛ إذ لم يعد احتراف الفنون الرفيعة كالباليه أو الموسيقى الكلاسيكية أو الإخراج السينمائي حكرًا على من يملك المال، بل أصبحت «الموهبة والكفاءة» هي المعيار الوحيد للقبول. كما كان طلاب الأكاديمية هم العماد الرئيسى لفناني وممثلي مسارح الدولة، إذ كان يتم تعيينهم في الفرق المسرحية التابعة للدولة فور تخرجهم من المعهد، بما ضمن لهؤلاء الخريجين فرص عمل واستقرارًا ماديًا أتاح لهم العمل على تطوير مهاراتهم وموهبتهم.
عيد العلم.. الدولة تُكرم عقولها وتبجل مبدعيهافي إطار ترسيخ قيمة الفكر والثقافة، وضعت ثورة يوليو المثقف والأديب والعالِم في مقدمة الصفوف، وتجسد هذا التقدير الرفيع في الاحتفال السنوي بـ«عيد العلم»، الذي كان يحضره الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه، ليكون بمثابة تظاهرة وطنية لتكريم كبار الأدباء، والمفكرين، والفنانين، والعلماء.
في هذه الاحتفالات، كرمت الدولة قامات عظيمة مثل: طه حسين، وتوفيق الحكيم، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، والعقاد، ومنحتهم أرفع الأوسمة والجوائز التقديرية. هذا الاحتفاء الرسمي لم يكن مجرد تكريم لأشخاص، بل كان رسالة للمجتمع بأسره بأن القيمة الحقيقية للوطن تكمن في عقول مبدعيه، وأن الثقافة هي ركيزة أساسية للأمن القومي وبناء الدولة الحديثة.
الثورة والتنوير.. حينما أصبحت المعرفة والفنون «حقًا للجميع»المكتبات العامة.. سلاح المعرفة لكسر الاحتكار
لم تترك الثورة مواطنًا دون كتاب؛ فلأول مرة وضعت الدولة خطة ممنهجة لنشر المكتبات العامة في الأحياء الشعبية بالمدن الكبرى والمراكز بالمحافظات، وكانت هذه المكتبات تفتح أبوابها بالمجان لطلاب المدارس والجامعات لتوفير مصادر المعرفة.
وتكاملت هذه المكتبات مع مشروعات النشر العملاقة التي أطلقتها الدولة، ومنها مشروع «الألف كتاب» والذي كان من بين المشروعات الثقافية الأولى في عهد الثورة، والذي كان يهدف إلى نشر عدد كبير من الكتب المؤسسة والتي تمثل المراحل المختلفة من القديم إلى الحديث في شتى أنواع المعرفة، كما أنشأت أربع سلاسل أخرى ومنها سلسلة «تراث الإنسانية»، وقد تضمنت أمهات الكتب العربية والأجنبية التي أثرت الفكر العالمي والفكر العربي، والمؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر، والتي قامت بطباعة وترجمة أمهات الكتب الفكرية والعلمية والروايات العالمية، وبيعها بأسعار مدعومة وزهيدة جدًا، لتكسر الدولة بذلك احتكار المعرفة، وتجعل الكتاب متاحًا في يد العامل والطالب تمامًا كما هو في يد أستاذ الجامعة.
«عيد العلم» عندما كان عبدالناصر يتصدر المشهد لتكريم العقول وتبجيل المبدعين
وهكذا بقراءة المشهد الثقافي لثورة 23 يوليو نستطيع القول بأن «العدالة الثقافية» لم تكن مجرد شعار سياسي، بل كانت خطة عمل حقيقية وبنية تحتية صلبة تم تشييدها في فترة الستينيات، فمن قصور الثقافة بالقرى إلى خشبات المسارح المتجولة، ومن قاعات أكاديمية الفنون إلى منصات تكريم عيد العلم، أثبتت الثورة أن بناء المصانع والسدود لا يكتمل إلا ببناء الإنسان، وأن الثقافة الحقيقية هي تلك التي تولد من وجدان الشعب وتعود إليه كحق أصيل.