أظهرت خريطة السيطرة الأخيرة تحركات ميدانية متسارعة للجيش السوري غرب نهر الفرات، مع تمدد واضح من ريف حلب الشرقي نحو ريف الرقة الغربي، في تطور يعكس تغيرا مهما في خطوط النفوذ شمالي سوريا.

وتظهر خريطة تفاعلية، قدمها الزميل عبد القادر عراضة على شاشة الجزيرة، أن الجيش السوري يوسع سيطرته على مدن وبلدات رئيسية في ريف حلب الشرقي، أبرزها دير حافر ومسكنة والجفيرة، إلى جانب نحو 34 قرية وبلدة، في خطوة اعتبرتها دمشق "فرض سيادة الدولة" على تلك المناطق.

وتتجه السيطرة العسكرية الآن نحو محافظة الرقة، بعد إعلان الجيش دخوله بلدة دبسي عفنان في ريف الرقة الغربي، مما يشير إلى تحول في التقدم الذي بدأ من حلب، ويضع "لسانا" جديدا من النفوذ يمتد باتجاه الشرق.

وتعكس المعطيات أن هذا التقدّم جاء في سياق انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من مناطق غرب الفرات، وسط تأكيدات قوات الحكومة السورية بأنها لن تستهدف قوات "قسد" في أثناء انسحابها، وفق ما أعلنته هيئة العمليات.

وكانت "قسد" قد أعلنت سحب قواتها من دير حافر صباح السبت، بعد دعوات وسطاء ودول صديقة، في إطار ما وصفته بحسن النية لتنفيذ اتفاق العاشر من مارس/آذار، غير أن خطوات الانسحاب أثارت اتهامات متبادلة بخرق بنود الاتفاق.

وفي حين يؤكّد الجيش السوري تأمين خروج أكثر من 200 عنصر من "قسد" بسلاحهم الشخصي من دير حافر ومحيطها، اتهمت "قسد" دمشق بـ"خرق الاتفاق"، داعية القوى الدولية لضمان الالتزام ببنوده ومنع تفاقم الوضع.

تسارع وتيرة التقدم

وتعكس الخريطة الميدانية أن الجيش السوري لم يكتف بتوسيع سيطرته في ريف حلب، بل بسط نفوذه أيضا نحو الجهة الغربية من نهر الفرات، مع دخول أرتاله إلى ريف الرقة الغربي، في مؤشر على تسارع وتيرة التقدم.

ويسلط هذا التوسع الضوء على دير حافر كمحور أساسي في تغيير معادلة السيطرة، إذ مثلت العقدة التي ربطت تقدم الجيش نحو الداخل، قبل أن يتجه إلى محافظة جديدة، وتحديدا مناطق قريبة من مدينة الطبقة.

إعلان

ومن جهة أخرى، أعلنت مصادر عسكرية سورية دخول وحدات من الأمن الداخلي إلى دير حافر بعد انسحاب "قسد"، في محاولة لملء الفراغ الأمني، بينما أعلن الجيش أيضا سيطرته على مطار الجراح العسكري في ريف حلب الشرقي.

وتتزامن هذه التحركات مع دعوات الجيش السوري للمدنيين بعدم دخول المناطق التي تم السيطرة عليها حتى الانتهاء من إزالة الألغام والمخلفات الحربية، في ظل مخاطر متعلقة بسلامة السكان.

في سياق متصل، قال الجيش السوري إن جنديين قُتلا إثر استهداف دورية قرب مسكنة، متهما "قسد" بخرق الاتفاق، في حين حمّلت "قسد" الحكومة السورية مسؤولية التصعيد، منددة بخروقات بنود الاتفاق المتفق عليه برعاية دولية.

وتقدم الخريطة، بهذا المشهد الجديد، قراءة بصرية لتسارع تقدم الجيش السوري، وتحوّل نقاط النفوذ من نطاق محصور في ريف حلب إلى امتداد يتجه نحو ريف الرقة، ما يعيد رسم خطوط السيطرة في شمال سوريا.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الجیش السوری فی ریف حلب ریف الرقة دیر حافر

إقرأ أيضاً:

تحالف الجنرالات.. الحرس الثوري يستكمل السيطرة على إيران من الداخل

كشف تحليل نشرته صحيفة "التلغراف" البريطانية عن تحولات متسارعة داخل هرم السلطة الإيرانية، مع بروز تحالف جديد بين قيادات نافذة في الحرس الثوري، في مؤشر على أن المؤسسة العسكرية والأمنية باتت تمضي بخطوات متقدمة نحو إحكام قبضتها على القرار السياسي في البلاد، في مرحلة تتسم بقدر كبير من الغموض والارتباك عقب مقتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي واستمرار غياب خليفته مجتبى خامنئي عن المشهد العام.

ويرى التحليل، الذي أعده الباحثان كسرى عرابي وسعيد غولكار من منظمة "متحدون ضد إيران النووية"، أن التطورات الجارية داخل إيران لا تقتصر على إعادة توزيع النفوذ بين شخصيات متنافسة، بل تعكس تحولاً أعمق في طبيعة النظام نفسه، يتمثل في انتقال تدريجي من نموذج الجمهورية الدينية التي تستند إلى المؤسسات العقائدية التقليدية، إلى نموذج الدولة الأمنية التي يديرها الحرس الثوري بصورة مباشرة.

تحالف جديد 

وبحسب التحليل، فإن الأنظار الغربية انشغلت خلال الأشهر الماضية بشخصيات سياسية بارزة مثل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، باعتباره أحد المرشحين لقيادة المرحلة المقبلة، غير أن الوقائع داخل إيران تشير إلى أن مراكز النفوذ الحقيقية تتحرك في اتجاه مختلف تماماً.

ويؤكد أن القائد العام للحرس الثوري أحمد وحيدي بات يمثل أحد أبرز أقطاب السلطة في طهران، إلا أن تثبيت نفوذه داخل المؤسسة العسكرية يتطلب بناء قاعدة ولاء أوسع، وهو ما دفعه إلى تعزيز شراكته مع القائد السابق للحرس الثوري محمد علي جعفري، الذي لا يزال يحتفظ بنفوذ واسع داخل شبكات الحرس والباسيج، خصوصاً بين الأجيال الشابة الأكثر تشدداً أيديولوجياً.

ويرى الباحثان أن هذا التحالف يجمع بين القوة العسكرية المباشرة التي يمتلكها وحيدي، والقدرة التنظيمية والتعبوية التي يتمتع بها جعفري، ما يجعله واحداً من أخطر التحالفات التي شهدها النظام الإيراني خلال السنوات الأخيرة.

ويشير التحليل إلى أن هذا التقارب بين وحيدي وجعفري لا ينفصل عن الصراع الدائر داخل أجنحة الحرس الثوري، حيث يبدو أن قاليباف بات الخاسر الأكبر في معركة النفوذ الحالية.

فالرجل الذي شغل مناصب أمنية وعسكرية وسياسية بارزة لعقود، يواجه انتقادات متزايدة داخل أوساط الحرس الثوري بسبب ملفات فساد قديمة، فضلاً عن الجدل الذي أثارته أنشطة أفراد أسرته في الخارج، وهو ما أضعف صورته أمام التيارات العقائدية المتشددة التي تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها حامية للمبادئ الثورية.

ووفقاً للتحليل، فإن الأجيال الجديدة داخل الحرس الثوري لم تعد تنظر إلى قاليباف باعتباره رمزاً للثورة أو قائداً يمكن الوثوق به، بل باعتباره جزءاً من النخبة التقليدية التي استفادت من السلطة والنفوذ على حساب الشعارات التي يرفعها النظام.

الحلقة الوسطى

ويولي التحليل أهمية خاصة للدور الذي يلعبه محمد علي جعفري من خلال ما يعرف بـ"مقر بقية الله"، وهو جهاز يوصف بأنه من أكثر المؤسسات نفوذاً وغموضاً داخل إيران.

فمنذ سنوات، عمل جعفري على بناء شبكة واسعة من المجموعات العقائدية والتنظيمية المرتبطة بالحرس الثوري والباسيج، تحت ما يسمى مشروع "الحلقة الوسطى"، الذي يهدف إلى تعبئة مئات الآلاف من العناصر الشابة وتوجيهها سياسياً وأيديولوجياً.

ويشير التحليل إلى أن هذه الشبكة لا تقتصر وظيفتها على التعبئة الفكرية، بل تستخدم أيضاً للتأثير على الانتخابات والقرارات السياسية وتوجيه الرأي العام داخل المجتمع الإيراني، الأمر الذي منح جعفري نفوذاً يتجاوز حدود المناصب الرسمية.

ويرى معدّا التقرير أن وحيدي يحتاج اليوم إلى هذه الشبكة المنظمة لتوسيع نفوذه وترسيخ موقعه داخل الحرس الثوري، فيما يجد جعفري في هذا التحالف فرصة لاستعادة دوره المركزي في صناعة القرار الإيراني.

ويحذر التحليل من أن التحالف المتنامي بين الرجلين قد يؤدي إلى تسريع عملية عسكرة الدولة الإيرانية، بحيث تصبح المؤسسات المدنية أكثر ضعفاً أمام تمدد نفوذ الحرس الثوري.

ففي الوقت الذي تواجه فيه إيران أزمات اقتصادية خانقة وتراجعاً في مستوى المعيشة وتصاعداً في الاحتجاجات الشعبية، تميل النخب العسكرية المتشددة إلى التعامل مع هذه التحديات من منظور أمني بحت، يقوم على فرض السيطرة وتوسيع أدوات الرقابة والقمع بدلاً من البحث عن حلول سياسية أو اقتصادية.

ويعتقد الباحثان أن هذه المقاربة قد تدفع النظام نحو مزيد من التشدد الداخلي، خصوصاً في مواجهة أي حراك شعبي مستقبلي، مع تنامي دور الأجهزة الأمنية والعسكرية في إدارة الشأن العام.

تداعيات إقليمية ودولية

ولا يقتصر أثر هذه التحولات على الداخل الإيراني فحسب، إذ يرى التقرير أن صعود الفصائل الأكثر تشدداً داخل الحرس الثوري قد ينعكس بشكل مباشر على سياسة طهران الخارجية.

فبحسب التحليل، ينظر هذا التيار إلى المواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها باعتبارها جزءاً من هوية النظام وأداة لترسيخ النفوذ الإقليمي، وليس مجرد ملف سياسي يمكن التفاوض بشأنه أو احتواؤه.

ومن شأن تعزيز نفوذ الحرس الثوري داخل مراكز القرار أن يمنح الأولوية للأدوات العسكرية والأمنية في إدارة الملفات الإقليمية، بما في ذلك دعم الجماعات المسلحة الحليفة لإيران في المنطقة وتوسيع أنشطتها.

وخلص التحليل إلى أن تجاهل الغرب للتحولات الجارية داخل الحرس الثوري قد يؤدي إلى سوء تقدير لطبيعة السلطة الجديدة التي تتشكل في طهران، خصوصاً إذا نجح تحالف وحيدي وجعفري في ترسيخ هيمنته على مؤسسات الدولة.

ويرى الباحثان أن إيران تتجه نحو مرحلة يكون فيها الحرس الثوري اللاعب الأكثر تأثيراً في تحديد السياسات الداخلية والخارجية، الأمر الذي قد يجعل النظام أكثر انغلاقاً في الداخل وأكثر تشدداً في الخارج.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو طهران مقبلة على مرحلة جديدة من إعادة هندسة السلطة، عنوانها الأبرز صعود الجنرالات وتراجع دور المؤسسات المدنية، بما يعمق تحول الجمهورية الإسلامية إلى دولة أمنية يقودها الحرس الثوري بصورة شبه كاملة.

مقالات مشابهة

  • علاء رجب: مرض الحب يفقد العقل السيطرة على القلب
  • البيت الأبيض يغلق أبواب التأشيرات.. وإقصاء النساء والأقليات من مواقع النفوذ
  • هل يستبدل ترامب الأمم المتحدة بـ "مجلس السلام"؟.. شاهد
  • لولا وجودي لكنت في السجن .. الإعلام الإسرائيلي : أزمة ترامب ونتنياهو تكشف صراع النفوذ خلف الكواليس
  • السيطرة على حريق بمصنع تحت الإنشاء في العبور
  • قوات الاحتلال تتوغل في ريف القنيطرة السوري وتعتقل شابًا من قرية عين زيوان
  • الخريطة الصحية في الجزائر واستحداث 20 ألف مؤسسة ناشئة..محور نقاش اجتماع الحكومة
  • محافظ الأنبار من القائم والرمانة: الوضع المائي تحت السيطرة
  • ماذا وراء تعيين توماس باراك لدمشق وبغداد؟
  • تحالف الجنرالات.. الحرس الثوري يستكمل السيطرة على إيران من الداخل