موتسيبي.. الرجل الأقوى في أفريقيا يقترب من رئاسة الفيفا!
تاريخ النشر: 17th, January 2026 GMT
معتز الشامي (أبوظبي)
قبل أن تلتقط الكرة الأفريقية أنفاسها من زخم كأس الأمم، جاء القرار الأكثر إثارة للجدل: البطولة ستتحول من نظام «كل عامين» إلى «كل أربعة أعوام» بعد نسخة 2028.
إعلان صدر في توقيت حساس، عشية الافتتاح في الرباط، ما جعل رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «كاف» باتريس موتسيبي في قلب عاصفة جديدة، يتقاطع فيها التنظيم الرياضي مع موازين النفوذ والسياسة والاقتصاد.
موتسيبي، الذي اعترف بنفسه أن القرار «خلافي»، وجد نفسه أمام انتقادات اعتبرت أن «كاف» استغل ضجيج البطولة الحالية كستار لتمرير خطوة مصيرية، في وقت لم تظهر فيه مؤشرات مسبقة على هذا التحول.
لكن المفاجآت ليست جديدة على الرجل الذي صنع صعوداً غير تقليدي في عالم كرة القدم، تماماً كما صنع ثروته خارج الملاعب، فالرئيس الجنوب أفريقي للكاف، والذي سيتجاوز الثالثة والستين بنهاية الشهر، ليس مسؤولاً رياضياً تقليدياً، بل هو محامٍ مؤهل، ورجل أعمال تمكن من تحويل منجم متعثر إلى إمبراطورية مالية، ليصبح أول ملياردير من أصحاب البشرة السمراء في تاريخ جنوب أفريقيا.
وفي العمل كما في الإدارة الرياضية، رُسمت عنه صورة «المُغامر المحسوب» القادر على اقتناص الفرص ورؤية الفجوات قبل الآخرين.
وإذا كان منصب رئاسة كاف هو الأعلى لجنوب أفريقي في تاريخ اللعبة بالقارة، فإن الحديث داخل بلاده لا يتوقف حول «التحدي التالي»، حتى عندما نفى في وقت سابق فكرة الدخول في السياسة وقيادة «المؤتمر الوطني الأفريقي» أو الترشح لرئاسة الدولة، لم يتوقف الجدل، خصوصاً أن الرجل معروف بتبديل موقفه عندما يقتنع بأن الوقت حان.
واللافت أن موتسيبي لم يندفع أصلاً نحو رئاسة كاف بسهولة. وفق روايات داخل جنوب أفريقيا، احتاج لإقناع كبير للترشح بسبب السمعة المتدهورة التي ورثها الاتحاد الأفريقي «ديون ضخمة، صراعات داخلية، وملفات نزاهة شوهت صورة المؤسسة». وكان يرى أنه دفع بالفعل ثمناً مالياً ومعنوياً عبر استثماراته في نادي ماميلودي صن داونز الذي أعاد بناءه منذ عام 2004.
لكن رحلته نحو القمة تسارعت بشكل لافت في نهاية 2020 وبداية 2021، لتتراجع بقية الترشيحات واحداً تلو الآخر، وعلى السطح، بدا الأمر منطقياً، ملياردير لا يحتاج المنصب، يمتلك نجاحاً كروياً، ويتحدث عن الإصلاح والحوكمة. إلا أن الوجه الآخر للقصة ظل حاضراً، علاقته الوثيقة برئيس فيفا جياني إنفانتينو، الذي يحتاج دائماً إلى دعم اتحادات أفريقيا (54 اتحاداً تمثل أكثر من ربع أصوات فيفا) لضمان النفوذ والاستمرارية، من هنا تشكلت فرضية «الثنائية» في إدارة كرة أفريقيا، وتعمقت عندما تولى فيرون موسينجو-أومبا منصب الأمين العام لكاف، وهو شخصية ترتبط بعلاقة دراسية ومهنية سابقة بإنفانتينو.
ومع مرور الوقت، استطاع موتسيبي تحويل كاف إلى مؤسسة أكثر انضباطاً وسلاسة، وبدأ الحديث عن أرباح معلنة لأول مرة منذ سنوات، مدفوعة باتساع العوائد التجارية والرعاة وتطبيق رقابة مالية أكثر صرامة.
غير أن قرار تقليص تكرار أمم أفريقيا يفتح باباً لأسئلة أكبر: هل يزداد اهتمام الرعاة أم يتراجع؟ هل تتضرر مكانة البطولة على الروزنامة العالمية؟ وهل يستطيع «كاف» تقديم بديل جذاب مثل «دوري الأمم الأفريقية» الذي طُرح كمشروع سنوي يمنح المنتخبات حضوراً مستمراً؟.
وبينما يواصل موتسيبي إعادة تشكيل المشهد، يتصاعد سؤال آخر بصوت أعلى: هل يصبح الرجل الأقوى في أفريقيا مرشحاً مستقبلياً لقيادة فيفا؟ قد لا يكون الجواب قريباً، لكن المؤكد أن موتسيبي بات رقماً محورياً في معادلة كرة القدم العالمية، وأن قراراته لم تعد تخص القارة وحدها، بل تمتد إلى ما يشبه تمهيد الطريق نحو«عرش أكبر» في اللعبة. أخبار ذات صلة
المصدر
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: باتريس موتسيبي إنفانتينو كأس الأمم الأفريقية
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026