ملتقى المرأة بالجامع الأزهر: شهر رجب يؤسس لثقافة السلام ولا يكتفي بتحريم القتال
تاريخ النشر: 18th, January 2026 GMT
عقد الجامعُ الأزهرُ الشريف ندوته الأسبوعية ضمن فعاليات ملتقى المرأة، تحت عنوان «رجب رسالةُ السلامِ إلى العالمين» وذلك بحضور فريدة محمد علي أستاذة البلاغة والنقد عميدة كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالقاهرة بجامعة الأزهر، وسوسن حسانين الهدهد أستاذة أصول اللغة ووكيلة الدراسات العليا والبحوث بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات القاهرة، وحياة العيسوي الباحثة بالجامع الأزهر.
وأوضحت فريدة محمد علي، إنَّ شهرَ رجبٍ يُمثِّلُ محطةً روحيةً ذاتَ دلالةٍ كونيةٍ، يتجلّى فيها السلامُ مبدأً مؤسِّسًا في الوعي الإسلامي، لا شعارًا عابرًا، فرجبُ ـ بوصفه من الأشهر الحُرُم ـ لا يكتفي بتحريم القتال حكمًا فقهيًّا، بل ينهض خطابًا أخلاقيًّا وبلاغيًّا يُرسِّخ منطقَ الكفِّ والسِّلم، ويُعيد تنظيم علاقة الإنسان بذاته وبالآخر وبالكون.
وبيَّنت - في بيان اليوم - أنَّ السلامَ في الإسلام أصلٌ تشريعيٌّ ومقاصديٌّ، يتبدّى في التحية، ويتجسَّد في اسم الله "السلام" وتقوم عليه مقاصدُ الشريعة في حفظ الضروريات، ويأتي شهرُ رجبٍ ليُفعِّل هذا المعنى في الوجدان المجتمعي، مؤكِّدًا أنَّ الأمانَ سابقٌ على الصدام، وأنَّ العدوانَ طارئٌ لا قاعدة.
وأضافت أستاذة البلاغة والنقد "يحمل رجبُ قيمةً رمزيةً عميقةً لاتصاله بحادثة الإسراء والمعراج، حيث تتجلّى حكمةُ المعراج: صعودٌ روحيٌّ يعقبه هبوطٌ قيميٌّ لإصلاح الواقع، فيغدو الشهرُ رمزًا لسلامٍ يبدأ من تطهير الداخل ثم يمتدُّ إلى العالم. ويمارس شهرُ رجبٍ وظيفةً تربويةً تمهيدية، يُهيِّئ النفسَ لاستقبال شعبان ثم رمضان، في انتقالٍ متدرِّجٍ من السلام السلبي إلى السلام الإيجابي، وبذلك لا يكون رجبُ مجرَّد شهرٍ في التقويم، بل رسالةَ سلامٍ زمنية، وتدريبًا أخلاقيًّا، وتأكيدًا على أنَّ جوهرَ الرسالة المحمدية رحمةٌ شاملةٌ موجَّهةٌ إلى العالمين".
من جانبها، أشارت سوسن حسانين الهدهد، إلى أنَّه من فضل الله تعالى على عباده أن اصطفى لهم مواسمَ خيرٍ وبركةٍ، تُضاعَف فيها الحسنات، ويُتجاوز فيها عن السيئات، قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾، وقال ﷺ: «إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، أَلَا فَتَعَرَّضُوا لَهَا». ومن هذه المواسم الإيمانية الأشهرُ الحُرم التي تحمل رسالةَ سلامٍ للإنسانية كلها، لأنَّ الإسلامَ دينُ السلام، لا يدعو أبدًا لقتال ولا لسفك دماء، بل يجنح إلى السِّلم ويؤكِّد عليه.
وبيَّنت أنَّ الأشهرَ الحُرم قد أوضحها الله تعالى في كتابه العزيز، ولها حرمةٌ ومكانةٌ وقداسةٌ، وتعظيمها يقتضي الكفَّ عن كل ألوان التطرف والإرهاب وسفك دماء الآمنين أو ترويعهم، كما يقتضي الإقبالَ على الله تعالى بكثرة الطاعات. وقد كان العربُ في الجاهلية يعظِّمون هذه الأشهر، حتى إنَّ الرجلَ كان يلقى قاتلَ أبيه فلا يمدُّ يده إليه. وشهرُ رجبٍ من الترجيب، أي التعظيم، وكانوا يسمُّونه «الأصم»، لعدم سماع قعقعة السلاح فيه، وكانوا يسمونه: «مُنصِلَ الأسِنَّة».
وأوضحت أنَّ سرَّ كون الأشهر الحُرم أربعة: ثلاثةٌ سَرْدٌ وواحدٌ فرد، أنَّها شُرعت لتحقيق الأمان للناس في أداء مناسك الحج والعمرة، فحُرِّم القتال في ذي القعدة تمهيدًا للحج، وفي ذي الحجة لانشغال الناس بالمناسك، وفي المحرم ليعودوا إلى ديارهم آمنين، بينما حُرِّم في رجب ليجدد الإنسان عهده وتوبته مع الله، ويتهيأ تهيئةً إيمانيةً خالصة، ولذا كان رجبُ شهرَ الزرع، وشعبانُ شهرَ السقي، ورمضانُ شهرَ الحصاد.
واختتمت حديثها بالتأكيد على ضرورة استحضار سماحة الإسلام وغايته العظمى في تحقيق السلام والأمان، فدينٌ يحرم القتال وانتهاك الحرمات في ثلث العام إنما يريد أن يأمن الناس على حياتهم وأموالهم وأعراضهم. ويُعَدُّ شهرُ رجبٍ رسالةَ سلامٍ إلى العالمين، يدعو المسلمَ إلى تجديد توبته، والتقرُّب إلى الله تعالى بأنواع الطاعات، وإلى محبة الخير للآخرين، ونبذ العدوان، وهو منهجٌ نبويٌّ دعا إليه المصطفى ﷺ.
وفي السياق ذاته، أكدت الدكتورة حياة العيسوي الباحثة بالجامع الأزهر، أنَّ الإسلامَ دينُ السلمِ والسلامِ والأمنِ والأمان، حيث حُرِّم القتالُ في الأشهرِ الحُرم، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾، وقد سُمِّيَ شهرُ «رجبٍ الأصم»، لأنَّه لا يُسمَعُ فيه صوتُ السلاح، إلّا إذا داهم العدوُّ الأوطان، فيُفرَض القتالُ حينئذٍ دفاعًا عن النفس والأهل والمال والوطن.
ودعت الباحثة بالجامع الأزهر إلى الالتزام بالوصايا التي أرشد إليها الدينُ الحنيف، وفي مقدمتها كفُّ النفسِ عن المعاصِي والفواحشِ والمنكراتِ، واغتنامُ مواسم الخير، مستشهدةً بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ».
اقرأ أيضاًشيخ البلاغيين أبو موسى يُتوج بجائزة الملك فيصل العالمية
حصاد 2025.. «البحوث الإسلامية»: مِنح علمية وبعثات دعوية ترسخ عالمية الأزهر
احتفالية الجامع الأزهر لتوزيع جوائز مسابقة بنك فيصل لحفظ القرآن الكريم
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: الجامع الأزهر ثقافة السلام شهر رجب فعاليات ملتقى المرأة ملتقى المرأة بالجامع الأزهر بالجامع الأزهر الله تعالى م القتال
إقرأ أيضاً:
علي الدين هلال: مكتسبات ثورة 23 يوليو لا تزال حاضرة في المجتمع
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
كشف الدكتور علي الدين هلال، أستاذ العلوم السياسية، أبرز ما تبقى من إرث ومكاسب ثورة 23 يوليو، معلقًا: ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية القوية المتدخلة، وتكريس قيم المواطنة والكرامة، وتمكين المرأة سياسيًا، معتبرًا أن هذه المكتسبات لا تزال حاضرة في المجتمع.
وقال علي الدين هلال خلال حواره مع الإعلامي حمدي رزق ببرنامج نظرة على قناة صدى البلد، إن الدولة الوطنية المتدخلة تعني أن تكون الملاذ الأول للمواطن عند مواجهة المشكلات، موضحًا أن المصريين اعتادوا النظر إلى الدولة باعتبارها الجهة القادرة على التدخل لحل الأزمات، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية.
وأشار إلى أن دور الدولة لا يقتصر على الملفات الأمنية والسياسية، وإنما يمتد إلى القضايا المجتمعية، مستشهدًا بتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن الحد من مشاهد العنف والألفاظ غير اللائقة في بعض الأعمال الفنية، وكذلك حديثه عن تأثير الاستخدام المفرط للكمبيوتر على الأطفال، مؤكدًا أن مثل هذه المواقف تستند إلى دراسات وتقارير تعكس اهتمامات المجتمع.
وأكد أن الثورة مثلت نقطة انطلاق حقيقية لتحرر المرأة سياسيًا، مشيرًا إلى أن دستور عام 1956 منح المرأة لأول مرة حق الانتخاب والترشح، قبل أن تدخل أول نائبات إلى البرلمان في انتخابات عام 1957، كما شهدت مصر تعيين أول وزيرة، وهي الدكتورة حكمة أبو زيد، في خطوة وصفها بأنها كانت بداية حقيقية لتمكين المرأة في الحياة العامة.
واختتم هلال حديثه بالتأكيد على أن أهم ما رسخته ثورة يوليو هو مفهوم المواطنة، قائلاً إن المواطن أصبح يُنظر إليه باعتباره صاحب حقوق دستورية، وهو ما أسهم في ترسيخ فكرة المساواة والكرامة في الوعي المصري.