أكد الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن عالمنا المعاصر يشهد تحولات عميقة ومتسارعة في بنية العمل وطبيعة المهن، في ظل الطفرة غير المسبوقة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يستدعي تأصيل الرؤية القيمية والأخلاقية للمهن، وربط التقدم التقني بالمقاصد الإنسانية الكبرى، حتى لا ينفصل التطور عن الضوابط، ولا تتحول الوسائل إلى غايات على حساب الإنسان وكرامته.

مفتي الجمهورية يستقبل رئيس اللجنة الشرعية بالمجلس الأوروبي الإسلامي لبحث سُبل التعاون المشترك مفتي الجمهورية يستقبل وزير الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عمان

جاء ذلك خلال كلمة بالمؤتمر الدولي السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية التابع لوزارة الأوقاف، والمنعقد برعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، تحت عنوان: «المهن في الإسلام أخلاقياتها ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي»، بحضور عدد من الوزراء والقيادات الدينية  والفكرية من مختلف دول العالم.

وأشار مفتي الجمهورية إلى أن انعقاد هذا المؤتمر يأتي انطلاقًا من المسؤولية الدينية والعلمية، لفتح باب النقاش العلمي الرصين حول «المهن في الإسلام أخلاقياتها وأثرها ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي»، سعيًا إلى إبراز المنهج الإسلامي المتوازن في النظر إلى العمل بوصفه عبادة، وإلى المهنة باعتبارها أداة لعمارة الأرض وتحقيق الاستخلاف، وبناء الإنسان القادر على التفاعل الإيجابي مع معطيات العصر دون تفريط في القيم أو إخلال بالثوابت، مشددًا  على أن استشراف مستقبل المهن لا يمكن أن يكون بمعزل عن الأخلاق، ولا عن التشريع الراشد، ولا عن الضمير الإنساني الحي، مؤكدًا أن تكامل هذه العناصر هو الضامن لصيانة المهن، وتحقيق التوازن في مساراتها، وبناء مستقبل مهني يليق بالإنسان ورسـالته في هذا الوجود، موضحًا أن التطور التقني، على أهميته، لا يغني عن بناء الإنسان، ولا يعوض غياب الكفاءة الأخلاقية، ولا يبرر تجاوز الضوابط القيمية؛ إذ إن أعظم ما يملكه الإنسان في سوق العمل المتغير هو إنسانيته ووعيه وقدرته على التمييز بين ما ينفع وما يضر؛ مؤكِّدًا أن إعداد الكوادر المهنية في عصر الذكاء الاصطناعي يجب أن يقوم على الجمع بين التمكين المعرفي والتقني، والتأهيل الأخلاقي والسلوكي، حتى تظل المهن أداة للبناء والرُّقي، لا وسيلة للإضرار أو التهميش أو الإخلال بقيم العدالة والكرامة الإنسانية، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]، مبينًا أن عمارة الأرض مقصد أصيل من مقاصد الشريعة، وأن المهنة كانت سمة ثابتة في حياة الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: 20]، أي يطلبون المعايش بالتجارة والصناعة وسائر وجوه الكسب المشروع، كما قرره الإمام القرطبي في تفسيره.

وأوضح مفتي الجمهورية أن المهن شكَّلت لبنةً أساسية في تشييد العمارة الإسلامية على مر العصور، إذ استخدمها المسلمون وسيلةً للتعبير عن هويتهم المتميزة بين الأمم، باعتبارها وعاءً حضاريًّا يعكس الهُوية البصرية، والمستوى الجمالي، والقدرة الإبداعية للإنسان؛ إذ إن المهن كانت -ولا تزال- ركيزةً حيوية للتنمية المستدامة، انتقلت عبر الأجيال جيلًا بعد جيل دون أن تفقد قيمتها أو ينال منها نقصان، معبرةً عن توازن دقيق بين العمارة المادية والحضارة المعنوية في آنٍ واحد، مبيِّنًا فضيلته أن المسلمين استخدموا هذه المهن في تشييد منجزاتهم الحضارية والعمرانية، من تخطيط المدن وبنائها، وإقامة المساجد والمدارس والقصور ودور السكنى، إلى بناء القلاع والحصون والمعسكرات، وإنشاء الأسواق التجارية المظللة المحفوظة بالأبواب والحراسة، وتعبيد الطرق ورصفها، وبناء الجسور والقناطر، وإنشاء الأبراج للمراقبة والمنارات البحرية للسفن، فضلًا عن مد قنوات المياه والقساطل التي أوصلت المياه إلى المنازل والمساجد. وهذه المنجزات جعلت المدن التي طال حكم المسلمين فيها، في مشارق الأرض ومغاربها، مقصدًا لمتتبعي الآثار العمرانية العظيمة، الذين يقصدونها للتصوير والتعريف بعظمتها، وبيان تفوق مهندسيها في الإتقان الهندسي، وجودة البناء العمراني، ودراسة الفنون المعمارية التي تميزت بها. مضيفًا أن متتبِّعي الآثار والسياح لا يزالون حتى اليوم ينبهرون بما تحمله العمارة الإسلامية من نقوش وزخارف وجماليات بديعة رائقة، مؤكدًا أن هذا الإرث الحضاري إنما تحقق، بعد توفيق الله، بجهود أصحاب المهن المتنوعة الذين أسهموا في صناعة هذا الجمال والإبداع. ومن أراد الشاهد والدليل، فما عليه إلا أن يطوف في مصر الحبيبة، حيث يجد من الآثار والمعالم العمرانية ما تقر به العين، وما يدهش له العقل، ويجسد عظمة الحضارة الإسلامية وعمقها المهني والإنساني. وقد برع المسلمون عامة في مهن متنوعة عكست ذوقهم الرفيع وقدرتهم الإبداعية، وفي مقدمتها: الخط العربي، وفنون الزخرفة، والصناعات الزجاجية، وصناعة النسيج، وغيرها من الصناعات المهنية التي أسهمت في تشكيل الهُوية الحضارية والجمالية للأمة.

و بيَّن المفتي أن مهنًا أخرى ذات طابع علمي وخدمي كان لها دور محوري في ترسيخ دعائم الحضارة الإسلامية، وعلى رأسها مهن الطب والصيدلة والتمريض والهندسة والحساب والفلك، مؤكدًا أن هذه المهن لم تكن مجرد أنشطة تقنية منفصلة، بل شكَّلت منظومة معرفية متكاملة ارتبطت بخدمة الإنسان، وحفظ نفسه وعقله، وأسهمت في قيام المستشفيات ودُور العلاج، ومراصد الفلك، ومراكز الترجمة والعلم، التي غدت منارات حضارية يقصدها طلاب العلم من شتى بقاع الأرض، وأسهمت بدَور فاعل في نقل المعرفة الإنسانية وتطويرها، حتى أصبحت الحضارة الإسلامية مرجعًا علميًا عالميًا لقرون متطاولة.

وذكر مفتي الجمهورية أن مهن الإدارة والقضاء والكتابة والوراقة والترجمة والنسخ والدواوين كان لها أثر بالغ في تنظيم شؤون الدولة الإسلامية، وضبط معاملاتها، وحفظ حقوق الناس، وتدوين العلوم والمعارف، ونقلها عبر الأجيال؛ موضحًا أن الكتَّاب والورَّاقين أسهموا في حفظ التراث العلمي والفقهي والفكري، في حين أسهم القضاة وأهل الفتوى في إرساء العدل وترسيخ سيادة النظام، وربط السلطة بالقيم، وهو ما أرسى توازنًا حضاريًّا فريدًا جمع بين القوة والتنظيم من جهة، والعدل والأخلاق من جهة أخرى، فكانت الحضارة الإسلامية حضارة بناء وعمران، وحضارة إنسان وقيم في آنٍ واحد. وانعكاسًا لهذا التكامل بين العِلم والتنظيم والقيم -بحسْب مفتي الجمهورية- تجد المعالم والآثار والمساجد التاريخية لا تزال شاهدة على إبداع المهن وجمالها، بما تحمله من بساطة ونظافة، وما تتجلى فيه من فنون الزخرفة على المنابر والمحاريب، ومن أعمدة وأقواس وقباب ومآذن بأشكال جمالية متنوعة مضيفًا أن  المهن تمثل رافدًا أساسيًّا من أهم الروافد المالية والاقتصادية التي اعتمدت عليها الدول والحضارات عبر التاريخ، وأسهمت في تحقيق الاستقرار والنماء، لافتًا إلى أن المهن كانت العامل الرئيس في نقل الإنسان من حياة الكهوف والبداوة إلى حياة القصور والتحضر، وأسهمت في إثراء التنوع الحضاري والعمراني في الأرض، من خلال ما قدمته من فنون وزخارف وصناعات أسهمت في الارتقاء بالذوق الإنساني وصناعة الجمال. ولذلك، فقد اهتم الفكر الإسلامي، عبر تاريخه، بتدوين أخلاقيات المهن بوصفها قيمة حضارية أصيلة، وجزءًا لا يتجزأ من منظومة البناء الإنساني، وهو ما تجلَّى في عدد من المؤلفات التراثية التي أرست قواعد الممارسة المهنية المنضبطة، وربطت بين الإتقان والمسؤولية، وبين العمل والقيم، من بينها كتاب الملوك لأبي منصور الثعالبي، وتذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم لابن جماعة، وأخلاق الطبيب لمحمد بن زكريا الرازي، وغيرها من المصنفات التي عكست وعيًا مبكرًا بأهمية البعد الأخلاقي في مختلف المهن.

وفي هذا السياق، أكد المفتي أن التطور السريع والمتلاحق في مجال الذكاء الاصطناعي، وما أحدثه من تحولات جذرية في طبيعة العمل ومعالم المهن والحرف، أفرز مخاوف لدى بعض العاملين من تراجع أدوارهم أو اندثار مهنهم، في ظل تصنيف متداول للمهن بين يدوية مهارية، وإبداعية قائمة على الحكم واتخاذ القرار، وتقنية مرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مشددًا على أن القيم الأخلاقية تظل عنصرًا حاكمًا في جميع هذه الأنماط، وأن القيم الدينية تمثل مرجعية أساسية في توجيه الممارسة المهنية والحفاظ على بعدها الإنساني، وأن التحدي الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يتمثل في التقنية ذاتها، وإنما في كيفية إدارتها والإطار القيمي والأخلاقي الذي يحكم توظيفها، وأنَّ التقنيات مهما بلغت من التطور تظل مجرد أدوات، بينما يظل الإنسان هو الغاية والمقصد، والمسؤول الأول عن توجيهها بما يحقق النفع ويدرأ الضرر ويحفظ الكرامة الإنسانية.

وفي ختام كلمته، شدَّد مفتي الجمهورية على أن الخطاب الديني والإفتائي مطالب اليوم بمزيد من الوعي والتجديد المنضبط، القائم على الفهم العميق للواقع وتحولاته، مع الثبات على الأصول والمقاصد، بما يسهم في ترسيخ أخلاقيات المهن وتوجيه مسارها لخدمة الإنسان والمجتمع، وتحقيق مقاصد الشريعة في العمران والإصلاح سائلًا المولى تبارك وتعالى أن يبارك أعمال هذا المؤتمر، وأن تسهم مخرجاته في بناء وعي مهني أخلاقي رشيد، يواكب متطلبات العصر، ويصون القيم، ويدعم صناعة مستقبل أكثر عدلًا وإنسانية.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: مفتي الجمهورية نظير محمد عياد الدكتور نظير محمد عياد الإفتاء الخطاب الديني الذكاء الاصطناعي فی عصر الذکاء الاصطناعی الحضارة الإسلامیة مفتی الجمهوریة

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • أكثر أهمية من زيزو .. «ميدو» يُطالب الأهلي بتجديد عقد حسين الشحات
  • مقرب منه: المرجع الديني الفياض يخضع للمراقبة الطبية في إحدى المستشفيات
  • منتدى أبوظبي للسلم والأكاديمية البابوية للحياة بالفاتيكان يبحثان تعزيز التعاون في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي
  • هيكل استقبل مفتي صور الشيخ مدرار حبال وبحث في الأوضاع العامة
  • نقابة المهن التمثيلية تنعى الراحلة سهام جلال
  • ما وراء الكود.. دراسة علمية حول السلطة الثقافة والمجتمع في عصر الذكاء الاصطناعي بجامعة بني سويف
  • أمسية روحانية لفرقة الإنشاد الديني على مسرح الجمهورية
  • مفتي الجمهورية: أضحية النبي عن أمته لا تسقط السنة عن القادرين
  • بدء تطبيق قرار رفع نسبة التوطين بمهن المشتريات اعتبارًا من 31 مايو
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش