في أوقات الأزمات والاضطراب، يميل الأفراد بطبيعتهم إلى البحث عن الأمان قبل الحل، وعن الاحتواء قبل النصيحة. لهذا نلاحظ أن كثيرًا من الأفراد يتوجهون إلى فرد معيّن دون غيره عندما تتعقد مشكلاتهم، وكأن هذا الشخص يتحول في وعيهم إلى نقطة ارتكاز نفسي، لا مجرد مستمع أو ناصح.
غالبًا لا يكون السبب هو امتلاك هذا الفرد لحلول خارقة، بل لأنه يمنح شعورًا نادرًا بالفهم.
كما أن التجارب السابقة تلعب دورًا كبيرًا في هذا التوجه. عندما يمر الشخص بمحنة، ويجد من يقف معه بصدق تتكون رابطة نفسية عميقة تُخزَّن في الذاكرة العاطفية. ومع تكرار الأزمات يصبح هذا الفرد هو الخيار الأول، لأن العقل يربطه تلقائيًا بالنجاة والطمأنينة.
ومن جهة أخرى، قد يعكس هذا السلوك حاجة داخلية للاعتماد أو رغبة في مشاركة من أحدهم في مواجهة الحل وأحيانًا لا نبحث عن الحل بل عن من يتحمل معنا ثقل القرار. وهنا تتحول العلاقة من طلب دعم صحي إلى نوع من الاتكالية النفسية إذا لم تكن واعية ومتوازنة.
ولا يمكن إغفال أن بعض الأشخاص يمتلكون قدرة فطرية على الاحتواء وذكاءً عاطفيًا، يجعل الآخرين يشعرون بأنهم مسموعون ومقدَّرون وهؤلاء لا يفرضون آراءهم؛ بل يفتحون مساحة للتفكير، فيرى صاحب المشكلة طريقه بنفسه.
إن اللجوء إلى شخص واحد ليس خطأ بحد ذاته، لكنه يصبح أكثر صحة عندما يكون خطوة ضمن شبكة دعم أوسع، لا بديلاً عن تنمية الوعي الذاتي والقدرة على اتخاذ القرار. فالمساندة الحقيقية لا تصنع التبعية، بل تساعد الإنسان على الوقوف بثبات على قدميه.
fatimah_nahar@
المصدر
المصدر: صحيفة البلاد
إقرأ أيضاً:
أميمة بنت علي الراشدية
كنت سأبدأ المقال بطرح الأسئلة، ولكن تراجعت في اللحظة الأخيرة، وآثرت أن أدخل مباشرة نحو الحديث عن قيمة الصحة التي لا يدرك قيمتها إلا المرضى، وتذكرت حديثًا طويلًا قيل لي عن الثمن الباهظ الذي ندفعه عندما نهمل صحتنا، ونعتقد بأننا بخير في كل الأحوال.
ثم سمعت من أقرب الناس عن قصص الحياة والموت والأنين والوجع الذي لا يحتمل بحكم عمله بين أقسام المستشفى، قال لي: إذا أردتِ أن تعرفي قيمة الصحة، فعليكِ بزيارة أقسام التنويم، ستعلمين كيف يعيش المرضى ساعات يومهم في انتظار الفرج والخروج من الغرف الباردة!
قال بأن الحياة حجمها يصغر كثيرًا عند نوبات الألم القصوى، فلا الترياق، في بعض الحالات، يكتم الألم، ولا الأنين يسمعه من بالخارج، قصص ومشاهد لا يعرفها الكثير من الناس؛ لأنهم لم يدخلوا في هذه الدوامة من الصبر وتحمل أقسى الظروف.
لم أُصب بالصدمة، لكن زادت مخاوفي من المرض وفقدان الصحة، منذ فترة لم أكن منتظمة على أخذ أدوية السكر في الوقت المحدد، أحيانًا أنسى وسط زحمة العمل اليومي، ومسؤوليات الأسرة، ومتطلبات العمل الإداري.
لكن ما إن اتضحت أمامي الصورة، عاهدت نفسي على الانتظام والانضباط على أخذ العلاج بكل ترحاب، بيني وبين نفسي صراع نفسي وخوف من المجهول، قد يكون طبيعيًا، فما نراه من فقد يجعلنا نطرق أبواب النقاش لنؤكد بأن الصحة، كما قيل منذ زمن: "تاج على رؤوس الأصحاء"، لا يشعر بقيمتها الحقيقية إلا من ابتلي بالمرض.
في الإذاعة المدرسية قدمت حكمة الصباح، لم أكن أعرف مغزاها الحقيقي إلا عندما كبرت وتعلمت، فالحكمة تقول: "إذا فقدت المال لم تفقد شيئًا، وإذا فقدت الصحة فقدت بعض الشيء، وإذا فقدت الأخلاق فقدت كل شيء".
غياب الصحة ليس من السهولة استرجاعها، وإن رجعت فأحيانًا لا تعود إلى أصلها الماضي، ضياع الصحة ثمنه باهظ، فكم من مريض أعياه المرض، فعندما تحيط بك العاهات لن تلتفت إلى ما جمعته من مال بقدر ما تتمنى أن يخلصك الله من شكواك.
المرض هو الزائر الذي لا يطرق أبواب الجسد، لكنه يتغلغل بين ثناياه، فيحول الوقت إلى عالم لا محدود من الدقائق والثواني والأيام، المرض مخيف بدرجة لا يمكن الوثوق في موعد خروجه، بعض الأمراض تعيش في أجساد الناس منذ الإصابة وحتى الموت، يُدفن الإنسان في قبره والمرض هو الرفيق الذي لازمه، رحلة طويلة وصراع من أجل البقاء بخير.
لماذا يخاف الإنسان من الإصابة بالمرض؟ من الواقع نستشف كيف يصنع رهاب المرض بالإنسان، خاصة عندما تكون الإصابة قاتلة، ففي أيام "كوفيد-19"، وفي ذروة نشاط الفيروس وسرعة انتشاره، وسقوط المصابين بالداء في الشوارع والممرات وفي كل مكان، كان الخوف يتوحش أكثر، ليس لأنه مجرد حالة عارضة سرعان ما تنتهي، لكنه الفناء الذي من أجله تُحبس الأنفاس، لهذا كان الخوف ليس مجرد فطرة غرائزية عند البشر، ولكن حالة طبيعية من أجل البقاء، فالإصابة قد تكون عنوانًا لبداية الموت!
كل الذين خرجوا من أزمتهم الصحية في زمن كورونا يدركون معنى الصحة، يعرفون معنى أنك معافى من المرض، سبروا خفايا الإحساس بالخوف عن قرب، لذا عليك أن تصغي لما سيقولونه عن المرض، وكيف وجدوا الحياة أثناء الإصابة، والخروج من عنق الزجاجة.
لذا نقول: "اهتموا بصحتكم، وحافظوا على قواكم، ولا تحملوا أنفسكم طاقة لا تحتمل، فالحياة قبل المرض شيء، وأثناء المرض شيء آخر، والمرض يعد أكبر الأزمات التي يمر بها الإنسان في حياته، لذا ضعوا: "الوقاية خير من العلاج" نصب أعينكم.