"مراسيم 12 يناير".. إعادة حوكمة للمستقبل في عُمان
تاريخ النشر: 20th, January 2026 GMT
د. سعود بن محمد الفارسي
في لحظات التَّحول الكبرى، لا تُقاس أهمية القرارات بما تُحدثه من ضجيج، بل بما تُعيد ترتيبه في عمق الدولة. والمراسيم السلطانية التي صدرت في 12 يناير 2026 تمثل، في هذا السياق، واحدة من تلك اللحظات الفارقة التي لا تعكس تعديلات إدارية فحسب، بل تشير إلى إعادة تصميم هادئة لبنية الدولة المؤسسية نفسها.
ومن أكثر ملامح هذا التحول دلالة، ما طال منظومة التعليم؛ فدمج التعليم المدرسي والتعليم العالي في إطار واحد يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الاقتصاد المعرفي الذي تراهن عليه الدول الحديثة. فلم يعد مقبولًا أن تعمل المدارس بمعزل عن الجامعات، أو أن تُدار الجامعات بمعزل عن احتياجات سوق العمل والابتكار. فالتعليم اليوم هو رحلة واحدة متصلة، تبدأ من الصفوف الدراسية، وتمر عبر البحث العلمي، وتنتهي في فضاء الإنتاج والمعرفة. وفي هذا السياق، لا يكون الدمج تقليصًا للهياكل المؤسسية أو لعدد المؤسسات، بل توسيعًا لأفق الرؤية، بما يُتيح مواءمة المناهج مع متطلبات التعليم العالي، وربط مخرجات التعليم بحاجات الاقتصاد، وبناء مسارات مهارية متصلة منذ المراحل المبكرة. وبهذا تتحول الوزارة الجديدة من مجرد وحدة إدارية إلى منظومة وطنية لإنتاج رأس مال بشري قادر على خدمة رؤية طويلة المدى كرؤية "عُمان 2040".
وفي عالم أصبحت فيه التنافسية الاقتصادية محددًا رئيسيًا لمكانة الدول، لم يعد الاقتصاد مجرد قطاع بين القطاعات، بل أصبح اللغة التي تُترجم عبرها السياسات كافة وتخدمها مختلف القطاعات، ومن هنا تأتي أهمية ايجاد كيان مستقل يُعنى بشكل جوهري بالبحث العلمي والابتكار بمعناه الواسع كونه مرتبطاً بجميع القطاعات في الدولة لا سيما تلك التي تخدم الاقتصاد، ناهيك عن أهمية وجود قيادة اقتصادية عليا في قلب الحكومة متمثلة بمنصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، بما يسمح بتوحيد القرار المالي والاستثماري، وتقليص التنازع بين الجهات، وربط التخطيط اليومي بالرؤية الاستراتيجية. بهذا المعنى، تنتقل الدولة من إدارة ملفات اقتصادية متفرقة إلى إدارة منظومة اقتصادية متكاملة، قادرة على حماية استمرارية الرؤية وتحويلها إلى نتائج قابلة للقياس، وهو تحول جوهري في فلسفة إدارة الدولة.
ويتقاطع هذا المنطق نفسه مع ما تشهده منظومة الإدارة المحلية، ولا سيما في ما يتعلق بأهمية تطوير المنظومة، وتعيين القيادات القادرة على تحقيق ذلك، ففي نماذج الحوكمة الحديثة، لا تُدار المدن والمحافظات من المؤسسات المركزية في العاصمة، بل تتحول إلى وحدات سياسات فاعلة قادرة على التخطيط والاستثمار وتقديم الخدمات بكفاءة وسرعة.
والعاصمة، بحكم ثقلها السكاني والاقتصادي، تصبح في هذا الإطار مختبرًا حيًا لتطوير نماذج جديدة في التخطيط الحضري، والاستثمار المحلي، وجودة الحياة، والشراكة مع القطاع الخاص. وهذا يعكس انتقال الدولة من مركزية القرار إلى توزيع القدرة على الفعل، وهو جوهر اللامركزية التنفيذية التي تقوم عليها الدول الحديثة.
وبالنظر إلى هذه التحولات مجتمعة، يتضح أن ما تكشفه مراسيم 12 يناير 2026 ليس مجرد تغيير في الهياكل والأسماء؛ بل انتقال في العقيدة الإدارية للدولة، من دولة تدير وحدات إدارية إلى دولة تبني منظومات، ومن فصل وتشتت في الاختصاصات إلى ربط سلاسل القيمة، ومن إدارة الحاضر إلى تصميم المستقبل. ويتجلى هذا التحول بوضوح في الاتجاه نحو إنشاء كيانات ذات استقلال مالي وتشريعي، مثل المركز المالي العالمي، في إشارة إلى إدراك مُتزايد بأن بعض القطاعات الاستراتيجية لا يمكن إدارتها بالطرق التقليدية، بل تحتاج إلى أطر حوكمة أكثر مرونة وقدرة على المُنافسة العالمية.
وفي عالم يتسارع فيه التنافس بين الدول على المعرفة والاستثمار والموهبة، تصبح الحوكمة الذكية شكلًا من أشكال السيادة. فالدولة التي تعرف كيف تُعيد تنظيم نفسها بجرأة وهدوء، هي الدولة الأقدر على حماية موقعها وبناء مستقبلها. وفي هذا المعنى، لا تمثل مراسيم 12 يناير 2026 مجرد صفحة في سجل التطوير الإداري، بل فصلًا في قصة دولة تعيد هندسة نفسها لمستقبل أكثر إشراقًا.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
لكل زمان بلعمه: المفكر المحصّن وتراجيديا السقوط الطوعي
تأتي الصدمات الكبرى في الوعي الجماعي حين تسقط الأقنعة دفعة واحدة. في السنوات الأخيرة، شهد الفضاء العربي خريفا متسارعا تهاوت فيه نخب فكرية وفنية ومؤثرون بنوا أمجادهم على أكتاف قضايا الشعوب، لينتهي بهم المطاف كتروس ناعمة في ماكينات الترويج السياسي. لكن وسط هذا الزحام، تبرز حالة الدكتور عدنان إبراهيم كلوحة تراجيدية شديدة الخصوصية؛ حالة منزوعة الأعذار، سقطت عنها كل تبريرات الانكسار التقليدية.
يبدأ المشهد من فيينا، حيث الضباب الشتوي العريق والأمان المطلق. لكنه ليس مجرد شتاء عابر؛ إنه يتداخل مع ذلك الشتاء السياسي الصقيعي الذي ضرب المنطقة العربية عقب وأد ربيعها الأخضر، ذلك الربيع الذي علّقت عليه الشعوب آمالا عريضة ومستقبلا يرجى منه الخير الكثير، قبل أن تتكالب عليه قوى الثورة المضادة والأنظمة المستبدة لتدفنه في مهده، وعلى رأس تلك الأنظمة الجهة التي يتوجه إليها عدنان إبراهيم اليوم بارتياح ومباركة.
نحن لسنا أمام مجرد خيارات فردية للأشخاص، بل أمام ماكينة سلطوية صماء، هندست مشهدها على معادلة فرز حاسمة: تكافئ وتغدق على كل مَن يمنحها صكوك الشرعية ويبرر سياساتها، وتحبس وتغيب خلف القضبان كل مَن يملك شجاعة الرفض
وسط هذا الصقيع العربي، وخلف النوافذ النمساوية الدافئة، يعيش هذا المفكر محصنا بالقوانين الأوروبية، بعيدا عن أيدي البطش وسياط الجلادين، لا خوف يهدد حياته، ولا جوع يهدد عائلته. وهنا تحديدا يكمن البُعد الفلسفي المرير لتحوله: فالرجل لم يتحرك تحت وطأة "الرَّهبة"، بل سار طوعا خلف "الرَّغبة". لم تكن خطوته زلة لسان في لحظة اندفاع، بل مسار تشكّل بهدوء وصيغ بدم بارد، مع سبق الإصرار والترصد؛ مسار بدأ بتنقية طروحاته الفكرية لتلائم هوى الأنظمة، وانتهى بتوقيع العقود الرسمية وتولي منصب المستشار في أبوظبي. حتى ذلك الحادث المروري الرهيب عام 2019 الذي هشم جسده وعزله سنتين، بدا في القراءة الأخلاقية كأنه كسر العظام لكنه لم يبرر بيع الروح في سوق النفوذ.
وهذا العود الأكاديمي والسياسي الملتوي، يعيد إلى الأذهان فورا تراجيديا دينية وتاريخية غائرة في عمق الوعي الإنساني؛ قصة "بلعام بن باعوراء". فالمقارنة هنا لا تنبع من مجرد رغبة في استدعاء التاريخ، بل لأن الشخصيتين تلتقيان في ذات المنحدر النفسي: كلتاهما حظيت بعلم غزير، وفصاحة تخلب الألباب، وبصيرة فكرية كانت كفيلة بهداية أمة، لكن كليهما اختار في لحظة فارقة أن ينسلخ من آياته ومبادئه ليضع علمه في خدمة الطغيان طمعا في عَرَض الدنيا. إنها ذات المعضلة الفلسفية القديمة المتجددة: كيف يتحول "التنوير" إلى أداة للتبرير؟ وتتجلى هذه الأزمة في أبهى صورها التعبيرية، حيث يقول الله تعالى: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ" (الأعراف: 175).
وإذا تفكك الاسم الديني والتاريخي "بلعام بن باعوراء" في سياق لغوي وفلسفي، سنرى أمامنا تشريحا مشهديا صارخا لسقوط المثقف. فالاسم يلتحم لغويا بـ"البلعوم"؛ ذلك المجرى البيولوجي الشره للبلع والطعام. وكأن كل تلك الفصاحة، والخطب الرنانة التي سحرت الملايين، تم ترويضها واختزالها لتخدم "البلعوم" والمصالح المادية والمناصب الرفيعة. هنا يتجسد المعنى الفلسفي للمشهد، حيث يقول الله تعالى: "وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهمْ يَتَفَكَّرُونَ" (الأعراف: 176)؛ لهاث وجودي دائم خلف المادة لا ينقطع.
ثم تكتمل الصورة في "باعوراء"؛ التي تبدأ بـ"باعَ"، وهي لقطة المقايضة العظمى حيث يستبدل المفكر رصيده الشعبي وعلمه بعقود عمل ووظيفة سلطوية زائلة، وتتوسطها "عوراء"، لتجسد ذلك "العور الفكري" والانتقائية الأخلاقية؛ حيث تنفتح العين بـانبهار على شعارات "التسامح والحوكمة" في أروقة المؤتمرات، بينما تُصاب بالعمى التام أمام دماء المستضعفين والفتن والحروب الإقليمية. وينتهي اللفظ بـ"وراء"، ليرسم حركة الارتداد التراجيدي لمفكر أمضى عقودا يزعم أنه يقود الطليعة التنويرية في المقدمة، فإذ به يرتد إلى الوراء ليصبح مجرد تابع يبرر سياسات الحكام.
وهنا تتجلى المفارقة في اسم الرجل نفسه وصيغته المركبة؛ "عدنان إبراهيم". ففي فقه اللغة، يشتق "عدنان" من لزوم الحق والثبات والاستقرار عليه، لكن عدنان قصتنا خان اشتقاق اسمه؛ فاستبدل الثبات بالارتحال إلى مواطن الزيف، ليلتحم هذا السقوط اللغوي بعبث سياسي أشد مرارة في اسم أبيه "إبراهيم"؛ فالاسم الذي حمل يوما طهر الرمزية الإنسانية، أُفرغ اليوم من محتواه ليتماهى مع "الاتفاقيات الإبراهيمية الخرقاء" التي هندسها ترامب لتركيع المنطقة وفرض التطبيع على بلدانها. وكأن المفكر بارتمائه في أحضان عاصمة هذه الاتفاقيات، بات يحمل غطاء سياسيا باردا يبرر الانبطاح، في وقت تذبح فيه غزة من الوريد إلى الوريد.
هذه المشهدية الفكرية الباذخة لـ"بلعم الجديد" تصطدم بالميكانيكية البنيوية الخشنة التي تدار بها عواصم المنطقة اليوم. فنحن لسنا أمام مجرد خيارات فردية للأشخاص، بل أمام ماكينة سلطوية صماء، هندست مشهدها على معادلة فرز حاسمة: تكافئ وتغدق على كل مَن يمنحها صكوك الشرعية ويبرر سياساتها، وتحبس وتغيب خلف القضبان كل مَن يملك شجاعة الرفض.
ينتهي المشهد في الفضاء الرقمي الباهت، والمنصات التي غدت مقفرة بعد أن انفضت عنها الجموع التي صدمها سقوط المفكر الأخلاقي بعد أن شككها في دينها وثوابتها. لكن خارج تلك الشاشات الباردة، وفي قلب الواقع، تدور الأرض من جديد
في ذات اللحظة التي يبتلع فيها نظام المكافآت عدنان إبراهيم في قاعاته المكيفة محاطا بحفاوة المؤسسات الرسمية، تفتح ذات الماكينة زنازينها المظلمة لتبتلع المشايخ والعلماء والمثقفين الحقيقيين؛ لأنهم رفضوا أن يكونوا ترسا في هذه البنية. نرى الشاعر عبد الرحمن يوسف وغيره مغيبين في سجون الإمارات، وعلماء أحرارا في سجون السعودية ومصر وتونس، لا لشيء إلا لأنهم كسروا شروط اللعبة الرسمية، ورفضوا أن يكونوا شهود زور على خذلان قضايا الأمة، وعلى رأسها مأساة غزة التي تواجه الإبادة. المفارقة هنا حارقة وفلسفية بامتياز: الأحرار يُسجنون لثباتهم وهم داخل الأوطان، والمحصن في منافيه الأوروبية ينزل من شرفته الآمنة ليدخل طواعية أروقة الماكينة، ويقتات على موائد دُفعت أثمانها من دماء الأبرياء وحرية الشرفاء.
ينتهي المشهد في الفضاء الرقمي الباهت، والمنصات التي غدت مقفرة بعد أن انفضت عنها الجموع التي صدمها سقوط المفكر الأخلاقي بعد أن شككها في دينها وثوابتها. لكن خارج تلك الشاشات الباردة، وفي قلب الواقع، تدور الأرض من جديد. واليوم، ونحن على أعتاب صيف لاهب وحار، تبدو الأجواء مشحونة بأنفاس جديدة قد تعيد الحياة إلى ذلك الربيع العربي؛ الربيع الذي استعجل عدنان دفنه وظن -واهما- أنه قد مات وانتهى، أو ربما أقنع نفسه تحت بريق العطايا الرسمية بأنه لم يكن سوى "مؤامرة".
إن الصيف القادم يحمل في طياته حرارة الحقائق لا حرارة الطقس فحسب؛ حقيقة أن الشعوب قد تنام لكنها لا تموت، وأن الجمر الكامن تحت رماد الاستبداد ينتظر ليفاجئ كل مَن باعوا أقلامهم وظنوا أن عجلة التاريخ قد توقفت عند عتبات قصور حكامهم. النتيجة الفلسفية الأخيرة هي أن الأمة وقضاياها العادلة لا تخسر بانسلاخ الأشخاص؛ فالحق لا يُعرف بالرجال، بل يُعرف الرجال بالحق. تذوب الوجوه الفصيحة وتبقى المبادئ، ويبقى الصوت التاريخي يتردد بمرارة فوق لقطة النهاية: "لكل زمان بلعمه"، والتاريخ لا يرحم مَن اشترى بآيات الله ومبادئه ثمنا قليلا.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.