جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-03@03:01:53 GMT

تحت الحجلة خلخال

تاريخ النشر: 20th, January 2026 GMT

تحت الحجلة خلخال

د. أحمد بن علي العمري

الوطنية سمو عالٍ وقيمة لا تقدر بثمن والإحساس بها همس ذو مفهوم راقٍ وبصمة خالدة لا يفهمها ولا يشعر بها إلا من يعيشها ويُؤمن ويقتنع بها ويجربها على أرض الواقع مكاناً وزماناً وعزة نفس وكرامة ومبادئ وقيم ولا يمكن وصفها بالكلام ولا توجد لغة في العالم تعطيها حقها وهي لا تقدر بثمن ولا تقاس بمسافات ولا تحسب بأعداد وأرقام.

فكثير هم المخلصون الذين يفتدون أوطانهم بجهودهم وأنفسهم وكل ما يملكون دون أن يعرف الغير ودون أن تعرف حتى بلدانهم نفسها لأن التضحيات التي تكون خالدة وصادقة ومخلصة أسمى وأعلى وأرفع شأناً من أي تقدير أو تثمين أو أي حساب مهما كانت التكلفة والبذل والعطاء المقدم.

سلطنة عمان بلد ضارب في جذور التاريخ ومتعمق في الأحداث ومترسخ في مكامن الزمن المتعددة، ومنذ ملايين السنين وعمان يضحي لأجلها أبناؤها بكل عزة وأنفة وكبرياء وإخلاص بدون أي ظهور شخصي أو تمنن أو بهرجة أو حب للظهور، وما الشهداء الذين قدمتهم عُمان عبر الزمان إلا أمثلة ووقائع عما دار في الزمن الغابر.

وما النهضة الحديثة التي قادها السلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراه عام 1970م والتي جددها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه الله ورعاه بكل حكمة واقتدار إلا تجديد لعهد غابر من الكرامة والتضحية والفداء، لقد اختلطت دماء الأبطال الشرفاء العمانيين من كل أنحاء السلطنة ومحافظاتها من أبناء الوطن مع دماء الأشقاء والأصدقاء على أرض ظفار الطاهرة في محاربة التمدد الشيوعي ولم يكن أيا من الرجال البواسل الشهداء رحمة الله عليهم جميعاً وجعل الجنة مثواهم يقاتل ليقال عنه شهيد ولكنهم قاتلوا بكل صدق وإخلاص حباً وافتداء وتعلقا ببلدهم وبالذود عنها بأعز ما يملكون وهي أراوحهم المقدسة بل لقد كانت هناك دماء زكية أيضاً من دول شقيقة وصديقة لها كل التقدير وعظيم الاحترام وبالغ التحايا؛ فهؤلاء هم الرجال الذين يعطون دون أن ينتظروا المقابل ويبذلون دون أن يتوقعوا كلمات الشكر والثناء الفضفاضة.

لدى إخواننا المصريين مقولة أو حكمة شعبية يجب أن تدرس في مناهج التربية الوطنية وهي "ما تقولش إدتنا مصر إيه… قول عملنا إيه لمصر"، وهذه بصراحة حكمة خالدة لها معانٍ وأبعاد تتجاوز الأفق وتصل إلى عنان السماء.

إن الواقع في هذه الأيام يظهر لنا أنه عندما يقوم الواحد بعمله بأمانه يتشدق ويحدث ويصرح بأنه بذل جهدا خارقا وعمل مُعجزة منفردة لبلاده وعينه على رؤية المقابل وأذنه على سماع المكافأة.

وهذا ينطبق على كل المجالات العملية والعلمية والثقافية والأدبية والتربوية والصحية والرياضية والاجتماعية وحتى العسكرية وفي شتى وجميع المجالات.

ومن هنا أتى عنوان المقال "تحت الحجلة خلخال"، وهذا العنوان مقتبس من أغنية خالدة للفنان العماني الكبير الراحل سالم بن راشد الصوري- رحمة الله عليه -عندما يقول: (حبيبك ما عنده فاقه.. دائم عنده عشاقه…. لابس حجلة في ساقه… وتحت الحجلة خلخال)؛ فالمرأة عندما تتزين بزينتها وتلبس الحجلة سواءً كانت ذهبية أو حتى فضية، تلبس تحت منها خلخال حتى يصدر الصوت ويلفت الانتباه إليها، وهي تستعرض جمالها وسحر فتنتها وما وهبها ربها من جمال أمام الآخرين. وهذا ينطبق على جميع البشر في كل ما يقومون به فالحجلة هي الأعمال التي تقدم والتي تضحي لأجل الوطن، وهي عادة معدنية أيا كان هذا المعدن من الألماس أو الذهب أو حتى النحاس أو أي معدن آخر وهو ما يقلد به المخلصون أوطانهم؛ سواء على الرأس أو الرقبة أو العضد أو حتى الساق، يعتمد على حجم وأهمية التضحية. أما الخلخال فهو الصوت والضوضاء التي يظهرها البعض بعد تقديم أي عمل وإن كان مدفوع الأجر وبراتب ثابت رغبة في التشدق وإظهار الذات لينهال عليه الثناء والمديح وليبين هذا الصوت أي الخلخال ما قاموا به ويلفت الانتباه إليه ليعرف الآخرون.

إنني هنا أتذكر قول الشاعر الشريف قتادة بن إدريس الحسني أمير مكة المكرمة في القرن السابع الهجري رحمة الله عليه حين قال:

بلادي وإن جارت عليّ عزيزة…

وأهلي وإن ضنوا عليّ كرام.

فما أقوى المعاني وأسماها وما أضعف الماديات وتدنيها.

تحية لكل عماني وعمانية مخلصين يعملون بنكران الذات ويبذلون الغالي والرخيص والنفس والنفيس من أجل عمان وهم يعلمون علم اليقين أن جزاءهم عند رب العالمين ما بعده جزاء.

أقول لكل هؤلاء وأمثالهم وفي كل الميادين: تعظيم سلام وتحية إجلال وإكبار لما قدمتموه وتفانيتم في عطائه.

وقبل أن أنهي مقالي هذا أحببت أن أطوف على موضوع الإجادة للموظفين، وأرجو وأتمنى أن أكون مخطئاً في فهمي. لقد وضعت وطبقت الدولة هذا النظام للتحفيز بقصد الإبداع والعطاء والإنجاز وتنفيذ المهام، لكن وحيث إن جميع القوانين الوضعية قابلة لأن يشوبها الخطأ فقد انحرفت بعض الجهات عن المسار وصار كل مسؤول يهمه أن فريقه يحصل على الإجادة، وبالتالي ينالها هو ذاته؛ الأمر الذي جعل البعض يركز على بنود محددة، وفي سبيل ذلك يهمل بنود مهمة جداً في أحيان كثيرة وهي المأمول والمبتغى منها للعطاء والإنجاز.

أتمنى لو تتم إعادة مراجعتها لتفادي أي عيوب ظهرت بها ومن الممكن أن تقوم الأكاديمية السلطانية للإدارة بهذه المهمة؛ حيث تضع الضوابط والآليات والسبل التي تحقق الإنجاز الكامل والشامل واستبعاد الجزئيات والتفرعات الصغيرة على الأبعاد والمهام العامة التي من أجلها طبق مفهوم الإجادة ومبتغاه وأهدافه.

حفظ الله عمان وسلطانها وشعبها.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

لبنان.. الملعب يُفرض من جديد!

الوضع اللبنانى ليس جديدًا.. هو نتاج لتراكم أزمات مستمرة منذ السبعينيات.. وتكرار هذه الأزمات أقنع كل طامعٍ بأن لبنان ملعب مثالى لتصفية الصراع بين قوى مختلفة فى منطقة الشرق الأوسط!! 
نعم هذه هى الحقيقة التى يجب أن نعترف بها.. فقد تخلى الجميع عن لبنان وتركه وحيدًا يصارع موجات العنف السياسى المُسلح سواء من قوى لبنانية داخلية أو تنظيمات وفصائل من خارجه أو دول أرادت منه مسرحًا لعمليات تصفية الحسابات بين قوى إقليمية ودولية.. ولذلك لم يكن غريبًا أن نرى فى الثمانينيات صورة الرئيس السورى الراحل حافظ الأسد تعلو مطار بيروت لأن نفوذ سوريا فى العاصمة بلغ قدرًا لا يُصدقه أحد.. ووجدنا الفصائل الفلسطينية تتخذ من الأراضى اللبنانية مصدرًا للانطلاق لتحرير القدس حتى تآمرت عليها ميليشيات لبنانية رافضة للوجود الفلسطينى على أرض بيروت، لدرجة أن الأمر قاد هذه الميليشيات للتحالف مع إسرائيل ضد رجال المقاومة الفلسطينية.. وأخيرًا أصبحت أزمة لبنان (أو قل ذريعة إسرائيل لضرب لبنان) هى فى وجود حزب الله الذى ينتمى فكرًا وتنظيمًا وتمويلًا وتسليحًا لإيران والذى يتم تصنيفه بأنه أهم أذرع طهران فى المنطقة.. كل هذه التراكمات أدت إلى الوضع اللبنانى الحالى.. فالمسألة هى أن إسرائيل تتحجج بكون جنوب لبنان يمثل خطرًا عليها وهو ما يجعل الولايات المتحدة تبارك ضربات إسرائيل للبنان رغم كونها اعتداءات مخالفة للقانون الدولى، ولذلك فإننى أعتقد أن الأزمة اللبنانية فى مواجهة الفوضى ستستمر ما لم يتمكن اللبنانيون أنفسهم من تغيير تركيبة السياسة الداخلية المُعتمدة على الطائفية وتقسيم المناصب العليا طبقًا للمرجعية القبلية والدينية.. فرئيس الدولة مسيحى مارونى ورئيس الوزراء مسلم سُنى ورئيس مجلس النواب مسلم شيعى.. هذه تركيبة تجعل أى عدو قادر على اختراق الحدود بسهولة وتجعل أى طامع قادر على تنفيذ سيناريو طموحاته على أرضٍ مُقسمة ابتداءً دون بذل أى جهد لتقسيمه قبل اختراقه. 
أما عن التصعيد الإسرائيلى الإجرامى- الأخير- ضد لبنان وأهله فإن له عدة أسباب. مبدئيًا وبشكلٍ عام، هذا التصعيد مرتبط بمفاوضات الولايات المتحدة وإيران، واقتراب نهاية الحرب. إسرائيل تتعامل مع حزب الله باعتباره إحدى أذرع إيران، وتعتبره خطرًا دائمًا ومستمرًا عليها، ولذلك فهى تسعى لأمرين مهمين (من وجهة نظر إسرائيل). 
الأول: هو فرض منطقة عازلة ما بين شمال فلسطين وما بين الجنوب اللبنانى لتأمين ما يسمى بالخط الأصفر الذى لا يجوز تجاوزه. فإسرائيل تسعى لتثبيت هذا الأمر بسرعة قبل أن تنتهى المفاوضات، لأن ملف (لبنان) واحدًا من ضمن نقاط هذه المفاوضات التى ستجرى ما بين إيران وبين الولايات المتحدة. 
الهدف الثانى: هو محاولة تدمير البنية العسكرية التحتية لحزب الله، حتى لا يستطيع فى وقت قريب أو قصير العودة لتوجيه ضرباته لشمال إسرائيل، وبالتالى فهى تُسرع فى هذه الخطوات حتى تحقق إنجازًا عسكريًا ومكسبًا على الأرض خلال وقت قليل.     
 لكن مسألة تدمير البنية التحتية، هى مسألة تحتاج لوقت أطول- من وجهة نظرى- لأن حزب الله يستخدم الأنفاق باعتبارها استراتيجية لإخفاء قدراته، فالجزء الذى يسيطر عليه الحزب فى جنوب لبنان توجد به جبال كثيرة، ولذلك فالحزب قام باستخدام المغارات لتخبئة رجاله وعتاده وأسلحته ومعداته، وهذا الأسلوب شبيه بالوضع الموجود حاليًا فى إيران، وبالتالى فإن الفكرة أو الاعتقاد الموجود فى ذهن نتنياهو والقادة العسكريين الإسرائيليين بأنهم سيتمكنون من القضاء على البنية التحتية لحزب الله خلال وقت قصير هو اعتقاد خاطئ، وأعتقد أنه بعيد المنال، ربما تتمكن إسرائيل من النجاح فى تحقيق فكرة فرض منطقة عازلة (مؤقتة) أكبر من الخط الأصفر خلال هذا الوقت القليل، ولكنها لن تحقق مكاسب على الأرض أكثر من ذلك. 
إذن.. الخاسر الوحيد من تحويل لبنان لمسرح من جديد هو الشعب اللبنانى الذى يعانى منذ السبعينيات (وتحديدًا منذ اندلاع الحرب الأهلية) من عدم الاستقرار والدمار والقتل وتشريد الملايين، والانهيارات المتكررة لاقتصاده. 
هذه المعاناة اللبنانية جاءت من فكرة راسخة فى أذهان كل اللاعبين وهى أن (لبنان مسرحٌ يحتمل لعب كل الأدوار على أرضه)!! 
اللهم احفظ لبنان وشعبه وأرضه من كل سوء!! 
[email protected]

مقالات مشابهة

  • في ذكرى رحيل سيدة المسرح العربي سميحة أيوب.. مسيرة فنية خالدة صنعت تاريخًا من الإبداع
  • الحج.. مدرسة الروح ووحدة الأمة!
  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • تفكيك سلاح حزب الله يعيق مفاوضات لبنان وإسرائيل
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • لبنان.. الملعب يُفرض من جديد!
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • حزب الله يهدد إسرائيل بـرد أعمق على أي غارات تستهدف الضاحية
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش