تحليل.. ترامب قد يكون المشكلة الأسهل بين مشكلتين تواجهان منتدى دافوس 2026
تاريخ النشر: 21st, January 2026 GMT
تحليل بقلم الزميلة بـCNN، أليسون مورو
(CNN)— لطالما واجه منتدى دافوس الاقتصادي العالمي السنوي مشكلة في الصورة العامة. تخيل مجموعة من الأشخاص يهبطون بطائرات خاصة لتناول شرائح اللحم والمشاركة في جلسات نقاش حول التخفيف من حدة الفقر ومكافحة تغير المناخ (من بين أهداف نبيلة أخرى)، بينما يحتسون الكوكتيلات مع نظرائهم من الأثرياء في محاولة لزيادة ثرواتهم.
لكن منتدى دافوس 2026 تحول إلى ما يشبه جلسة طارئة لنخبة العالم لمواجهة تهديدين متزامنين ومترابطين في نهاية المطاف. هناك المشكلة الواضحة للجميع - الرئيس دونالد ترامب، الذي من المقرر أن يحضر القمة، الأربعاء، وسياساته التجارية العدوانية - ثم هناك قوة أخرى أكثر تعقيدًا تهدد بزعزعة استقرار النظام العالمي، وهي ما يُعرف بالاقتصاد على شكل حرف K بالانجليزية.
ويشير هذا المصطلح، الذي شاع استخدامه من قبل الاقتصادي بيتر أتووتر، إلى الانقسام المتزايد، بدءًا من عام 2020، بين الأغنياء والفقراء. فبينما أثرت الجائحة على الجميع في وقت واحد، سار التعافي من هذه الصدمة على مسارين متباعدين، حيث ازداد الأغنياء ثراءً وازداد الفقراء فقرًا.
وبعد مرور ما يقرب من 6 سنوات، لا تزال الفجوة بين الطبقات العليا والدنيا تتسع. فسوق الأسهم، رغم تقلبه، يتداول بالقرب من مستويات قياسية. وتحافظ حجوزات الفنادق الفاخرة على قوتها حتى مع انخفاض عدد الأمريكيين الذين يقضون عطلاتهم. وما يبدو كأزمة في القدرة على تحمل تكاليف السكن في أحد جوانب الاقتصاد، يبدو وكأنه مكسب غير متوقع في الجانب الآخر، حيث أدى الندرة إلى ارتفاع قيم المنازل.
وإذا بدا المشاركون في منتدى دافوس منفصلين عن الواقع قبل الجائحة، فإن أزمة القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، التي ساهمت في إعادة انتخاب ترامب، قد زادت من حدة التباين بين نخبة دافوس وعامة الناس.
وقال الأستاذ المساعد في الاقتصاد بجامعة ويليام وماري، لي أتووتر: "يدرك الفقراء تمامًا حجم الثروة التي يتمتع بها الأغنياء. لكنني أعتقد أن إحدى نتائج جائحة كوفيد-19 هي أنها خلقت حالة من العمى لدى النخبة... فباستثناء عامل التوصيل الذي يصل إلى الباب، تضاءل التفاعل بين الأغنياء والفقراء بشكل كبير، إن لم يكن قد انعدم تمامًا".
ولا شك أن نخبة دافوس تدرك، نظريًا، أن لديها مشكلة تتمثل في استخدام الطائرات الخاصة لمناقشة تغير المناخ. وقد شخص لاري فينك، الرئيس التنفيذي لشركة بلاك روك، والذي يُعتبر بمثابة "عمدة" القمة، هذه المشكلة الأساسية في كلمته الافتتاحية يوم الاثنين.
قال فينْك في كلمته الافتتاحية، الاثنين: "لن يحضر العديد من الأشخاص الأكثر تضررًا مما نناقشه هنا إلى هذا المؤتمر أبدًا.. هذا هو التناقض الأساسي لهذا المنتدى. دافوس تجمع نخبوي يحاول صياغة عالم يخص الجميع."
وكما هي عادة منتديات دافوس، يذكر فينْك ما هو بديهي وكأنه اكتشاف جديد. وكما لاحظ العديد من النقاد، فإن المنتدى لديه تاريخ من عدم إدراك الواقع إلا بعد فوات الأوان.
وكتبت محررة شؤون الأعمال البارزة في موقع سيمافور، ليز هوفمان ، الثلاثاء: "لقد أخطأ منتدى دافوس مرارًا وتكرارًا في توقع مسار العالم. فقد فشل المشاركون في منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين في استشراف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وحركة اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى، والموجة الشعبوية التي تلتها، وفي عام 2020، انغمس المندوبون في تناول الفوندو الجماعي بينما كان فيروس كوفيد-19 ينتشر على مرأى ومسمع الجميع على مقربة منهم، كما راهن دافوس لفترة وجيزة على عالم الميتافيرس".
إنّ عدم فهم حركة اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى والقوى التي شكلتها يعيدنا إلى مشكلة الاقتصاد ذي الشكل K، وهي مشكلة لا تقتصر على الولايات المتحدة وحدها.
فالتفاوت الصارخ في الثروة يُعدّ عاملًا مزعزعًا للاستقرار بطبيعته. ويشهد التاريخ على ذلك بأمثلة عديدة، ويكفي إلقاء نظرة على عناوين الأخبار من إيران في الأسابيع الأخيرة لرؤية هذه المخاطر تتجلى على أرض الواقع. فقد أدت سنوات من التضخم المرتفع وسوء الإدارة المالية إلى تآكل ثروات الطبقة المتوسطة، بينما مكّنت الفساد على المستويات العليا حفنة من رجال الأعمال من إثراء أنفسهم. وقد انفجر الغضب من هذا التفاوت في أواخر ديسمبر/كانون الأول مع انخفاض قيمة العملة الوطنية إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق، مما أدى إلى احتجاجات جماعية وقمع عنيف من قبل طهران.
إذا أراد المشاركون في منتدى دافوس أن يتعلموا من دروس الماضي، فسيكون من الحكمة أن يفعلوا أكثر من مجرد التظاهر بالاهتمام بالانقسام المتزايد في عالم رأس المال.
ويقول أتووتر: "لا يمكنك الحفاظ على هذا المستوى من الثراء الفاحش دون أن تكون هناك عواقب.. أعتقد أن ما يغفل عنه أصحاب النفوذ هو أن أي زيادة في عوامل الضعف قد تكون نقطة التحول الحاسمة... نحن على وشك أن ينفجر الوضع".
المصدر
المصدر: CNN Arabic
كلمات دلالية: منتدى دافوس الاقتصادي العالمي الفقر تغير المناخ منتدى دافوس منتدى دافوس
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..