قصة تاريخية ترتبط بغرينلاند.. كيف اشترت واشنطن جزر دنماركية قبل قرن؟
تاريخ النشر: 21st, January 2026 GMT
أعاد إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الاستحواذ على غرينلاند إلى الواجهة نقاشا تاريخيا قديما، بعدما هدد أخيرا بفرض تعريفات جمركية بنسبة 10 في المئة على حلفاء أوروبيين يعارضون مساعيه المتعلقة بالجزيرة الدنماركية، إذ يتمسك ترامب بتبرير هذه الخطوة بدواع ترتبط بالأمن القومي الأمريكي، من دون أن يستبعد اللجوء إلى القوة العسكرية لتحقيق هدفه.
وقوبلت مطالب ترامب برفض من قيادات غرينلاند والدنمارك، في وقت تتمتع فيه الجزيرة بحكم شبه ذاتي، ورغم أن الطموحات التوسعية الأمريكية اكتسبت زخما جديدا خلال عهد ترامب، فإن فكرة سيطرة الولايات المتحدة على أراض دنماركية ليست جديدة، بل تعود إلى أكثر من قرن.
وفي هذا السياق، استعرض تقرير لشبكة "بي بي سي" قصة جزر الهند الغربية الدنماركية، التي أصبحت تعرف لاحقا باسم جزر العذراء الأمريكية، وكيف تنازلت قوة أوروبية آخذة في الأفول عن أراض عبر البحار لصالح قوة صاعدة في ذلك الوقت.
وتقع جزر العذراء الأمريكية في البحر الكاريبي، إلى الغرب من بورتوريكو، وهي قريبة جغرافيا من جزر العذراء البريطانية، لكنها تختلف عنها، حيث يعيش في هذه الأراضي الأمريكية نحو 83 ألف نسمة، موزعين على ثلاث جزر رئيسية هي سانت جون وسانت توماس وسانت كروا، إضافة إلى أكثر من 40 جزيرة صغيرة وتكوينات رملية.
ورغم أن سكان الجزر يحملون الجنسية الأمريكية، فإن الإقليم غير مندمج بالكامل في النظام السياسي والقانوني للولايات المتحدة، إذ لا يحق لسكانه التصويت في الانتخابات الرئاسية إلا إذا انتقلوا للإقامة في إحدى الولايات.
ويمكن تتبع أصول معظم السكان إلى أجداد أفارقة جرى جلبهم كرقيق عبر الأطلسي للعمل في زراعة قصب السكر.
وعلى مدى قرون، خضعت هذه الجزر للاستعمار الدنماركي، وعرفت باسم جزر الهند الغربية الدنماركية. وخلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، تناوبت إسبانيا وإنجلترا وفرنسا وهولندا على المطالبة بملكيتها، في منطقة كانت ملاذا شائعا لقراصنة البحر الكاريبي.
وفي عام 1648، فرضت الدنمارك سيطرتها على جزيرة سانت جون، ثم أكدت نفوذها سريعا على جزيرة سانت توماس.
وبعد ذلك، توسعت في زراعة قصب السكر معتمدة على أيدي الرقيق الأفارقة الذين جلبهم التجار الأوروبيون.
وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بدأت موازين القوى تتغير. فقد تراجع النفوذ الدنماركي عالميا، في وقت كانت فيه الولايات المتحدة تخرج من الحرب الأهلية، ورأت إدارة الرئيس أندرو جونسون في التوسع على حساب النفوذ الأوروبي خطوة استراتيجية، فوجه وزير خارجيته وليام هنري سيوارد اهتمامه إلى جزر الهند الغربية الدنماركية ضمن خطة توسع سلمي.
واكتسب ميناء سانت توماس أهمية خاصة لدى الاستراتيجيين الأمريكيين، باعتباره قاعدة مناسبة للسيطرة على منطقة الكاريبي.
وفي المقابل، تراجعت أسعار السكر، ما جعل الدنمارك تنظر إلى الجزر باعتبارها عبئا اقتصاديا. وعلى هذا الأساس، بدأت مفاوضات بين واشنطن وكوبنهاغن لبيع الجزر.
وفي عام 1867، وقع الطرفان معاهدة تقضي ببيع الجزر للولايات المتحدة مقابل ذهب بقيمة 7.5 مليون دولار، أي ما يعادل اليوم نحو 164 مليون دولار، غير أن هذه المعاهدة لم تنفذ، خاصة بعد أن أتمت واشنطن شراء ألاسكا من الإمبراطورية الروسية مقابل سبعة ملايين دولار، وهي صفقة أثارت حينها سخرية وانتقادات واسعة، وأسهمت في رفض الكونغرس التصديق على اتفاقية جزر الهند الغربية.
وأغلق ملف الجزر لنحو نصف قرن، إلى أن أعيد فتحه مع اندلاع الحرب العالمية الأولى. فقد سادت مخاوف من احتمال احتلال ألمانيا لهذه الجزر بسبب موقعها الاستراتيجي، في وقت مالت فيه الدنمارك سياسيا نحو الولايات المتحدة، بينما كانت أوروبا غارقة في أتون الحرب.
ورغم فشل الرئيس وودرو ويلسون في إقناع الكونغرس والرأي العام بدخول الحرب، فإن المخاوف الأمريكية تصاعدت مع تزايد هجمات الغواصات الألمانية، لا سيما بعد إغراق السفينة البريطانية "آر إم إس لوسيتانيا" عام 1915 ومقتل 1200 شخص، بينهم أكثر من 120 أمريكيا.
وتشير الباحثة أستريد أندرسون من المعهد الدنماركي للدراسات الدولية إلى أن حياد الدنمارك أثار خشية واشنطن من وقوع الجزر وميناء سانت توماس في قبضة الألمان، واستخدامها قاعدة لشن هجمات بحرية أو حتى ضد الأراضي الأمريكية. وزاد افتتاح قناة بنما عام 1914 من أهمية السيطرة على الجزر لحماية طرق الملاحة.
وعلى ضوء هذه المعطيات، استؤنفت المفاوضات بين واشنطن وكوبنهاغن. ووفق الموقع الإلكتروني لوزارة الخارجية الأمريكية، حذرت إدارة ويلسون الدنمارك من احتمال احتلال الجزر إذا رفضت بيعها.
وتشبه أندرسون هذا الموقف بما يطرحه ترامب اليوم، في منطق يقوم على خيار البيع أو المواجهة.
وفي أغسطس/آب 1916، توصل الجانبان إلى اتفاق نهائي لبيع الجزر الحصول على ذهب ناهزتْ قيمته آنذاك 25 مليون دولار، أي ما يعادل اليوم نحو 630 مليون دولار، وفقا لبلومبرغ.
ومهد الاتفاق لاعتراف الولايات المتحدة بسيادة الدنمارك على غرينلاند، وتعهد واشنطن بعدم معارضة نفوذ كوبنهاغن السياسي والاقتصادي هناك.
وصادق البرلمانان في البلدين على الاتفاق، في وقت لم يكن معظم الدنماركيين يعدون الجزر جزءا أساسيا من دولتهم. وتشير أندرسون إلى أن السكان المحليين لم يؤخذ رأيهم في أي من مراحل البيع.
أما اليوم، فتختلف الحالة مع غرينلاند، إذ ترفض كوبنهاغن بيع الجزيرة، ما يعيد إلى الواجهة سجالا تاريخيا حول الطموحات الأمريكية وحدود القوة والنفوذ.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية سياسة دولية ترامب غرينلاند الدنماركية الولايات المتحدة الولايات المتحدة الدنمارك غرينلاند ترامب المزيد في سياسة سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الولایات المتحدة ملیون دولار فی وقت
إقرأ أيضاً:
الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟
يشير تصاعد الحديث عن "الاستقرار الإستراتيجي" بين الولايات المتحدة والصين، في أعقاب قمة مايو/أيار بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترمب والصيني شي جين بينغ، إلى مسعى لضبط التنافس ضمن أطر قابلة للإدارة.
ويتزامن ذلك مع اقتراب فرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية عالمية جديدة، إلى جانب ترقب لقاء محتمل بين الزعيمين في واشنطن في سبتمبر/أيلول المقبل، مما يعكس مرحلة دقيقة تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد.
اقرأ أيضا list of 4 itemslist 1 of 4ترمب يستعد لفرض رسوم جمركية جديدة تستهدف 60 دولةlist 2 of 4الصين تكسب معركة الصورة.. هل بدأت مكانة أمريكا العالمية بالتراجع؟list 3 of 4الصين تصدر أكثر من مليون سيارة في شهر واحد رغم التعريفات الجمركيةlist 4 of 4حرب تجارية تتسع.. كيف تستخدم الصين سلاسل التوريد في معركتها مع الغربend of listفي هذا السياق، ركزت بعض الصحف الصينية على أبعاد متعددة للعلاقات الثنائية، من فهم الخطاب المتبادل إلى التفوق الصيني في بناء السفن ومحاولات واشنطن لموازنته، وصولا إلى القيود التجارية وتوقعات الردود المقابلة، مما يضعنا أمام السؤال الأهم، وهو هل نحن أمام تصعيد جديد في الحرب التجارية أم احتكاك اقتصادي يدار ضمن قواعد هذا الاستقرار؟
لا ينبغي أن يقتصر بناء المعرفة اللغوية على تلبية الاحتياجات الدفاعية، فضعف برامج اللغات المدنية، يفقد واشنطن المعرفة الثقافية والتاريخية والسياسية والاجتماعية اللازمة لفهم الصين
بواسطة شينغ يو وانغ
توافق لغوي واختلاف جوهريبحسب ما أوردته صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست ، ظهر مفهوم "الاستقرار الإستراتيجي" في بيانات الجانبين عقب لقاء الرئيسين في بكين في مايو/أيار الماضي، لكن بصياغتين مختلفتين تعكسان تباينا في الدلالة والرؤية.
فقد قدم البيت الأبيض العلاقة على أنها "بناءة على أساس الإنصاف والمعاملة بالمثل"، بينما اكتفت بكين بوصفها "علاقة ثنائية بناءة للاستقرار الإستراتيجي".
وتشير الصحيفة إلى أن هذا الاختلاف اللغوي ليس تفصيلا شكليا، بل يعكس فجوة أعمق في تفسير النوايا الإستراتيجية، إذ يرى محللون أن اللغة الصينية الرسمية "غامضة بشكل مقصود" بما يمنح القيادة مرونة سياسية، في حين تعاني واشنطن من صعوبات متزايدة في تفسير الخطاب الصيني بسبب تراجع قدراتها في الكوادر اللغوية والمعرفية.
إعلانووفقا لكايل تشان، الباحث في مركز جون إل ثورنتون الصيني في معهد بروكينغز "فإن تراجع الدعم الحكومي والاهتمام بين الطلاب الأمريكيين يترك فجوة كبيرة في القدرات اللغوية الصينية"، ويؤيده في هذا الرأي شينغ يو وانغ، الباحث في معهد سياسات جمعية آسيا ، الذي يشير إلى أهمية اتباع نهج أوسع لبرامج اللغة.
ويقول إنه "لا ينبغي أن يقتصر بناء المعرفة اللغوية على تلبية الاحتياجات الدفاعية فقط، فإذا ما ضعفت برامج اللغات المدنية، فقد تفقد واشنطن المعرفة الثقافية والتاريخية والسياسية والاجتماعية الأوسع اللازمة لفهم الصين كنظام متكامل".
تصعيد أم احتكاك مدروسفي السياق ذاته، أفادت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست أن الولايات المتحدة تقترب من فرض إطار جديد لتعريفات جمركية عالمية، قد يشمل نحو 60 اقتصادا تمثل 99% من وارداتها، ويستند هذا التوجه إلى أدوات قانونية أكثر مرونة مثل المادة 301، بما يسمح بفرض رسوم موجهة وقابلة للتوسع.
وترى أليسيا غارسيا هيريرو، كبيرة الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك الاستثمار الفرنسي ناتيكس ، أن هذا الإطار يمثل "أداة إستراتيجية طويلة الأجل" وليس إجراءً مؤقتا، مشيرة إلى احتمال فرض رسوم إضافية أو قطاعية إذا استمرت اختلالات التجارة أو المخاوف الأمنية.
ورغم ذلك، ترجّح الصحيفة أن التأثير الفوري سيكون محدودا، وأن المسار العام يعكس "منافسة مُدارة" أكثر من كونه قطيعة كاملة، خاصة في ظل استقرار نسبي شهدته العلاقات هذا العام بعد فترة من التصعيد الجمركي المتبادل.
الإجراءات العقابية على قطاع صناعة السفن قد ترفع التكاليف على المستهلكين الأمريكيين إذا لم تقترن بإعادة بناء القدرة الإنتاجية المحلية
بواسطة ماثيو فونايول
رد مقيد وقنوات مفتوحةتجمع التقديرات التي نقلتها الصحيفة على أن بكين ستتجه إلى ردود "مقيدة ومدروسة"، تشمل تعريفات مستهدفة أو قيودا غير جمركية أو ضوابط على الصادرات، مع الحفاظ على قنوات التفاوض لتجنب تداعيات اقتصادية أوسع.
ويشير شو تيان تشن من وحدة الاستخبارات الاقتصادية إلى أن الإجراءات الأمريكية الحالية لا تستهدف الصين حصرا، وأن بكين قد "تقبل إلى حد كبير" هذه الرسوم إذا بقيت ضمن حدود معينة. ويضيف أن أي رد صيني سيكون "رمزيا في جوهره"، وقد يستخدم كورقة ضغط للحصول على تنازلات أمريكية في ملفات أخرى.
وتظل قضية "العمل القسري" أحد محاور الخلاف المستمرة منذ الولاية الأولى لترمب، حيث تستخدمها واشنطن لتبرير القيود التجارية، وهو ما يعزز الطابع السياسي للنزاع التجاري بين البلدين.
في موازاة ذلك، تبرز صناعة بناء السفن كجبهة جديدة في التنافس، وتفيد ساوث تشاينا مورنينغ بوست أن الكونغرس الأمريكي يدرس فرض تعريفات ورسوم موانئ وعقوبات تستهدف هذا القطاع، الذي بات يُنظر إليه كقضية اقتصادية وأمنية في آن واحد.
ويعكس هذا التوجه قلقا أمريكيا متزايدا من تفوق الصين، التي تستحوذ على أكثر من نصف الإنتاج العالمي للسفن التجارية، مقابل أقل من 1% للولايات المتحدة.
إعلانوأشار نواب أمريكيون، مثل النائب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا آمي بيرا، إلى أن واشنطن "تتخلف أكثر فأكثر عن الصين" في هذا المجال.
وتتهم الولايات المتحدة الصين بالاعتماد على دعم حكومي لتوسيع هذا القطاع، وهو ما تنفيه بكين، مؤكدة أن تفوقها يعود إلى الابتكار والكفاءة الصناعية.
كما يحذر خبراء، مثل ماثيو فونايول، من أن الإجراءات العقابية قد ترفع التكاليف على المستهلكين الأمريكيين إذا لم تقترن بإعادة بناء القدرة الإنتاجية المحلية.
من الصدمة إلى الضغط
في المقابل، تقدم تقارير صحفية أخرى قراءة مغايرة للاتهامات الغربية، معتبرة أن مفاهيم مثل "صدمة الصين" و"الفائض الإنتاجي" وصولا إلى "الضغط الصيني" تعكس جميعها "سرديات مضللة".
وترى صحيفة تشاينا ديلي أن هذه المفاهيم تخلط بين التنافسية والممارسات غير العادلة، وتتجاهل دور الصين كمحرك للنمو العالمي، ويستشهد تقرير الصحيفة بدراسة لصندوق النقد الدولي عام 2025 خلصت إلى أن الصين ساهمت بشكل كبير في النمو الاقتصادي العالمي وتأثيراته الإيجابية.
كما تؤكد تشاينا ديلي أن صعود الصين الصناعي يستند إلى عوامل هيكلية مثل الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والابتكار، وأن اندماجها في سلاسل القيمة العالمية يخلق فرصا للدول النامية بدلا من إقصائها.
في ضوء هذه المعطيات، توحي الصحف الصينية بأن العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة تتجه نحو نموذج هجين متشكل من تصعيد محسوب ضمن إطار "استقرار إستراتيجي"، إذ بينما تطور واشنطن أدوات ضغط أكثر مرونة واتساعا، تستعد بكين لردود انتقائية تحافظ على التوازن وتتفادى الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
وحيث تتوسع ساحات التنافس لتشمل قطاعات إستراتيجية كصناعة السفن والتبادلات البحثية والعلمية، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الطرفين على إدارة هذا الاحتكاك دون تقويض الاستقرار الاقتصادي العالمي، وهو ما تعكسه الدلالات اللغوية التي تؤكد التنافس وتقيّده في آن واحد.