خيارات الغربة: بين الكاتب والخبير
تاريخ النشر: 22nd, January 2026 GMT
من الكتب التي توقفت أمامها طويلا ووجدت فيها ما يتسق مع الكثير من آرائي بل وبعض تجاربي أيضا في "المهجر" الأوروبي، أو بالأحرى في "الغربة" كتاب "خطاب إلى القاريء العادي" للكاتب الكبير الدكتور غالي شكري. وهو اقتبس تعبير "القاريء العادي" من أستاذه المفكر الكبير سلامة موسى، الذي وصف القاريء العادي بأنه ذلك الذي "يستطيع أن يحيا على نحو أفضل مما كلن عليه قبل القراءة".
وفي كتابه هذا يتوقف غالي شكري أمام فكرة لمستها بنفسي كثيرا خلال سنوات الطويلة الممتدة في لندن. فهو الذي قضى أكثر من عشر سنوات في العاصمة الفرنسية باريس، لمس كيف أن باريس ليست عاصمة فرنسية فقط، بل هي مدينة "عالمية" تماما مثل لندن، تستطيع شوارعها وأسواقها ومقاهيها وجامعاتها وعاداتها وحياتها كلها، أن تكون مناخا ملهما للكاتب أو الفنان، من أي مكان أتى. وهذا صحيح إلى حد كبير.
وباريس أو لندن، وهما مدينتان تضمان البشر من عشرات الأجناس واللغات والثقافات، يمكن للقادمين بشكل خاص من "الحضارة نفسها
التعايش مع "الثقافات" المختلفة لهذه "الحضارة". فما معنى هذا؟
المقصود أن القادمين للعيش في مثل هاتين المدينتين "العالميتين" أن يقضوا بقية أعمارهم فيهما، من دون انطواء أو عزلة أو إحساس حاد بالغربة. كان هذا في حالة باريس مثلا، حال بيكاسو القادم من إسبانيا، وشاجال من روسيا، وصامويل بيكيت من أيرلندا، وأوفيسكو من رومانيا. وفي حالة لندن، جوزيف كونراد الأوكراني، وكارل ماركس الألماني، وأوسكار وايلد الأيرلندي، وهنري جيمس الأمريكي، وغيرهم بالطبع.
يجمع بين أبناء المدن الأوروبية جميعا، حضارة واحدة، من اليونان إلى عصر النهضة، إلى العصر الحديث. لكن الأمر يختلف تماما بالنسبة للقادمين من افريقيا وآسيا، وطبعا، من العالم العربي. فانت أمام "أهل البلد"، غريب، سجين في ثقافتك الأخرى المختلفة تماما عن ثقافتهم. ولكي تنال "الاعتراف" أمامك ككاتب ومثقف، أحد اختيارين: إما أن تندمج تماما وتذوب في ثقافة "الآخر" الأوروبي، وهو الأقوى ثقافيا رغم عراقة حضارتك وتاريخك، فتكتب بلغته وتفكر مثله، وحبذا أيضا، لو تزوجت من بنات البلد الذي أنت وافد عليه، وهو ما حدث ويحدث كثيرا بالطبع، ولا شك عندي أنه أنتج أسماء كثيرة من المبدعين في شتى المجالات منهم من ساهم مساهمة ملموسة في الأدب والفكر السياسي والاجتماعي والنقدي.
والاختيار الثاني هو أن يعتبر الكاتب أو الفنان "الوافد" أنه جاء لكي ينهل من العلوم والثقافات ويثقل معرفته بكل ما يستطيع أن يناله من "الحضارة الأوروبية" بما في ذلك علوم اللغة ومناهج التفكير العلمي وغيرها ويتخذ من مكانه موقعا ملائما للتفكير والإبداع في مناخ أفضل، أي يعتبر نفسه بالتالي، في "بعثة" قد تطول وتمتد رغما عنه، لكن من دون أن يفقد أبدا ذهنية "المقيم المؤقت" حتى بعد أن ينال جنسية البلد الذي يقيم فيه، فهو لن يصبح "مهاجرا" بالمعنى النفسي والاجتماعي. وفي هذه الحالة يصبح جزءا من المجتمع، يتأثر بما يحدث فيه، دون أن يؤثر فيه بالضرورة.
غالي شكري كان يرى أن البديل الوحيد لهذين الاختيارين هو أن يتحول "الكاتب" إلى "خبير" أجنبي في شئون بلاده. وكثيرا ما واجهت شخصيا هذا الخيار المرفوض، فكان هناك من يقابلني وعندما يعرف أنني مصري الأصل وأنني اكتب في النقد السينمائي، يسألني عما إذا كنت أكتب أيضا عن السينما الأوروبية أو غير المصرية، كما حدث أنني عندما حاولت التعامل مع بعض المجلات البريطانية، وجدتهم يطلبون مني الكتابة عن السينما المصرية، أو العربية، أي أن أصبح "خبيرا أجنبيا" بينما أنا أريد أن أكون كاتبا فقط. لذلك فضلت الكتابة باللغة العربية، من دون أن أصبح "خبيرا" أو منغلقا على الشأن المصري أو العربي كما يفعل كثيرون أصبحوا خبراء أجانب في شءون بلادهم لدى "الفرنجة".
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: د أمير العمري المتجر الأوروبي
إقرأ أيضاً:
شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
كشفت الفنانة المعتزلة شمس البارودي تطورات حياة نجلها الفنان عمر حسن يوسف، مؤكدة أنه بخير، وقالت باللهجة الدارجة: «الحمد لله، عمر كان فرحان جدًا ومتواصل دائمًا مع ياسر جلال وأشرف زكي».
وأضافت أن عمر هو الوحيد من أبنائها الذي أحب مهنة والده الراحل حسن يوسف، مشيرة إلى أن زوجها الراحل «كان بيحبه جدًا»، بينما لم يتجه بقية أبنائها، ناريمان ومحمود وعبد الله، رحمه الله، إلى المجال الفني.
وتابعت البارودي، في مداخلة هاتفية مع الإعلامية بسمة وهبة مقدمة برنامج 90 دقيقة، عبر قناة المحور، أنها تنظر إلى دور الحماة باعتباره دور الأم، وقالت: «الحمى دي أم، وأنا بروح أطبخ ليهم وبحبهم جدًا»، معربة عن سعادتها باختيار عمر لزوجته، وأضافت: «الجميل إن ابني عمر اختار زوجة بتسعده، وأنا بقول دايمًا "اللي يحب ابني أحبه"».
وأوضحت أنها لم تكن بحاجة إلى أن توصي عمر بشيء عند زواجه، لأنه نشأ وهو يرى كيف كان والده يعامل والدته، وقالت: «هو شاف والده كان بيعامل أمه إزاي، فمش محتاج وصية، هو قدوته أبوه»، مؤكدة أن حسن يوسف كان «نعم الزوج ونعم الأب»، واحتواها بحنان كبير، بل إنه عندما تزوجها كان يخشى عليها من مشقة العمل وقال لها: «هنتجلك وأخرجلك» حتى يخفف عنها أعباء المهنة.
وفي حديثها عن المسيرة الفنية لعمر حسن يوسف، أوضحت شمس البارودي أنه حصل على فرص كثيرة، لكنها أشارت إلى أنه في بداياته «مكنش مركز». وأضافت أن والده الراحل كان حريصًا دائمًا على أن يضع التعليم في المقام الأول، وكان يردد أن «الشهادة أهم من أي حاجة»، ولذلك أصر على أن ينهي عمر دراسته أولًا ثم يتجه بعد ذلك إلى ما يرغب فيه.
وأكدت أنها كانت تخشى عليه من الشهرة، وقالت باللهجة الدارجة: «أنا كنت خايفة عليه من الشهرة لأن تمنها قاسي والإنسان مبيعرفش يعيش حياته بخصوصية»، في إشارة إلى الأعباء التي تفرضها الحياة تحت الأضواء.