هل تؤثر تطورات سوريا على الداخل التركي؟
تاريخ النشر: 22nd, January 2026 GMT
أنقرة- اندلعت -الثلاثاء الماضي- احتجاجات في مدينة نصيبين التركية الحدودية المقابلة لمدينة القامشلي السورية ذات الغالبية الكردية، رفضا لما تقوم به الدولة السورية ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
جاءت الاحتجاجات بدعوة من حزب المساواة والديمقراطية للشعوب (ديم) الكردي، ثالث أكبر حزب في تركيا. وبالتزامن مع ذلك، عقد نواب الحزب الكردي اجتماعهم البرلماني الأسبوعي بمدينة نصيبين بدلا من البرلمان في أنقرة.
وشارك في المسيرة التي جابت شوارع المدينة مئات المتظاهرين متوجهين نحو الحدود، ورافعين شعارات تُندد بالعملية العسكرية السورية ضد الأكراد، وتدخلت الشرطة التركية، مستخدمة قنابل الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين بعدما رفضوا التراجع.
تمدد الاحتجاجاتوسرعان ما امتدت التحركات إلى مدن تركية أخرى ذات غالبية كردية أو مختلطة السكان، ففي ديار بكر، كبرى مدن الجنوب الشرقي، خرجت تظاهرات فرّقتها الشرطة باستخدام الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي.
وفي إسطنبول، تجمّعت -مساء الثلاثاء- نحو 150 ناشطة كردية في إحدى الساحات العامة ورددن هتافات داعمة لـ"روج آفا" (الإدارة الكردية في شمال سوريا)، وشهدت مدن أخرى، بينها وان وماردين وشرناق، احتجاجات مماثلة تضامنا مع الأكراد في سوريا.
وأسفرت هذه التحركات عن توقيف عشرات الأشخاص في أنحاء البلاد، وأعلن وزير العدل التركي، يلماز تونش، أن السلطات فتحت تحقيقات مع 356 شخصا على خلفية تلك الأحداث، موضحا أنه تم توقيف 35 منهم رسميا، وأطلق سراح 45 آخرين بشرط الرقابة القضائية، بينما لا يزال 77 قيد الاحتجاز.
في أحد أبرز الحوادث التي فاقمت التوتر، أقدم محتجون في نصيبين على إنزال العَلم التركي من أحد أبراج المراقبة العسكرية الحدودية وأحرقوه، ووثّقت مقاطع فيديو انتشرت على الإنترنت محاولة متظاهرين تسلق الجدار الحدودي وإشعال النار في العلم وسط هتافات غاضبة، وأثار المشهد إدانات حادة من المسؤولين الأتراك الذين وصفوه بأنه "استفزاز متعمد" يهدف إلى تخريب عملية السلام.
وقوبلت الاحتجاجات التي شهدتها عدة مدن تركية، وفي مقدمتها نصيبين، برد فعل حاسم من السلطات التي شددت على رفضها القاطع لأي محاولة لزعزعة الاستقرار الداخلي أو نقل التوترات الإقليمية للساحة التركية.
إعلانوسارع وزير العدل التركي لإعلان فتح تحقيقات موسعة شملت مئات الأشخاص على خلفية أحداث الشغب، بينما أعلنت وزارة الدفاع فتح ملفات قضائية بحق من وصفتهم بأنصار التنظيم الإرهابي الذين حاولوا التسلل عبر الحدود خلال الاحتجاجات في نصيبين.
وفي أول تعليق رسمي، وصف مدير الاتصالات في الرئاسة التركية، برهان الدين دوران، ما جرى بأنه محاولة من "قوى مظلمة" لإفشال مساعي الدولة في اجتثاث الإرهاب، مؤكدا أن مثل هذه التحركات لن تنال من وحدة البلاد ولا من إرادة الشعب.
كما توعد المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية، عمر تشيليك، برد صارم وواضح على "أي استفزاز يهدد السلم الأهلي".
وفي موقف لافت، جدّد الرئيس رجب طيب أردوغان دعمه الكامل للعملية التي ينفذها الجيش السوري ضد المجموعات المسلحة في شمال البلاد، مشيدا بما وصفه بـ"الدقة والانضباط" في تلك العمليات، ومؤكدا أن مرحلة التهاون مع الإرهاب في المنطقة قد انتهت.
"تنفيس آني"وفي السياق، يرى المحلل السياسي علي أسمر، أن ما تشهده بعض المدن التركية من احتجاجات لا يعكس توجها كرديا إستراتيجيا بقدر ما يعكس لحظة ضغوط سياسية وإحراج ظرفي، واصفا سلوك حزب الشعوب الديمقراطي الكردي في هذا السياق بأنه "رد فعل اضطراري أكثر من كونه تعبيرا عن موقف حقيقي".
وأوضح أسمر للجزيرة نت أن زعيم حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، كان واضحا في تحذيره من أن أي تصعيد عسكري بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحكومة السورية إنما يستهدف إفشال مسار "تركيا بلا إرهاب"، وهو المسار الذي يحظى -بحسب قوله- بإجماع ضمني من أطرافه الأساسية: الدولة التركية، وحزب الشعوب الديمقراطي، وقيادة أوجلان.
وأضاف "الحزب يدرك جيدا أن مصلحة الأكراد تكمن في استمرار الانفتاح السياسي داخل تركيا، وليس في مغامرات بعض قيادات قنديل (جبال قنديل معقل حزب العمال الكردستاني) التي باتت خارج السياق المحلي والإقليمي".
وأشار أسمر إلى أن مظاهرات "هنا وهناك" لا تعبر عن نية تصعيد سياسي بقدر ما تمثل حالة "تنفيس آني"، مشددا على أن مؤشرات عديدة -بينها موقف قيادة إقليم كردستان العراق ممثلة في مسعود البارزاني– تؤكد وجود تباعد واضح عن أجندة حزب العمال الكردستاني.
وختم بأن "التمسّك بخيار المشاركة السياسية السلمية ضمن الدولة التركية هو الطريق الواقعي الذي يفضله الشارع الكردي، وأي خروج عنه يبقى هامشيا ومحدود الأثر".
من جانبها، قالت خبيرة العلاقات الدولية داملا تاشكن، إن البنية الاجتماعية التركية التي ورثت تقاليد العيش المشترك والتعددية الثقافية من الحقبة العثمانية، تقوم على وعي جمعي يُجمع فيه المواطنون حول الثوابت الوطنية، وفي مقدمتها العَلم التركي والقيم الجمهورية، مؤكدة أن أي مساس بهذه الرموز يعد "خطا أحمر" يتجاوز الحسابات السياسية.
وأشارت تاشكن للجزيرة نت، إلى أن القانون التركي يعاقب بشدة على أي إساءة للعلم، لافتة إلى أن الدولة تواصل التمسُّك بثنائية حماية الأمن القومي وتعزيز المسار الديمقراطي، بينما يُكرر حليف الحكومة، زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهتشلي، التأكيد على أولوية السيادة الوطنية والوحدة الداخلية.
إعلانوفي تعليقها على حادثة إنزال العلم التركي، أوضحت تاشكن أن ديم أصدر بيانا أكد فيه احترامه لرموز الدولة، وشدد على أن الحزب "لا مشكلة له مع العَلم".
غير أنها رأت في هذا الموقف محاولة للتدارك السياسي، مشيرة إلى أن الحزب يبدو راغبا في مواصلة التفاعل مع الدولة ضمن مسار "تركيا بلا إرهاب"، إلا أنه يفتقر للسيطرة الكاملة على قاعدته الشعبية.
وختمت تاشكن مؤكدة أن سياسات أنقرة الأمنية، سواء في الداخل أو على الحدود، واضحة في رفضها لأي بنية مسلحة تابعة لوحدات حماية الشعب أو قوات قسد الكردية، وأن مؤسسات الدولة متفقة على أن أي سلوك عدائي يستهدف النظام العام أو القيم الوطنية، سيواجه بالحزم وبإجماع سياسي وشعبي عابر للخلافات الحزبية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات إلى أن
إقرأ أيضاً:
إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «7-10»: نحو جيل جديد من الأحزاب
إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «7-10»: نحو جيل جديد من الأحزاب
ميرغني الحبر/ المحامي
لم تعد الأحزاب السياسية في القرن الحادي والعشرين تعمل بالوسائل التي نشأت بها في منتصف القرن الماضي. فقد أحدثت الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وتطور وسائل الاتصال، ومنصات التواصل الاجتماعي، تحولاً عميقاً في طبيعة العمل السياسي، وأعادت تعريف العلاقة بين الحزب والمواطن، وبين القيادة والعضوية، وبين المعرفة وصناعة القرار.
وفي المقابل، ما تزال غالبية الأحزاب السودانية، على اختلاف مدارسها الفكرية وتوجهاتها السياسية، تعمل بهياكل وأساليب تنظيمية تعود إلى عقود مضت، تعتمد على الاجتماعات التقليدية، والقيادة الهرمية، وضعف توظيف التكنولوجيا في الإدارة، ومحدودية مشاركة القواعد في صناعة القرار.
ومن هنا يبرز سؤال يفرض نفسه بإلحاح، خاصة في ظل ما يمر به السودان من مرحلة إعادة بناء بعد الحرب: هل يحتاج السودان إلى مجرد أحزاب جديدة تحمل أسماء مختلفة، أم أنه يحتاج إلى جيل جديد من الأحزاب، يختلف في فلسفته، وأدواته، وبنيته المؤسسية، وقدرته على الاستجابة لمتطلبات العصر؟
إن الحديث عن جيل جديد من الأحزاب لا يقتصر على استخدام الوسائل التقنية الحديثة، ولا يعني مجرد استبدال الأوراق بالشاشات، أو الاجتماعات الحضورية بالاجتماعات الافتراضية. فالتحول الحقيقي يبدأ بإعادة تعريف الحزب نفسه، باعتباره مؤسسة وطنية تتخذ قراراتها على أساس المعرفة، وتدير شؤونها بالمؤسسية، وتستثمر التكنولوجيا لتعزيز المشاركة والشفافية والكفاءة. ومن هذا المنطلق تبرز فكرة “الحزب الذكي” باعتبارها أحد أهم نماذج الأحزاب التي يمكن أن تستجيب لتحديات المستقبل.
الحزب الذكي… ليس حزباً افتراضياًحين نتحدث عن “الحزب الذكي”، فإننا لا نعني حزباً يعمل عبر الإنترنت فقط، ولا تنظيماً افتراضياً يفتقد حضوره في المجتمع.
بل نعني حزباً يوظف التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي لبناء مؤسسة سياسية أكثر كفاءة وشفافية وقدرة على خدمة المواطنين، فيجمع بين الحضور الميداني الفاعل والإدارة الرقمية الحديثة، ويجعل التكنولوجيا وسيلة لتعزيز الديمقراطية، لا بديلاً عن العمل السياسي المباشر.
أولاً: العضوية الرقميةلم يعد من المقبول أن تعتمد الأحزاب على سجلات ورقية أو قواعد بيانات غير محدثة.
فالحزب الحديث ينبغي أن يمتلك نظاماً رقمياً متكاملاً لإدارة العضوية، يتيح التسجيل الإلكتروني، وتحديث البيانات بصورة مستمرة، وإصدار بطاقات عضوية رقمية، مع ضمان أمن المعلومات وحماية خصوصية الأعضاء.
ولا تقتصر أهمية ذلك على تسهيل الإدارة، وإنما تمتد إلى تحسين التخطيط، ومعرفة التوزيع الجغرافي والمهني للعضوية، والاستفادة من خبراتها في مختلف مجالات العمل الحزبي.
ثانياً: الديمقراطية الرقميةيمكن للتكنولوجيا أن تعيد الحيوية إلى الحياة الحزبية.
فبدلاً من انتظار المؤتمرات العامة التي قد تنعقد كل عدة سنوات، يستطيع الحزب تنظيم انتخابات داخلية إلكترونية، وإجراء استفتاءات واستطلاعات رأي حول القضايا المهمة، بما يوسع دائرة المشاركة، ويعزز شعور الأعضاء بأنهم شركاء حقيقيون في صناعة القرار.
ثالثاً: الحزب الذي يصنع قراراته بالمعرفةأصبحت البيانات في عالم اليوم مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الموارد المالية أو البشرية.
ولهذا فإن الحزب الذكي لا يبني مواقفه على الانطباعات أو ردود الأفعال، وإنما يعتمد على الدراسات والإحصاءات، واستطلاعات الرأي، وتحليل احتياجات المجتمع، والاستفادة من الخبراء والمتخصصين في مختلف المجالات.
فالسياسة الحديثة لم تعد مجرد فن للخطابة أو الحشد الجماهيري، بل أصبحت علماً يقوم على المعرفة والتحليل والتخطيط.
رابعاً: الذكاء الاصطناعي في خدمة السياسةلا يعني استخدام الذكاء الاصطناعي أن تحل الآلات محل الإنسان في اتخاذ القرار السياسي، وإنما أن تصبح أداة تساعد على تحليل المعلومات، ودراسة البدائل، وتقييم آثار السياسات العامة، وإعداد التقارير، واختصار الوقت والجهد.
أما القرار النهائي، فيظل مسؤولية الإنسان، لأنه وحده القادر على الموازنة بين القيم والمصالح والاعتبارات الوطنية والأخلاقية.
خامساً: مراكز التفكير وصناعة السياساتالحزب الذي يطمح إلى قيادة دولة حديثة لا يمكن أن يكتفي باللجان التنظيمية التقليدية.
إنه يحتاج إلى مراكز دائمة للبحوث والدراسات، تضم خبراء في الاقتصاد والقانون والتعليم والزراعة والصحة والإدارة والبيئة والتحول الرقمي وغيرها من المجالات، حتى تصبح برامجه وسياساته مبنية على المعرفة والخبرة، لا على الاجتهادات الفردية أو ردود الأفعال الآنية.
سادساً: الشفافية الرقميةالثقة هي رأس المال الحقيقي لأي حزب سياسي.
ولهذا ينبغي أن يتيح الحزب لأعضائه، وللرأي العام، الاطلاع على تقاريره المالية، وأنشطته، ونتائج انتخاباته الداخلية، وخططه وبرامجه، عبر منصات رقمية محدثة، تعكس التزامه بالمحاسبة والشفافية، وتمنح المواطنين أسباباً حقيقية للثقة فيه.
هل يستطيع السودان بناء هذا النموذج؟قد يرى البعض أن الحديث عن حزب ذكي، في ظل ما يواجهه السودان من تحديات سياسية واقتصادية وأمنية، يبدو سابقاً لأوانه.
غير أن التجارب الدولية تثبت أن فترات إعادة بناء الدول هي في كثير من الأحيان أفضل الفرص لإعادة بناء مؤسساتها أيضاً.
وليس من الحكمة أن نعيد تأسيس أحزاب القرن الماضي بالأدوات نفسها، بينما يتغير العالم من حولنا بوتيرة غير مسبوقة.
ويمتلك السودان من الطاقات البشرية والكفاءات المهنية، في الداخل والخارج، ومن الشباب المتعلم القادر على استيعاب أدوات العصر، ما يؤهله لبناء نموذج حزبي جديد، متى ما توافرت الإرادة السياسية والرؤية المؤسسية.
نحو حزب للمستقبلإن الحزب الذي يحتاجه السودان ليس حزباً للنخب وحدها، ولا حزباً انتخابياً يظهر كل بضع سنوات ثم يغيب، وإنما مؤسسة وطنية دائمة، تتعلم باستمرار، وتراجع أداءها باستمرار، وتفتح أبوابها للكفاءات، وتعتبر خدمة المواطن معيار نجاحها الأول.
فالمستقبل لن يكون للأحزاب الأكبر عدداً، بل للأحزاب الأكثر معرفة، والأفضل تنظيماً، والأكثر قدرة على التعلم، والأقرب إلى المجتمع.
ختاماًإن بناء الحزب السوداني الذكي ليس حلماً تقنياً، بل مشروعاً سياسياً وأخلاقياً، يقوم على الإيمان بأن الديمقراطية تصبح أكثر قوة وكفاءة وشفافية عندما توظف أدوات العصر في خدمة الإنسان، لا في السيطرة عليه.
وقد تكون الحرب التي مزقت السودان درساً بالغ القسوة، لكنها تمنحنا أيضاً فرصة تاريخية لإعادة التفكير في شكل الدولة، وطبيعة الأحزاب، وأدوات العمل السياسي.
فإذا كنا نطمح إلى بناء جمهورية سودانية جديدة، فإن هذه الجمهورية تحتاج، بالضرورة، إلى جيل جديد من الأحزاب؛ أحزاب تستلهم أفضل ما وصلت إليه الخبرة الإنسانية في التنظيم والإدارة وصناعة السياسات، دون أن تفقد هويتها الوطنية أو صلتها بقضايا المجتمع وتطلعات مواطنيه.
وفي الحلقة القادمة، ننتقل من الفكرة إلى التطبيق، لنجيب عن سؤال عملي: كيف يمكن تأسيس حزب سوداني حديث؟ وما المبادئ التنظيمية والدستورية التي ينبغي أن يقوم عليها منذ يومه الأول؟.
إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «6-10»: نحو نموذج حزبي يستجيب لتحديات السودان
الوسومالأحزاب السودانية الحزب الرقمي الديمقراطية الديمقراطية الرقمية الذكاء الاصطناعي السودان الشفافية الرقمية القوى الحديثة صناعة السياسات مركز التفكير ميرغني الحبر المحامي