منذ سنوات طويلة ونحن نعرف في مجتمعاتنا حالة مركّبة من العزوف: عزوف عن المشاركة السياسية في الانتخابات بجميع مستوياتها، وعزوف عن القراءة والمطالعة، وأيضاً بدأنا نسجل عزوفاً عن الزواج، وفي طريقنا بخطى ثابتة نحو نوع آخر أو تمظهر جديد من تمظهرات حالة العزوف الذاتية والعامة، وهو العزوف عن الإنجاب والاكتفاء بالحد الأدنى، حيث إنه في بعض الأوساط بدأت تُروَّج، بشكل هامس، فكرةُ الطفل الواحد.
كل هذه الأبعاد نلاحظها في الواقع الاجتماعي العربي العام ونتحدث عنها، وهناك البعض من هذه الأبعاد أو التمظهرات من حالة العزوف، تم تناولها في دراسات، خصوصاً ظاهرتَي العزوف عن المشارَكة السياسية، والعزوف عن القراءة.
ولكن لا نتحدث إلا همساً عن ظاهرة خطيرة، تتمثل في العزوف عن مادة الرياضيات في صفوف تلاميذنا وطلبتنا. والأمر بالنظر إلى الأرقام قد بلغ درجة تبعث على القلق باعتبار ارتباط الرياضيات بالمستقبل، والعلم، والازدهار، والتفوق، والإبداع التكنولوجي.
لا شك في أن العزوف خصوصاً في طابعه المركّب المعقد هو تعبير عن حالة نفسية واجتماعية واقتصادية وحضارية ليست حسنة ولا صحية. غير أن ما يتصل بالتعليم والعلم والمعرفة عادة ما يمثل نوعاً من العلاج وطوق الأمل والنجاة في كل اللحظات الحضارية الداكنة. لذلك فإن العزوف عن مادة الرياضيات تحديداً يعد عزوفاً إشكالياً ومقلقاً، وهو يختلف عن العزوف عن القراءة مثلاً، الذي يمكن تفسيره بغلاء الكتب وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي وتكنولوجيا الاتصال الحديثة، في حين أن مشكلة مادة الرياضيات أنها مادة أساسية تدرس في المدارس والمعاهد وينفر منها التلاميذ، وتحصيل الأغلبية فيها ضعيف جداً. كما أن الذين يختارون التوجه لشعبة الرياضيات أصبحوا، مقارنة بعدد التلاميذ الذي يختارون شعب الاقتصاد والتصرف والآداب والإعلامية، يعدون على الأصابع حقيقة، وليس مجازاً.
لماذا هذا النفور الرهيب من الرياضيات من طرف تلاميذنا وطلبتنا؟ وما مصداقية الرّهان على التقدم والتنمية والحال أن الجيل الذي سيأخذ المشعل بعد سنوات قليلة في بلداننا ينفر من الرياضيات ويسقطها من اهتماماته؟
من المهم الإشارة إلى أن العالم يحتفل غداً باليوم الدولي للتعليم، إضافة إلى أن التعليم الجيد يشكل هدفاً رابعاً من أهداف التنمية المستدامة، ويأتي هذا الهدف مباشرة بعد هدفَي مقاومة الجوع والفقر. لذلك فإن تناول قضية النفور من الرياضيات لدى الناشئة اليوم في بلداننا إنما يندرج ضمن شرط أساسي للتعليم الجيد.
ما يلفت الانتباه أننا ننتمي إلى حضارة ذات صلة وإسهامات في علم الرياضيات، بل إن تأسيس علم الجبر قد تم على يد الخوارزمي في القرن التاسع الميلادي، من دون أن نغفل الإسهامات الدقيقة للأعلام مثل الطوسي والبيروني وابن الهيثم في الهندسة ونظرية الأعداد، وصولاً إلى المعطى التاريخي الذي يقول صراحة إن العلماء العرب نقلوا هذه المعارف إلى أوروبا عبر الترجمات اللاتينية، التي شكلت سبباً مهماً في النهضة الأوروبية، وظهور النهضة العلمية التي مهدت للثورة الصناعية.
هكذا هو التاريخ بكل عنفوانه ولمعانه. أما اليوم فمادة الرياضيات تعرف مشكلاً عميقاً في بلداننا كافة، ونذكر من هذه البلدان مصر وتونس: في مصر هناك عزوف عن دراسة الرياضيات في الجامعات المصرية، وفي تونس يوجد حديث عن هجرة التلاميذ لشعبة الرياضيات، حيث إن عدد التلاميذ الذين اجتازوا بكالوريا الرياضيات في تونس في إحدى الدورات الأخيرة لم يتجاوز الـ700 تلميذ في بلد يجري فيه الآلاف من التلاميذ مناظرة البكالوريا في كل عام.
لرياضيات تكون صعبة عندما لا يتم ربطها بالواقع وبالحياة اليومية فتظل مجردة
إننا نقترب من لحظة عربية سيئة سنجد فيها أنفسنا أمام انقراض شعبة الرياضيات في مدارسنا وجامعاتنا، ولا يجب أن نغتر بالمرة بعدد قليل من المتفوقين.
من الواضح وجود مشكل بيداغوجي، ومشكل في طريقة تدريس الرياضيات في سياساتنا التربوية، وهذا المشكل متأصل في المرحلة الابتدائية من التعليم، حيث تُصنع بدايات الشغف بالمواد.
فالرياضيات تكون صعبة عندما لا يتم ربطها بالواقع وبالحياة اليومية فتظل مجردة، والطفل يجد صعوبة في التعلق بما هو مجرد. وبعد المرحلة الابتدائية تأتي المرحلة الإعدادية، وهي مرحلة تشكو أيضاً مشكلات، من أهمها غياب آليات المرافقة الميسّرة لصعوبات الانتقال من مرحلة إلى أخرى، وتعبّر لنا إخفاقات التلاميذ في الرياضيات عن هذه الصعوبات باعتبار أن التكوين في أساسه ضعيف.
كما لا يفوتنا البُعد النفسي أيضاً، فالتلميذ ينفر من الرياضيات لأنها تظهره ضعيفاً، وتضعف ثقته بنفسه وذكائه. وهذا الوضع العلائقي السلبي يتحمل مسؤوليته معلمون غالبيتهم فشلوا في غرس التعلق بالرياضيات، فكانت الأعداد الصادمة، والنفور، وضعف الثقة، والقلق، والخوف من الرياضيات.
إننا نعدّ هذا المشكل خطيراً ومانعاً للتعليم الجيد وللتنمية، خصوصاً أن مجالات الهندسة، والإعلامية، والطب، وعلوم الأحياء، والإحصاء، والبيئة، والمناخ، وغيرها تقوم على الرياضيات التي هي كما نعلم لغة العلم وأساس التحليل والتفكير النقدي والمنطقي وبناء النماذج المثالية، وهي - أي الرياضيات - أساس التعليم والعلم الحديثين.
نقترح على منظمة «الألكسو» إيلاء هذه المشكلة حجمها، وإطلاق صيحة فزع من خلال تنظيم سلسلة من المؤتمرات ترصد فيها الواقع التربوي العربي العام في مادة الرياضيات، ووضع توصيات عملية مدعمة بتجارب تربوية بيداغوجية ناجحة وملهمة في مجال عظيم وحده يغير حاضرنا هو علم الرياضيات. أغلب الظن أن الخوارزمي وجماعته مستاؤون منا جداً.
الشرق الأوسط
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية سياسة عربية الرياضيات الخوارزمي الجامعات الجامعات الرياضيات العلوم الخوارزمي سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة مادة الریاضیات الریاضیات فی من الریاضیات العزوف عن
إقرأ أيضاً:
"قطر للطاقة" تمدد حالة القوة القاهرة على عقود الغاز المسال
مددت شركة قطر للطاقة حالة القوة القاهرة على عدد من عقود إمدادات الغاز الطبيعي المسال إلى مشترين في آسيا، كما واصلت تأجير جزء من أسطولها من ناقلات الغاز حتى منتصف أكتوبر (تشرين الأول) 2026.
وقالت مصادر لـ"رويترز" إن "الشركة مددت الإخطارات الموجهة إلى مشترين في كوريا الجنوبية والهند وبنغلاديش التي كان من المقرر انتهائها في أغسطس (آب) ومطلع سبتمبر (أيلول)". وتوقع مصدران آخران "تمديد قطر للطاقة حالة القوة القاهرة حتى أكتوبر (تشرين الأول) إذا استمرت الأوضاع الحالية".
انخفاض إنتاج الغازوأظهرت بيانات وحدة "أبحاث الطاقة" انخفاض إنتاج قطر من الغاز الطبيعي إلى 5.37 مليارات متر مكعب خلال مارس (آذار) 2026، مقارنة مع 18.13 مليار متر مكعب في الشهر نفسه من 2025، بتراجع سنوي 70%، كما انخفض بنسبة 69% مقارنة بشهر فبراير (شباط) 2026.
التصعيد في هرمز وباب المندب يهز الملاحة ويرفع أسعار النفطhttps://t.co/o97IHdVwXf pic.twitter.com/IL9VZcFzhp
— 24.ae (@20fourMedia) July 23, 2026صادرات الغاز عبر الأنابيب والغاز المسال تراجعت 74% إلى 3.71 مليارات متر مكعب، وهبطت صادرات الغاز المسال 83% إلى 2.17 مليار متر مكعب، مقارنة مع 12.77 مليار متر مكعب خلال نفس الفترة من العام الماضي.
ولم يقتصر التراجع على مارس (آذار)، بل استمر خلال أبريل (نيسان)، إذ لم تتجاوز صادرات الغاز المسال 460 ألف طن، مقابل 8.11 ملايين طن في مارس (آذار) السابق و5.9 ملايين طن في أبريل (نيسان) 2025.
كم وحدة تضررت؟هذا التراجع يعكس حجم التأثير الذي تعرضت له منشآت رأس لفان، أكبر منشأة لتسييل الغاز في العالم، والتي تضم 14 وحدة لتسييل الغاز الطبيعي بطاقة إنتاجية 77 مليون طن سنوياً، إلى جانب مرافق لمعالجة الغاز وتحويله إلى سوائل والبتروكيماويات والأسمدة.
وكان الرئيس التنفيذي لقطر للطاقة، سعد بن شريدة الكعبي، كشف في تصريحات إعلامية أن "الهجمات ألحقت أضراراً بوحدتين من أصل 14 وحدة لتسييل الغاز، إضافة إلى وحدة من أصل وحدتين لتحويل الغاز إلى سوائل، ما عطل 17% من قدرة قطر على تصدير الغاز الطبيعي المسال، بخسارة قدرها 12.8 مليون طن سنوياً، مع تهديد الإمدادات إلى أوروبا وآسيا لفترة قد تمتد بين 3 و5 سنوات".
ورغم استمرار العمل بحالة القوة القاهرة، فإن قطر تراهن على استعادة إنتاجها تدريجياً فور عودة الملاحة عبر مضيق هرمز، إذ تستهدف رفع إنتاج الغاز المسال إلى نحو 50% من طاقتها التشغيلية خلال شهر واحد من إعادة فتح المضيق، على أن تصل إلى 80% خلال شهرين.
توترات الشرق الأوسط تنذر بوصول النفط إلى 120 دولاراًhttps://t.co/6GdUdq7C12 pic.twitter.com/3x9P6ThEJb
— 24.ae (@20fourMedia) July 23, 2026وقبل اندلاع الحرب، كانت قطر تنمو بوضوح في قطاع الغاز، لا سيما وإن بيانات منصة "الطاقة" أظهرت ارتفاعاً في إنتاج الغاز القطري بمقدار 6.6 مليار متر مكعب خلال عام 2025 مقارنة بالعام الذي سبقه.
خطط طموحة تجابه الحربأيضاً كانت الدولة تمضي في خطط توسعة طموحة، إذ كانت "قطر للطاقة" تستهدف رفع الطاقة الإنتاجية لحقل الشمال العملاق من 77 مليون طن سنوياً إلى 126 مليون طن بحلول 2027، وفق منصة "الطاقة".
وتعد قطر ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال بعد الولايات المتحدة، وتنتج سنوياً 205.7 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي، بما يمثل قرابة 6.5% من إجمالي الإنتاج العالمي، وتستحوذ على نحو 20% من تجارة الغاز المسال عالمياً.
تعود جذور الأزمة إلى مطلع مارس (آذار) 2026، عندما تعرضت منشآت رأس لفان ومسيعيد لهجمات مباشرة خلال الحرب، ما دفع قطر للطاقة إلى وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال في 2 مارس، قبل أن تعلن رسمياً حالة القوة القاهرة في 4 مارس على عدد من عقود التوريد.
بعد اضطرابات الحرب.. متى يستعيد الغاز القطري كامل طاقته؟ - موقع 24أعلن رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني "استعداد قطر لاستئناف إنتاج الغاز الطبيعي المسال بشكل طبيعي في غضون أسابيع قليلة"، باستثناء المنشأة التي تعرضت لخلل فني أخيراً، في وقت تسعى فيه الدوحة إلى استعادة معظم طاقتها التصديرية خلال شهرين من إعادة فتح مضيق هرمز، وفق ما نقلته ...
ما هي حالة "القوة القاهرة"؟تُعرَّف حالة القوة القاهرة بأنها "إجراء قانوني يتيح للشركات تعليق أو تأجيل التزاماتها التعاقدية مؤقتاً عند وقوع أحداث استثنائية خارجة عن إرادتها، مثل الحروب أو الهجمات أو الكوارث الطبيعية، بما يعفيها من الالتزام بتسليم الشحنات في مواعيدها من دون التعرض لغرامات أو مسؤوليات تعاقدية".