يأتي الرعب عندما تلمس الحواس ما لا يجب أن تقترب منه، أن ترى بابا يفتح فيما يفترض أنه جدار، أن تصادف لزوجة الدم بدلا من سيولة الماء، وأن ترى ميتا يعدو نحوك.

حينها، تنتهك الحواس. لكن السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية شهدت رعبا جديدا تمثل في انهيارات اقتصادية وكوارث مناخية، وجائحة حاضرة في الذاكرة، كما لو كانت بالأمس فقط.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2فيلم "أشخاص نلتقيهم في الإجازات".. هل تسقط أحكام الحب بالتقادم؟list 2 of 2إعلان ترشيحات الأوسكار و"صوت هند رجب" في المقدمةend of list

لكن الاستثناء تحول إلى قاعدة، مع تعدد تجلياته، وحضر الرعب كما لو كان مقيما دائما في الذاكرة الإنسانية، ولم يعد السينمائي بحاجة لصناعة صورة مبهرة وغير مألوفة للتأثير في الجمهور، فالحالة قائمة، يمكن أن يشهدها الجمهور في الشارع، وفي المنزل، وفي نشرات الأخبار.

الحياة في ظلال اليأس

ينطلق فيلم "بعد 28 عاما" من اللحظة الحالية في القرن الحادي والعشرين، ليقدم فرضية مخيفة ملخصها أن الخوف لم يعد استثناء، وأن البقاء على قيد الحياة أو النجاة هي الهدف الروتيني اليومي للإنسان.

وتعود سلسلة "بعد 28 يوما" إلى مطلع الألفية، وكانت واحدة من أكثر سلاسل الرعب تأثيرا في تقديم سينما ما بعد الكارثة.

بدأ المشروع بفيلم "بعد 28 يوما" عام 2002 للمخرج داني بويل وكتابة أليكس غارلاند، حيث قدّم تصورا صادما لعالم ينهار أخلاقيا ونفسيا بعد تفشي فيروس يحول البشر إلى كائنات عدوانية، مستخدما لغة بصرية خشنة وكاميرات رقمية عكست هشاشة الواقع نفسه.

ثم جاء "بعد 28 أسبوعا" عام 2007 ليكمل العالم ذاته من زاوية أكثر اتساعا، كاشفا فشل محاولات إعادة النظام وسقوط الخطاب العسكري والأمني أمام عنف لا يمكن احتواؤه.

عالم ما بعد البقاء

تدور أحداث فيلم "بعد 28 عاما" بعد 30 عاما من تفشي وباء اجتاح بريطانيا، التي تحولت إلى مجتمع لا يقوى على تخيل إعادة البناء، ولا يرغب في البقاء. تلاشى الأمل في النجاة، سواء من خلال المحاولات الخاصة بالمجتمع أو بالاستعانة بالخارج، لا شيء سوى بقايا عالم تنتظر الفناء.

إعلان

لا يتحرك في هذا "اللامجتمع" بخوف، وإنما بحذر. لا يخافون ولا يسألون عن أي خطر محتمل، هم فقط يرغبون في معرفة متى ينتهي الأمر.

يتابع الفيلم مجموعة من الناجين يعيشون في مجتمع معزول، تكيف مع الخراب بدلا من مقاومته. يقود السرد شخصيات متقاطعة، من بينها "إسلا" وهي امرأة تحمل ذاكرة ما قبل الكارثة وتجسدها جودي كومر، ورجل "جيمي" نشأ بالكامل داخل عالم ما بعد الانهيار يؤديه آرون تايلور جونسون وشخصية أكبر سنا "الدكتور كيلسون" تمثل جيل الشهود الأوائل على السقوط ويجسدها رالف فينيس.

مشهد من فيلم بعد 28 يوما (آي إم دي بي)

يتميز فيلم "بعد 28 عاما" بأنه لا يصور آثار الكارثة، ولكنه يصور الرواسب العاطفية، والذكريات الثقيلة، إنهم يعيشون مرحلة ما بعد اليأس، حيث الكارثة ماثلة واليأس يرافقهم. ولم يضرب الفيروس الصحة البدنية لهؤلاء، ولكنه ضرب الصحة النفسية في مقتل.

من الصدمة إلى الدوام

ينتمي فيلم "بعد 28 عاما" إلى ما يطلق عليه "الرعب الوجودي". فهو لا يراهن على الباب المفتوح في جدار ولا الميت الذي يعدو نحوك،. فقط، يكرس شعورا دائما بالتهديد، وخطر حاضر لا يغيب، ولنك لا تعرف متى ينفجرن لينطق لسان الحال: متى سيحدث الأمر؟

بُنيت الأجزاء الأولى من الفيلم على السرعة والغضب والفوضى، لكن هذا الجزء يضع حدودا فاصلة بين الرعب المؤقت و الرعب الدائم ، الذي يتكيف الجهاز العصبي للانسان مع وجوده.

يظهر المصابون، ليظل الرعب حاضرا كشاهد قبر لا يختفي، ويتجلى الرعب في الحالة الإنسانية ، لتتأمل -كمشاهد – كيف يساوم الناس على الثقة، والحميمية، والمعنى في عالم جرّد هذه المفاهيم من الاستقرار، ويأتي الخوف من الصمت، والروتين اليومي من إدراك أن لا شيء سيتغير بشكل جذري.

ويميل صناع العمل إلى تقديم رعب فلسفي يتعامل مع الخوف كحالة وجودية، وليس كرد فعل.

استخدم المخرج ثيمة الزمن والذاكرة كمقياس نفسي، فالماضي ليس مصدرا للحنين، لكنه حاضر كأنه قدر لا مفر منه، وخاصة بالنسبة لمن عاشوا الكارثة، فثمة صدمة في الذاكرة لم تلتئم جراحها. طول العمر في هذا الفيلم ليس مدعاة للفرحة، ومرض "آلزهايمر" أمنية لكل فرد.

مخرج يدمر أسطورته

لعلها المرة الأولى التي يجرؤ خلالها سينمائي على "انتقاد" ومواجهة ما قدمه وفي السلسلة نفسها. ساهم المخرج داني بويل رسم ملامح أفلام الرعب في أوائل الألفية الجديدة إلى هذا العالم على أنها احتفال بالنصر، ويبدو فيلم "بعد 28 عاما" بمثابة انتقاد حاد للنوع السينمائي، وللحظة الثقافية التي أنتجت الفيلم الأول.

لم يحاول المخرج استدعاء الطاقة الجبارة التي صنعت من السلسلة نموذج لأفلام الرعب، وعلى العكس من ذلك، فهو يقاوم تلك القناعات، فالإيقاع أكثر هدوءا، وتأملا، والعنف أقل.

يتراجع المخرج عن الخوف الذي استجاب له الجمهور، وقدم بصورة كلاسيكية، انهيارات مفاجئة، وخروجا عن السيطرة. في الجزء الجديد، انهار المعنى وبالتالي لا داعي للرعب الكلاسيكي.

يأتي الخوف هنا من التكيف مع الرعب، مع انعدام الأمل في إعادة البناء، وفي انتفاء فكرة البطولة والخلاص من الظل القاتم لليأس، أو الهروب منه.

إعلان

يقدم فيلم "بعد 28 عاما" تفاصيل العصر الجديد، ويدرك صناعه  أن الجمهور لم يعد ينظر إلى الخوف كاستثناء، لأنه تحول إلى جزء من نسيج المجتمع. والأهم أنه يعكس التحولات النفسية التي استقرت في الأفراد و الجماعات، بدءا بفقاد الثقة في النهايات و في العلاج وحتى الحلول النهائية. إنه رعب التعايش مع الرعب.

ويهدف الفيلم إلى تجسيد النسيج العاطفي لعالم توقف فيه الخوف عن إعلان وجوده، لأنه يتجلى في كل لحظة، ومن خلال إعادة صياغة مفهوم الرعب كحالة وليس مجرد حدث عابر، يُقدّم أحد أكثر الأعمال عمقا في سينما ما بعد الجائحة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات بعد 28 عاما ما بعد

إقرأ أيضاً:

ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

مقالات مشابهة

  • مصطفى الفقي: صعود الصين يحقق «توازن الرعب».. وسُمعة إسرائيل بلغت مستوى غير مسبوق من التراجع|فيديو
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • إيزاك يعلق على رحيل مدرب ليفربول: محزن دائمًا.. وأتمنى له كل التوفيق
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • الأغذية العالمي: المساعدات الحالية للبنان لا تكفي لمواجهة الكارثة الإنسانية
  • "الأغذية العالمي": المساعدات الحالية للبنان لا تكفي في مواجهة الكارثة الإنسانية
  • بين الذاكرة واللوحة.. أورهان باموق يعود بـ الكلمات والصور
  • سلسلة الوعود المعطلة: من 10 × 10 إلى المدينة الجديدة واللجان.. الذاكرة لا تنسى
  • بجاية: توقيف 15 شخصا شكّلوا عصابة أحياء وزرعوا الرعب بأقبو
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش