كابل – في خطوة كسرت أحد آخر الخطوط الحمراء -غير المعلنة- في التعامل الدولي مع حركة طالبان، قبِل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رسميا أوراق اعتماد غول حسن حسن سفيرا للحكومة الأفغانية الحالية، لدى موسكو، خلال مراسم أُقيمت في الكرملين بحضور عشرات السفراء المعتمدين.

ولم يكن الحدث مجرد إجراء بروتوكولي روتيني، بل تتويجا لمسار روسي مدروس، جعل من موسكو أول قوة كبرى تتعامل مع الحكومة التي شكّلتها طالبان، باعتبارها حكومة أمر واقع كاملة الصلاحيات.

وأثارت هذه الخطوة نقاشا واسعا في الأوساط السياسية والدبلوماسية، وطرحت تساؤلات حول سبب اختيار روسيا هذا التوقيت، وما الذي تسعى إلى تحقيقه من هذا الانخراط العلني مع حكومة لا تزال معزولة دوليا.

وللإجابة، من الضروري تفكيك الحسابات الأمنية والجيوسياسية والاقتصادية التي تشكّل أساس المقاربة الروسية تجاه أفغانستان.

تطبيع رمزي

يرى باحثون في الشأن الأفغاني أن قبول أوراق الاعتماد لا يغير كثيرا من الناحية القانونية، لكنه يحمل دلالة سياسية ورمزية عميقة. ويقول السفير الأفغاني السابق لطيف بهاند إن "موسكو كانت تتعامل مع طالبان عمليا منذ سنوات، لكن هذه الخطوة تنقل العلاقة من مستوى التعامل البراغماتي غير المعلن إلى مستوى التطبيع الرمزي الكامل".

وأضاف في حديثه للجزيرة نت "وجود سفير طالبان إلى جانب ممثلي دول معترف بها دوليا داخل الكرملين يمنح طالبان صورة القبول العملي من قوة عظمى وعضو دائم في مجلس الأمن". ويؤكد بهاند أن "هذه الصورة لها قيمة دعائية عالية لطالبان في الداخل الأفغاني وفي محيطها الإقليمي، حتى إن لم تترجم إلى اعتراف دولي شامل".

ويتفق محللون وخبراء في الشأن الأفغاني على أن الدافع الأمني يقف في صدارة الحسابات الروسية، فموسكو تنظر إلى أفغانستان من زاوية تأثيرها المباشر على جمهوريات آسيا الوسطى، التي تعد عمقا إستراتيجيا ونطاق نفوذ تقليدي لروسيا.

إعلان

ويؤكد الخبير الأمني عبد الكبير رحيمي أن "القلق الروسي الأساسي يتمثل في منع انتقال الفوضى وعدم الاستقرار إلى طاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان".

ولفت في حديثه للجزيرة نت، إلى أن "أي اضطراب في شمال أفغانستان يمكن أن ينعكس سريعا على هذه الدول، لذا تسعى موسكو للحفاظ على الاستقرار ومنع تصاعد التوترات الحدودية بين أفغانستان وجيرانها".

وتولي موسكو أهمية خاصة لملف تنظيم الدولة، الذي تعتبره التهديد "الإرهابي" الأخطر في المنطقة، ويؤكد المسؤول الأمني الأفغاني السابق عبد الله كريمي، في حديثه للجزيرة نت، أن "روسيا لا تراهن على طالبان بوصفها شريكا مثاليا، لكنها تراها الطرف الأكثر قدرة حاليا على كبح تنظيم الدولة ومنع تحوله إلى تهديد إقليمي واسع، ولقد أثبتت حركة طالبان للأطراف الإقليمية أنها تستطيع مكافحة تنظيم الدولة الذي يهدد الجميع دون استثناء".

سفير أفغانستان لدى روسيا غول حسن (يسار) مع الرئيس الروسي فلادمير بوتين في الكرملين (رويترز)تهديد صامت

إلى جانب مكافحة الإرهاب، تمثل تجارة المخدرات مصدر قلق مزمن للأمن الروسي، فطريق "الهيروين الأفغاني" إلى أوروبا يمر تقليديا عبر آسيا الوسطى وروسيا، مخلفا آثارا اجتماعية وأمنية واقتصادية كبيرة.

وهنا، يشير الكاتب والمحلل السياسي عبد الصمد نظري إلى أن "إعلان طالبان حظر زراعة الأفيون وتجارته وخفض الإنتاج بشكل كبير كان عاملا مهما في تغيير المزاج الروسي".

ويضيف نظري، في حديثه للجزيرة نت، أن "موسكو لا تثق تماما بالأرقام المعلنة، لكنها ترى في طالبان شريكا أكثر جدية من الحكومات السابقة في ملف مكافحة المخدرات".

من وجهة نظر روسية، فإن أي تقليص مستدام لإنتاج المخدرات في أفغانستان يعد مكسبا إستراتيجيا طويل الأمد، حتى لو جاء ضمن تفاهمات غير معلنة مع حكومة غير معترف بها دوليا.

على المستوى الجيوسياسي، لا يمكن فصل الخطوة الروسية عن صراع النفوذ مع الولايات المتحدة والغرب، فوجود القوات الأمريكية في أفغانستان لعقدين شكل -بحسب الرواية الروسية- تهديدا مباشرا للأمن القومي الروسي.

وأكد الباحث في العلاقات الدولية جميل الكوزي إن "روسيا ترى في طالبان قوة محلية معادية بطبيعتها للغرب، ويمكن الاعتماد عليها لضمان ألا تعود أفغانستان منصة للنفوذ الأمريكي"، مبينا في حديثه للجزيرة نت أن "الاعتراف بطالبان، أو التعامل معها بوصفها حكومة أمر واقع، هو استثمار سياسي منخفض الكلفة مقارنة بالمكاسب الجيوسياسية المحتملة".

من هذه الزاوية، تبدو الخطوة الروسية أيضا رسالة للغرب، مفادها أن موسكو قادرة على إدارة ملفات إقليمية حساسة خارج الأطر الغربية، وفرض وقائع جديدة دون انتظار إجماع دولي.

اللاعب الحاسم

ويسعى الكرملين، عبر هذا الانخراط، إلى ترسيخ نفسه بوصفه الطرف الخارجي الأكثر تأثيرا في الملف الأفغاني، متقدما على الولايات المتحدة، ومنافسا للصين، وموازنا لأدوار إيران وباكستان.

ويرى محللون أن روسيا تحاول احتكار دور "الوسيط الضروري"، بحيث لا يمكن بحث مستقبل أفغانستان أو أمن آسيا الوسطى دون المرور عبر موسكو، ويقول الباحث الأفغاني وحيد فيضي إن "موسكو تريد أن تكون العنوان الأول لأي ترتيبات إقليمية تتعلق بأفغانستان، سواء في الأمن أو في الاقتصاد أو في التنسيق السياسي".

إعلان

ولا يمكن فصل الجرأة الروسية عن سلوك طالبان خلال السنوات الثلاث الماضية، فالحركة -رغم سجلها الإشكالي دوليا- اتخذت خطوات انسجمت مع المصالح الروسية، من بينها:

كثفت عملياتها ضد تنظيم الدولة. أعلنت حظر زراعة الخشخاش. تبنت سياسة خارجية تميل نحو الشرق مع الابتعاد عن الغرب. أبدت انفتاحا على التعاون مع روسيا في مجالات الطاقة والتعدين والبنية التحتية.

ويضيف فيضي، في حديثه للجزيرة نت، أن "طالبان قدمت نفسها لموسكو كقوة براغماتية تسعى إلى الاعتراف والتعاون، لا كحركة أيديولوجية مغلقة".

وعلى الرغم من مستوى الانخراط السياسي العالي، تتجنب روسيا بحذر أي التزام اقتصادي أو أمني كبير في أفغانستان، فلا توجد حتى الآن مساعدات واسعة النطاق، ولا مشاريع إستراتيجية ضخمة، ولا وجود عسكري مباشر.

ويفسر الخبير الاقتصادي وحيد كاظمي هذا التردد بقوله: إن "روسيا تعلّمت من تجربتها السوفيتية، ولا تريد الغرق في مستنقع أفغاني جديد". ويضيف للجزيرة نت، أن "غياب الاعتراف الدولي، والعقوبات، كلها تجعل الاستثمار مغامرة عالية المخاطر".

في المحصلة، يمكن قراءة قبول بوتين أوراق اعتماد سفير طالبان بوصفه جزءا من إستراتيجية أوسع تقوم على:

إنشاء قناة رسمية ومباشرة لتوجيه سلوك طالبان. ضمان المصالح الأمنية الروسية دون تدخل عسكري. تعزيز مكانة روسيا كقوة إقليمية حاسمة في آسيا الوسطى. توجيه رسالة طمأنة لحلفاء موسكو بأن الكرملين قادر على إدارة الأزمات المعقّدة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات تنظیم الدولة آسیا الوسطى

إقرأ أيضاً:

عشرات القتلى والجرحى.. روسيا تشن قصفاً واسعاً على أوكرانيا

أعلنت السلطات الأوكرانية سقوط قتلى وإصابات جراء هجمات روسية واسعة استهدفت العاصمة كييف ومدن دنيبرو وخاركيف وخيرسون ودنيبروبيتروفسك، في وقت تصاعد فيه تبادل الضربات الجوية بين روسيا وأوكرانيا عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، بحسب ما نقلته وكالات رويترز، والألمانية، والفرنسية، ووسائل إعلام دولية بينها الشرق الأوسط وسكاي نيوز عربية.

في العاصمة كييف، سُمع دوي انفجارات عدة، بينما حذّر رئيس بلدية كييف فيتالي كليتشكو السكان من انفجارات وحرائق متفرقة، مشيرًا إلى اندلاع حرائق في مبانٍ سكنية وغير سكنية، بينها مبنى من 24 طابقًا تعرّض لضربة صاروخية أدت إلى انهيار أجزاء منه، إضافة إلى احتراق سيارات وسقوط حطام صواريخ في مناطق عدة، وانقطاع التيار الكهربائي في أحياء متعددة.

ودعا المسؤولون السكان إلى التوجه إلى الملاجئ، بينما أكدت الإدارة العسكرية للعاصمة أن الهجوم نُفذ باستخدام صواريخ باليستية، مع استمرار عمل أنظمة الدفاع الجوي في التصدي للضربات.

وفي حصيلة أولية، أفادت السلطات الأوكرانية بمقتل 4 أشخاص وإصابة 5 آخرين في مدينة دنيبرو جراء هجوم روسي، كما أُعلنت وفاة امرأة تبلغ من العمر 73 عامًا وإصابة آخرين في المنطقة ذاتها، إضافة إلى إصابات متفرقة في محيط المدينة.

وفي خاركيف، سجلت السلطات إصابة 8 أشخاص في منطقة سلوبيدسكي نتيجة هجوم منفصل، بينما تعرضت مناطق أخرى في شمال شرقي أوكرانيا لقصف أدى إلى إصابات وأضرار في مبانٍ سكنية، بينها إصابة امرأة في بلدة بوهودوخيف.

وفي خيرسون جنوب البلاد، أُصيب 3 أشخاص خلال قصف مدفعي استهدف مبنى سكنيًا، إلى جانب تسجيل إصابات أخرى في المنطقة نفسها، بينما شهدت دنيبروبيتروفسك إصابة 4 أشخاص بينهم امرأة بحالة خطيرة.

وفي المقابل، أعلنت السلطات الروسية في منطقة كورسك مقتل مدني جراء هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية استهدف مركبة مدنية في قرية شتشيكينو بمقاطعة ريلسكي.

من جانبه، توعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع لبحث تداعيات الهجوم على السكن الجامعي في ستاروبيلسك في لوغانسك بالرد، مؤكدًا أن ما وصفه بالجرائم المرتكبة بحق المدنيين سيقابل برد حتمي، في إشارة إلى هجمات استهدفت مباني سكنية في مناطق خاضعة للسيطرة الروسية في لوغانسك وخيرسون.

وكانت تقارير روسية أشارت إلى هجوم بطائرات مسيّرة على ستاروبيلسك أواخر مايو، أسفر عن مقتل 21 شخصًا، إضافة إلى هجوم آخر على هينيتشيسك أدى إلى مقتل طفل وإصابة 11 شخصًا، وفق السلطات الروسية.

وفي المقابل، كثفت أوكرانيا هجماتها على منشآت داخل الأراضي الروسية، بينما تواصل موسكو استهداف البنية التحتية الأوكرانية، وسط نفي متبادل لاستهداف المدنيين من الطرفين.

وأفاد سلاح الجو الأوكراني بأن روسيا أطلقت خلال الليل 656 طائرة مسيّرة و73 صاروخًا باتجاه أوكرانيا، في واحدة من أكبر الهجمات الجوية الأخيرة، بينما تشير بيانات سابقة إلى أن روسيا أطلقت خلال مايو عددًا قياسيًا من المسيرات بلغ نحو 8500 مسيرة، إلى جانب 211 صاروخًا، مع اعتراض كييف نسبة تقارب 90 بالمئة من هذه الهجمات.

كما ذكرت روسيا أنها تعرضت لهجوم في منطقة كورسك أدى إلى مقتل مدني، في وقت تتواصل فيه عمليات القصف المتبادل عبر الحدود.

وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الحرب بين روسيا وأوكرانيا منذ فبراير 2022، وتعثر المسارات الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الصراع، مع تصاعد الخسائر البشرية واتساع رقعة العمليات العسكرية.

مقالات مشابهة

  • المجلس الدولي للتمور يعزز التعاون مع روسيا
  • عمدة موسكو: إسقاط 4 مسيرات أوكرانية
  • إعلام إسرائيلي: ترامب وجه بعدم تحويل لبنان إلى ورقة تفاوض بيد إيران
  • الخارجية الروسية تتهم بريطانيا بدفع أوروبا نحو مواجهة عسكرية مع موسكو
  • ورقة علمية: إيران تقترب من القدرة النووية الكاملة دون إعلان امتلاك السلاح
  • تحالفات متشابكة وخلافات سياسية.. لماذا تعثرت مفاوضات الكابينة العاشرة لكوردستان؟
  • أستاذ علوم سياسية: جبهة لبنان ورقة ضغط إيرانية ومسار ترامب البديل “هدن مؤقتة”
  • ورقة حقائق بعنوان "نظرة عامة على المناطق الصفراء والخط البرتقالي في القطاع"
  • عشرات القتلى والجرحى.. روسيا تشن قصفاً واسعاً على أوكرانيا
  • الكرملين: الحرب في أوكرانيا قد تنتهي فورًا إذا انسحبت قوات كييف من الدونباس