الجزيرة:
2026-06-03@02:40:16 GMT

لماذا انتصر المسلسل على الفيلم؟

تاريخ النشر: 25th, January 2026 GMT

لماذا انتصر المسلسل على الفيلم؟

لم يعد تفوق المسلسلات التلفزيونية على الأفلام الروائية مجرد تحولات مؤقتة تسببت فيها أساليب التسويق في منصات البث، وإنما هو تحول بنيوي في سرد القصص السمعية البصرية في العالم، حيث أصبحت المسلسلات الشكل السردي الأساسي الذي يحتل الحوار الثقافي والنقاش النقدي وولاء الجمهور أيضاً.

ومع أن السينما لا تزال تحتفظ بقيمتها الفنية، إلا أنها لم تعد تحتل مكانتها التي كانت عليها سابقا.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2قراءة جديدة لفيلم "دكتور سترينجلوف".. الضحك على باب التاريخlist 2 of 2قصائد شعر تحولت إلى أفلام سينمائيةend of list

يقود هذا التحول إلى سؤال متوقع: هل غيرت منصة نتفليكس كل شيء؟ هل انتصرت المسلسلات لأن المنصات دفعت بها للمقدمة عبر أساليب التسويق والإلحاح وفرض اختيارات بعينها على المشاهد، أم لأنها تتوافق بشكل أوثق مع ذائقة سردية متغيرة تشكلت بفعل تغير العلاقات مع الزمن والانتباه والشخصيات؟

كيف تغيرت الذائقة السردية للمشاهد؟ ولماذا؟ وهل انتهى الشكل التقليدي للدراما، وهل يذهب الفيلم إلى تلك المساحة النخبوية التي يعيش فيها المسرح، الآن، منزويا بلا جمهور تقريبا؟

أرقام ودلالات

تجاوز الإنفاق العالمي على المسلسلات التلفزيونية 243 مليار دولار أميركي في عام 2023، مقارنة بنحو 85 مليار دولار أميركي أُنفقت على إنتاج وتوزيع الأفلام السينمائية عالميا.

ورغم تعافي إيرادات شباك التذاكر السينمائية جزئيا بعد الجائحة، لتصل إلى 33.9 مليار دولار أميركي عالميا في عام 2023 (بحسب شركة غاور ستريت أناليتكس)، إلا أنها لا تزال أقل بكثير من ذروتها البالغة 42.3 مليار دولار أميركي في عام 2019.

مشهد من مسلسل "بريكينغ باد" (آي إم دي بي)

وفي الوقت نفسه، يؤكد سلوك المشاهدين هذا التحول. إذ يُظهر تقرير "ذا غيج" الصادر عن شركة نيلسن لعام 2024 أن البث المباشر يستحوذ الآن على 38.4% من إجمالي وقت مشاهدة التلفزيون في الولايات المتحدة، متجاوزا بذلك البث الأرضي والفضائي مجتمعين. والغريب أن أكثر من 75% من أكثر الأعمال مشاهدة عبر البث المباشر هي مسلسلات درامية، وليست أفلاما.

إعلان

ولا تعكس هذه الأرقام ذلك التحول، بل تشير إلى أن ثمة شكل أكثر ملاءمة لإيقاعات المشاهدة المعاصرة، وإلى بنية سردية تُكافئ الانتباه المتواصل بدلا من التأثير الفردي.

الزمن بين الفيلم والمسلسل

تكمن قوة السينما الكلاسيكية في التكثيف. ففيلم مثل "العراب" (The Godfather) عام 1972 أو "سائق التاكسي" (Taxi Driver) عام 1976 يحدث التحول النفسي خلال ساعتين أو 3 ساعات من التصاعد الدرامي في حدة الأحداث. أما المسلسلات، فتعتمد على التراكم لا التكثيف، لذا قد يمتد الوقت إلى أيام وأحيانا أسابيع.

وقد عبّر ديفيد تشيس، مبتكر مسلسل "آل سوبرانو" (The Sopranos) عام 1999، الذي امتد إلى 6 مواسم، عن هذا التحول "أعطاني التلفزيون الوقت، فهو يسمح للشخصيات بتناقض نفسها دون تفسير".

وتتيح هذه المرونة الزمنية للمسلسلات استبدال زخم الحبكة بعمق سلوكي. ففي مسلسل مثل "ماد مان" (Mad Men) عام 2007، الذي امتد إلى 7 مواسم، تمر حلقات كاملة دون أحداث سردية، ومع ذلك تتطور الشخصيات من خلال تعديلات دقيقة في وضعية الجسم واللغة والصمت، وهي عناصر لا تستطيع السينما في كثير من الأحيان الإطالة فيها.

فنيا، أعاد المسلسل تقديم ما كان أندريه بازان يقدره في السينما ولكنه نادرا ما حققه باستمرار "الزمن كأداة أخلاقية ونفسية. فبينما تحسم الأمور في السينما، يكتفي المسلسل بالملاحظة؛ حيث تنتهي الأفلام كأحداث، وتبقى المسلسلات التلفزيونية".

صداقة مع الشاشة

وتكمن أهم مزايا المسلسل في اقتصاديات الشخصيات، فالأفلام الروائية عادة ما تطلب من المشاهدين استثمارا عاطفيا سريعا ثم التخلي عنه بالسرعة نفسها. أما المسلسلات -على النقيض- فتوزع هذا الاستثمار العاطفي على مدى سنوات حتى إن الشخصية تصبح جزءا من وجدان البعض.

ويصف فينس غيليغان، مبتكر مسلسل "بريكينغ باد" (Breaking Bad) عام 2008، الذي امتد لخمسة مواسم، هذه الميزة بوضوح "في المسلسل، لا تحتاج إلى كسب تعاطف المشاهد دفعة واحدة. بل تدعه يعيش مع الشخصية لفترة كافية تجعل الحكم عليها معقدا".

كان من المستحيل تصور تحول والتر وايت، بطل "بريكينغ باد"، في فيلم مدته ساعتان دون أن يتحول إلى كاريكاتير. لكن على مدار 62 حلقة، يصبح هذا التحول تآكلا أخلاقيا تدريجيا وليس مجرد مفاجأة في الحبكة، بل تجربة معيشية.

ويغير هذا التفاعل طويل الأمد طريقة تعامل المشاهدين مع سلطة السرد، لم تعد الشخصيات "تخدم" القصة، بل القصة هي التي تخدم التعايش المطول معها، ليتحول ولاء المشاهد من النتيجة إلى الحضور.

التقارب الجمالي

تزامن صعود المسلسلات في أواخر العقد الأول من الألفية الثانية مع الاستعانة بأدوات الفيلم، فأصبحت تقنيات التصوير بكاميرا واحدة، والموسيقى التصويرية الهادئة، والألوان الباهتة شائعة. وحين عرض مسلسل "المحقق" عام 2014 (True Detective) وصفه النقاد صراحة بأنه "فيلم ثماني ساعات".

إلا أن هذا التقارب أخفى اختلافا، إذ حذر ألفونسو كوارون، مخرج فيلم "روما" عام 2018 (Roma) من طمس هذا التمييز، قائلا "السينما ليست مجرد مسلسل تلفزيوني طويل، إنها علاقة مختلفة بالزمان والمكان والنهاية".

ملصق فيلم "روما" (الجزيرة)

وبينما تستخدم المسلسلات تقنيات السينما، فإنها نادرا ما تتبنى أكثر متطلبات السينما جذرية من الناحية الشكلية، وهي النهايات الحاسمة، فكل المسلسلات الطويلة منها والقصيرة تترك أبوابا سردية مفتوحة، من أجل إنتاج أجزاء جديدة.

إعلان

تنتمي بنية المسلسلات، وبالتحديد فكرة الحلقات المتصلة، إلى أدب القرن 19، والدراما الإذاعية، والتلفزيون في بداياتها، لكن ما فعلته المنصات هو مواءمة منطق التوزيع مع الشكل السردي.

وتكشف بيانات نتفليكس أن معدلات إكمال مشاهدة المسلسلات الدرامية دفعة تتجاوز 65%، مقارنة بأقل من 30% للأفلام المستقلة التي تعرض في الوقت نفسه، وهو ما يحفز الاستثمار في السرديات التي تؤجل الوصول إلى النهاية.

وقد صاغ تيد ساراندوس، الرئيس التنفيذي المشارك لنتفليكس لاستراتيجية بأسلوب عملي إذ قال "نحن لا ننافس السينما، بل ننافس النوم".

لا يبدو تراجع هيمنة السينما فشلا فنيا، بل فشلا في التوافق، فالأفلام -كانت وستبقى- الوسيلة الأكثر فعالية للمخاطرة الشكلية، والتطرف البصري، والرؤية الفريدة. فها هم كريستوفر نولان، وكلير دينيس، وأبيشات بونغ استخدموا زمن السينما المحدود بنجاح.

ولأن الحكاية ليست الهدف في الفيلم، بل كيف حدثت، فالتجربة مستمرة. يقول مارتن سكورسيزي "السينما هي كشف وهي تجربة جمالية وعاطفية وروحية، وليست محتوى".

لم يكن تفوق المسلسلات على الأفلام صدفة وهو ليس تفوقا مطلقا، ولكنه يأتي في ظل ظرف مجتمعي عالمي يتطلب إعادة ترتيب رغبة الجمهور في شكل السرد وطبيعته. لذلك لا تفسر المنصات، وحدها، هذا التحول، فالوحدة التي يعيشها الفرد في مجتمع يخلو من التعاطف، والنهايات المؤجلة للأزمات، والرفقة والألفة العاطفية، كلها عوامل تؤكد أن الأجيال الجديدة بحاجة للمسلسلات بالمعنى السردي.

قد لا تسيطر السينما على سوق الدراما، ولكنها تصنع حدود السرد، وتقدم تجاربه الفريدة، التي ما تلبث أن تنتقل إلى الشاشات الصغيرة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات ملیار دولار أمیرکی هذا التحول

إقرأ أيضاً:

الرباط تحتضن أول دورة من مهرجان السينما الروسية بالمغرب في يونيو المقبل

تستضيف مدينة الرباط، خلال الفترة الممتدة من 18 إلى 21 يونيو الجاري، الدورة الأولى من مهرجان السينما الروسية بالمغرب 2026، في حدث ثقافي يُنظم لأول مرة بالمملكة من طرف مؤسسة “روس كينو”، بدعم من وزارة الثقافة الروسية، بهدف تعزيز التبادل الثقافي والفني بين المغرب وروسيا.

وأكدت إيلزا أنطونوفا، المديرة العامة لـ”روس كينو”، أن تنظيم هذا المهرجان يشكل محطة مهمة للتعريف بالإنتاجات السينمائية الروسية لدى الجمهور المغربي، مشيرة إلى أن الأفلام المختارة تتميز بجودة فنية عالية وتتناول قصصاً إنسانية متنوعة قادرة على ملامسة وجدان المشاهدين.

وسيُفتتح المهرجان بعرض فيلم “L’Aviateur” للمخرج إيغور ميخالكوف-كونشالوفسكي، وهو عمل سينمائي مقتبس من الرواية الأكثر مبيعاً للكاتب يفغيني فودولازكين، ويروي قصة إينوكينتي بلاتونوف الذي يحاول إعادة بناء تفاصيل حياته والبحث عن مكانه في واقع جديد.

وفي هذا السياق، أوضح المخرج أن الفيلم يتناول سعي الإنسان الدائم لتحقيق المستحيل وما يرافق ذلك من تحديات ونتائج، معبراً عن سعادته بعرض العمل أمام الجمهور المغربي.

ويضم برنامج المهرجان ستة أفلام أخرى متنوعة بين الدراما والحركة والخيال العلمي والرسوم المتحركة، من بينها فيلم “Août” الذي يستعرض بطولات جهاز مكافحة التجسس السوفياتي “سميرش”، وفيلم الرسوم المتحركة “دكتور ديناصور” الذي يروي مغامرة عائلية في عصر الديناصورات.

كما سيُعرض فيلم التجسس الروسي-الصيني “La Soie Rouge”، الذي تدور أحداثه حول نقل وثائق سرية عبر السكك الحديدية السيبيرية سنة 1927، إلى جانب فيلم الخيال العلمي البوليسي “الأعسر” الذي ينطلق من اكتشاف برغوث آلي غامض داخل القصر الإمبراطوري.

ويتضمن البرنامج أيضاً الفيلم الكوميدي “L’Homme Qui Riait”، الذي يحكي قصة نجم أفلام أكشن يفقد السيطرة على مشاعره بعد حادث غير متوقع، فضلاً عن الفيلم العائلي “بابا ياجا في بيتنا”، الذي يروي حكاية صبي تتغير حياته بعد ظهور مربية أطفال ساحرة، وهو العمل الذي تم اختياره للمشاركة في مهرجان « Balinale » السينمائي بإندونيسيا.

ويُنتظر أن يشكل هذا الحدث منصة لتعزيز الحوار الثقافي بين المغرب وروسيا، وفتح آفاق جديدة للتعاون في المجال السينمائي، فضلاً عن إتاحة الفرصة للجمهور المغربي لاكتشاف نماذج من الإنتاج السينمائي الروسي المعاصر.

يُذكر أن “روس كينو” هي مؤسسة حكومية تُعنى بالترويج للصناعة السمعية البصرية الروسية في الأسواق والمهرجانات الدولية، وتُعد الوريث القانوني لشركة “سوف إكسبورت فيلم” التي يعود تاريخ تأسيسها إلى سنة 1924، وقد احتفلت سنة 2024 بمرور مئة عام على انطلاق نشاطها

كلمات دلالية الرباط ثقافات فن مهرجان السينما الروسية

مقالات مشابهة

  • «مجاذيب السينما».. وجوه متعددة لشخصية واحدة
  • من القاهرة.. انطلاق منصة أفريقية لاكتشاف اﻟﻤﺒﺘﻜﺮﻳﻦ
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • قصر الشباب والأطفال يجهز صالة السينما لمتابعة مباريات كأس العالم 2026 مجاناً
  • الرباط تحتضن أول دورة من مهرجان السينما الروسية بالمغرب في يونيو المقبل
  • معارض الغذاء تقود التحول التكنولوجي بعوائد 176 مليون دولار
  • اقتصادي: مبادرة شمس الصناعة تشجع على التحول للطاقة النظيفة وتوفرالوقود
  • كيفية تنزيل المسلسلات على هواتف شاومي بسهولة
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • محمد إمام يكشف مواعيد العرض الثاني لمسلسل "الكينج"