دار الإفتاء تناقش "مسارات فهم الأسئلة الوجودية لدى الأطفال والشباب" في جناحها بمعرض الكتاب
تاريخ النشر: 25th, January 2026 GMT
شهد جناح دار الإفتاء المصرية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب انعقاد ندوة فكرية بعنوان "الدين والعقيدة: مسارات فهم الأسئلة الوجودية الكبرى"، تناولت قضايا الأسئلة الوجودية لدى الأطفال والشباب، وسبل التعامل معها تربويًّا وفكريًّا في ظل التحولات المعرفية والنفسية التي يشهدها العالم المعاصر.
وقد شارك في الندوة كلُّ من: الأستاذة الدكتورة عزة رمضان العابد، مدرس العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر الشريف، والشيخ علاء عبد الحميد الباحث والمؤلف المتخصص في الفكر الإسلامي، وأدار اللقاء طاهر زيد مدير وحدة "حوار" بدار الإفتاء المصرية، وسط حضور لافت من المثقفين والباحثين ورواد المعرض.
أكدت الدكتورة عزة رمضان العابد في كلمتها أن الخطر الحقيقي لا يكمن في أسئلة الأطفال، بل في غياب التربية الإيمانية الصحيحة منذ المراحل الأولى للطفولة، مشيرة إلى أن الطفل بطبيعته كائن متسائل ومحب للاستكشاف، وأن الأسئلة الوجودية جزء طبيعي من نموه العقلي والنفسي، وأن كثيرًا من الآباء لا ينتبهون لأسئلة أبنائهم إلا عندما تتعلق بالعقيدة والذات الإلهية، بينما يتعاملون مع أسئلة العبادات دون قلق، مؤكدة أن هذا الخوف غير مبرر، لأن السؤال عن الله لا يعني انحرافًا أو إلحادًا. وشددت قائلة: لا وجود لسؤال خطير في ذاته، وإنما توجد طريقة خاطئة في التعامل مع السؤال، موضحة أن الطفل لا يحتاج إلى إجابات فلسفية معقدة، بل إلى إجابات بسيطة ومناسبة لسنه، تراعي حالته النفسية والدافع الحقيقي وراء سؤاله. وأضافت العابد: إن جوهر التربية الإيمانية يتمثل في بناء علاقة صحيحة بين الطفل وربه، تقوم على الحب والرحمة، لا على الخوف والترهيب، مشيرة إلى أن القرآن الكريم قدم الرحمة قبل العقاب، وأن هذا الترتيب القرآني ينبغي أن يكون حاضرًا في خطاب المربين. واستدلت بأن تصوير الله في ذهن الطفل على أنه إله العقاب والترصد يؤدي إلى علاقة مشوهة مع الدين، ويزرع داخل الطفل شعورًا بالقلق والذنب، فالله سبحانه وتعالى قد عرف نفسه في كتابه بأنه الغفور الرحيم قبل أن يذكر شدة العقاب. كما أن تقديم الدين للأطفال باعتباره مجموعة تكاليف وأوامر مجردة من المعنى والحكمة يؤدي لاحقًا إلى ممارسة شكلية للعبادات، دون استشعار الصلة الحقيقية بالله، وهو ما يظهر بوضوح في كثير من الشباب الذين يؤدون العبادات دون وعي بمقاصدها.
وتطرقت الدكتورة عزة رمضان إلى طريقة تقديم الأنبياء والسيرة النبوية للأطفال، مؤكدة أن اختزال السيرة في الغزوات والأحداث التاريخية فقط يمثل تقصيرًا تربويًّا، مشددة على أهمية إبراز الجانب الإنساني والأخلاقي والرحيم في شخصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بوصفه المدخل الحقيقي لمعرفة الله سبحانه وتعالى. وأشارت إلى أن كثيرًا من الأزمات العقدية لدى الشباب تعود إلى خلل مبكر في تصوراتهم عن الله والدين، وهو خلل لا يظهر إلا بعد سنوات، حين يصبح علاجه أكثر صعوبة، وأن الحديث عن العقيدة لا يمكن فصله عن البُعد الإنساني والتربوي، وأن ضعف العلاقات بين الآباء والأبناء في العصر الحديث يعد من أبرز أسباب الإشكالات العقدية لاحقًا. وصرحت بأن انشغال الأُسر وغياب الحوار الحقيقي يؤدي إلى تراكم الأسئلة الوجودية لدى الأطفال دون احتواء، لتظهر لاحقًا بصورة أكثر تعقيدًا في مرحلة المراهقة، وأن توفير الأمان النفسي للطفل هو شرط أساسي لفتح باب السؤال، مشددة على أهمية الحوار المفتوح الذي يحترم عقل الطفل واهتماماته، وعدم السخرية من تساؤلاته أو قمعها؛ وذلك أن عصرنا الحالي لا يسمح بإسكات الأسئلة، لأن الطفل يستطيع الوصول إلى مصادر متعددة للمعلومات بضغطة زر، محذرةً من أن إغلاق باب الحوار داخل الأسرة يفتح أبوابًا أخرى غير آمنة أمام الطفل. وشددت الدكتورة عزة رمضان العابد، في ختام حديثها، على أن التربية الإيمانية ليست جهدًا فرديًّا عابرًا، بل مشروع متكامل يحتاج إلى عمل مؤسسي، وتقسيم واضح للمراحل العمرية، ومراعاة للواقع النفسي والاجتماعي والعلمي الذي يعيش فيه الأطفال اليوم، وأن بناء التصورات الصحيحة عن الله والدين منذ الصغر هو الضمان الحقيقي لتنشئة أجيال متوازنة، قادرة على مواجهة أسئلة العصر دون خوف أو اضطراب.
من جانبه، قال الشيخ علاء عبد الحميد: إن التعامل مع قضايا العقيدة في الواقع المعاصر يتم في الغالب بمنطق العلاج بعد وقوع الأزمة، لا بمنطق الوقاية، موضحًا أن أغلب الجهود الفكرية تُستنزف في إزالة الشبهات بعد تشكلها، دون بناء حقيقي للإيمان في النفوس. وأضاف: إن الوقاية تبدأ بالتأسيس المبكر، لأن معالجة الشك بعد ترسخه قد تزيح المشكلة مؤقتًا، لكنها لا تبني إيمانًا راسخًا ولا معرفة إلهية عميقة، مؤكدًا أن المطلوب هو بناء الإنسان قبل مواجهة الشبهة. وأشار الشيخ علاء إلى أن كثيرًا من الخطاب الديني المعاصر لا يزال أسير جدل إسلامي–إسلامي نشأ في سياقات تاريخية مستقرة، بينما يواجه الجيل الحالي إشكالات مختلفة تمامًا، في مقدمتها المادية، والسيولة الفكرية، والانبهار بالتفوق العلمي الغربي. ونعى على بعض الخطابات الدينية كونها تتسم بالفوقية أو الاستعلاء، وهو ما لم يعد مقبولًا لدى جيل منفتح على ثقافات ومناهج تفكير متعددة، داعيًا إلى خطاب يحترم عقل المتلقي، ويعترف بتعقيد الأسئلة التي يواجهها. ومن هنا شدَّد الشيخ علاء على أن تأسيس العقل يجب أن يسبق تكديس المعلومات الدينية، موضحًا أن الإنسان في بداياته يدرك العالم بالحس، لكن لا بد من تعليمه مبكرًا أن الحس محدود، وأنه بداية المعرفة لا نهايتها، مشيرًا إلى أن كثيرًا من مناهج التعليم ترسخ الجانب الحسي فقط، حتى في العلوم الطبيعية، دون تنبيه المتعلم إلى البُعد العقلي والتجريدي، وهو ما يؤدي لاحقًا إلى تصور قاصر عن الوجود والمعرفة، فمعرفة الله سبحانه وتعالى لا تنال بالحس، وإنما بالعقل والنظر والاستدلال، بالإضافة إلى أن أصول الدين في حقيقتها عقلية، وأن العقل هو أشرف أدوات المعرفة التي تميز الإنسان.
وتطرق الشيخ علاء إلى العلاقة بين العلم الحديث والإيمان، مؤكدًا أن الخطأ الشائع هو تحويل الله إلى مجرد "سد للفجوات المعرفية"، موضحًا أن الإسلام لا يثبت وجود الله بوصفه حلًّا مؤقتًا للأسئلة التي يعجز العلم عن تفسيرها، بل القوانين العلمية في ذاتها دليل على وجود الخالق، وليست نقيضًا له. وعليه شدَّد على ضرورة التفريق بين السبب القريب الذي يدرسه العلم، والسبب الأبعد الذي يشير إلى الخالق سبحانه وتعالى. وأضاف أن وضع الله في موضع الإجابة السهلة لكل سؤال علمي يضعف الخطاب الإيماني؛ لأن تطور العلم قد يملأ بعض هذه الفجوات، بينما المطلوب هو ترسيخ الإيمان بوصفه حقيقة مطلقة، لا بديلًا معرفيًّا مؤقتًا.
وأكد الشيخ علاء أن كثيرًا من الأزمات العقدية لدى الشباب لها جذور نفسية، موضحًا أن صورة الله في وعي الإنسان غالبًا ما تكون انعكاسًا لصورة الأب أو السلطة في طفولته، وأن القسوة، أو التسلط، أو غياب الحوار داخل الأسرة قد يسقط لاحقًا على تصور الإنسان لله، فيراه قاسيًا أو متربصًا، وهو ما يولِّد رفضًا داخليًّا للدين أو تمردًا عليه. ومن ثم دعا إلى دمج علم النفس مع مفاهيم التزكية الإسلامية، معتبرًا أن فهم النفس البشرية وصراعاتها ضرورة أساسية لمعالجة القلق الوجودي، وليس ترفًا فكريًّا. كما شدَّد الشيخ علاء على أهمية تقديم الفقه بوصفه منظومة متكاملة، لا مجرد أوامر ونواهٍ، موضحًا أن كثيرًا من الشباب يصطدمون بالتشريعات قبل أن تتشكل لديهم صورة واضحة عن المشرّع، في حين أن بيان مقاصد الشريعة، وربط الأحكام ببعضها، يساهم في إزالة كثير من الإشكالات، فالمشكلة لا تكمن في التشريع ذاته، بل في طريقة تقديمه منفصلًا عن سياقه الكلي.
وفي ختام الندوة، أوضح طاهر زيد أن دار الإفتاء المصرية تعمل من خلال وحدة الحوار على التعامل مع الأسئلة الوجودية بمنهج يقوم على الحرية والسرية واحترام السائل، وعدم تقديم إجابات جاهزة، بل تعمد إلى اصطحاب السائل في رحلة بحث تناسب عمره وخلفيته، مشيرًا إلى إصدار دار الإفتاء لكتاب "الدليل الإرشادي للإجابة عن أسئلة الأطفال الوجودية"، مع التأكيد على أن تجاهل هذه الأسئلة في الطفولة قد يؤدي لاحقًا إلى تطرف فكري، إما في صورة غلو وعنف، أو في صورة إلحاد واغتراب.
واختتمت الندوة بتفاعل واسع من الحضور، الذين أكدوا أهمية استمرار هذه اللقاءات التي تفتح مساحات آمنة للحوار، وتربط بين الدين والواقع، وتعيد الاعتبار للتربية الإيمانية بوصفها أساس بناء الإنسان المتوازن.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الإفتاء دار الإفتاء دار الافتاء المصرية بمعرض القاهرة الدولى للكتاب بمعرض القاهرة الدولي الأطفال والشباب الأسئلة الوجودیة سبحانه وتعالى أن کثیر ا من دار الإفتاء الشیخ علاء التعامل مع موضح ا أن إلى أن لاحق ا وهو ما على أن
إقرأ أيضاً:
الفري يفتتح معرض الكتاب 52 في الرابطة الثقاقية من طرابلس الى الوطن: الكتاب رسالة صمود
اطلقت الرابطة الثقافية، معرض الكتاب السنوي الثاني والخمسين في حفل اقيم على مسرحها، بحضور الاستاذ مقبل ملك ممثلا الرئيس نجيب ميقاتي، النائب جميل عبود، ممثلين عن النواب فيصل كرامي، كريم كبارة، طه ناجي واشرف ريفي، محافظ لبنان الشمالي ايمان الرافعي، محسن عبد الكريم ممثلا المجلس الاسلامي العلوي،
ممثلة عن السفارة الفلسطينية في بيروت، رئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة ورئيس اتحاد بلديات الفيحاء وائل الزمرلي, سفارة فلسطين ممثلة بالملحق الثقافي الاستاذة سهى الضايع, قائد منطقة الشمال العسكرية العميد باسم الاحمدية ممثلا بالعميد عماد يحيى, المدير العام لوزارة الثقافة الدكتور علي الصمد، , مدير عام وزارة العدل القاضي محمد المصري ممثلا بعقيلته الشاعرة ريما حلواني المصري , د. خالد عبيد مدير عام مؤسسة مياه لبنان الشمالي , مدير معرض رشيد كرامي الدولي د هاني شعراني ممثلا بالاعلامية ليلى شحود, اللواء محمد الخير , د. خالد بدرة رئيس بلدية بقاع صفرين , غسان ريفي ممثلا نقابة المحررين، رئيس جامعة الجنان د سالم يكن ممثلا بالاستاذ راني حداد د. فاديا العلم الجميّل مديرة جامعة اليسوعية, د وليد داغر رئيس جامعة المدينة, د هاني حيدورة مدير جامعة التكنولوجيا للعلوم التطبيقية اللبنانية الفرنسية, رئيس جامعة طرابلس د. رافت ميقاتي ممثلا بالدكتور محمود درنيقة نائب رئيس المجلس الوطني للاعلام الأستاذ عبد الهادي محفوظ مملا بالاستاذ احمد درويش , الزميل ابراهيم عوض نائب رئيس المجلس الوطني للاعلام، نقيب أطباء الأسنان د.ميلاد ديب ممثلا بالدتور هاني عويضة, سعادة القاضي هانيا الحسن, نقيب المعلمين نعمة محفوظ، الاستاذ غسان الجسر، رئيس اتحاد نقابات العمال والمستخدمين في لبنان الشمالي النقيب شادي السيد، نائب رئيس اتحادات النقل البري للترانزيت في الداخل والخارج محمد كمال الخير، المدير العام للمستشفى الحكومي في طرابلس ناصر عدره، رئيسة اقليم زغرتا الكتائبي السيدة لينا البايع/ , رئيسة اقليم الكورة الكتائبي السيدة سلمى غصن, مسؤول المؤتمر الشعبي اللبناني المحامي عبد الناصر المصري, رئيس الندوة الشمالية الأستاذ فيصل درنيقة, ممثل الجماعة الاسلامية الحاج احمد البقار , فضيلة الشيخ محمد رامز الحموي مدير مجمع النور التربوي,
رئيس جمعية اللجان الاهلية الحاج سمير الحج, رئيس الاكاديمية الدبلوماسية الدولية د عمر الحلوة, الرئيس المؤسس لجمعية كشافة الغد القائد عبد الرزاق عواد, مفوض عام كشافة الغد الافضل القائد محمد سلطان , الدكتور مصطفى قراعلي, النقيب كمال مولود, هميدة كلية الاداب في الجامعة اللبنانية د سهى الصمد , د.جنين الشعار مديرة كليةع الآداب-الجامعة اللبنانية, مدير كلية الحقوق د محود عثمان , رئيس قسم اللغة العربية في كلية الاداب د رياض عثمان,, د. رياض يمق, الناشط السياسي المهندس يحيى كمال مولود, مدير الجامعة العربية المفتوحة د. عزت الحلبي, ممثل المركز الاسلامي الحاج عامر الفري، رئيس نقابة عمال البناء في لبنان الشمالي السيد جميل طالب
رئيس لجنة الأسير يحي سكاف الأستاذ جمال سكاف , نقابة الفنانين في الشمال ممثلة بالنقيب عبد الرحمن الشامي رئيس اتحاد جمعيات الضنية د عز الدين صبرة, نائب رئيس مجلس لبنان للابنية الخضرا المهندس عفيف نسيم, الناش السياسي سبيرو سميرة, الناشط السياسي هشام الموعي, العقيد عميد حمود, رئيس جمعية الفنون المخرج توفيق المصري, الاستاذ نيم الحايك, منتدى ريشة عطر ممثلا بالشاعر اسعد مكاري, سكرتير الحب الشيوعي في الشمال د موسى حنا , النقيب موفق السباعي, النقيب احمد كبة, رئيس هيئة الاسعاف الشعبي القائد حسام الشامي, نقيب موظفي المصارف حسان الريفي, عن حركة التوحيد الاسلامي السادة وضاح ديب وكامل الزعبي، نقابة الممثلين في لبنان ممثلة بالاستاذ خالد الحجة , ممثل جمعية الوفاق الثقافية الاعلامي غسان حلواني وحشد.من الشخصيات وابناء المدينة
علوان
بعد النشيد الوطني والوقوف دقيقة صمت لارواح الشهداء في لبنان وفلسطين المحتلة رحبت انطوانيت علوان بالحضور واكدت ان “أَوْقَاتَ الْحُرُوبِ هِيَ أَحْوَجُ مَا نَكُونُ فِيهَا إِلَى الثَّقَافَةِ. فَالْكِتَابُ يُعَلِّمُنَا أَنَّ الدُّنْيَا مَرَّتْ بِأَظْلَمِ الْعُصُورِ، لَكِنَّ الْإِنْسَانِيَّةَ لَمْ تَمُتْ. وَالْقَصِيدَةُ تُعَلِّمُنَا أَنَّ هُنَاكَ جَمَالًا لَا تَقْتُلُهُ الْقَنَابِلُ. وَالرِّوَايَةُ تُذَكِّرُنَا أَنَّ الْحُبَّ يَبْقَى رُغْمَ كُلِّ الْخَرَابِ”.
وقالت: “إِنَّ افْتِتَاحَ هَذَا الْمَعْرِضِ الْيَوْمَ هُوَ رِسَالَةٌ إِلَى الْعَالَمِ: أَنَّ لُبْنَانَ يَقْرَأُ، وَلَنْ تُوَقِّفَ قِرَاءَتَهُ حَرْبٌ أَوْ أَزْمَةٌ. وَأَنَّ طَرَابُلُسَ تَكْتُبُ، وَلَنْ يُسْكَتَ قَلَمُهَا رَصَاصٌ أَوْ ظُلْمٌ. وَأَنَّ الثَّقَافَةَ فِي بِلَادِ الْأَرْزِ شَمْسٌ لَا تَغِيبُ، وَنَبْعٌ لَا يَنْضَبُ، وَمَنَارَةٌ لَا تَنْطَفِئُ”.
الفري
ولفت رئيس الرابطة الثقافية الصحافي د. رامز الفري في كلمته الى أن “إِقَامَةَ هَذَا الْمَعْرِضِ فِي ظِلِّ هَذِهِ التَّحَدِّيَاتِ لَيْسَ مُجَرَّدَ نَشَاطٍ ثَقَافِيٍّ عَابِرٍ، بَلْ هُوَ مَوْقِفٌ وَطَنِيٌّ وَثَقَافِيٌّ بِامْتِيَازٍ، وَرِسَالَةٌ وَاضِحَةٌ بِأَنَّ الثَّقَافَةَ لَا تُهْزَمُ، وَأَنَّ الْكَلِمَةَ أَقْوَى مِنْ كُلِّ مُحَاوَلَاتِ الْقَهْرِ وَالْإِلْغَاءِ. حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الْكِتَابُ إِلَى أَدَاةِ وَعْيٍ، وَمِنْبَرٍ حُرٍّ، وَسِلَاحٍ حَضَارِيٍّ فِي مُوَاجَهَةِ الْجَهْلِ وَالتَّطَرُّفِ وَالِانْهِيَارِ”.
وَقال: “فِي هَذَا السِّيَاقِ، تَأْتِي الْأَنْشِطَةُ الثَّقَافِيَّةُ وَالْفِكْرِيَّةُ الْمُوَاكِبَةُ لِلْمَعْرِضِ لِتَكُونَ انْعِكَاسًا حَقِيقِيًّا لِنَبْضِ الشَّارِعِ اللُّبْنَانِيِّ، إِذْ تَدُورُ فِي فَلَكِ إِدَانَةِ الْعُدْوَانِ، وَالتَّأْكِيدِ عَلَى التَّضَامُنِ الْوَطَنِيِّ، وَدَعْمِ الْمُوَاطِنِينَ فِي مُوَاجَهَةِ الْأَزَمَاتِ الْمُتَلَاحِقَةِ. كَمَا تَسْعَى هَذِهِ الْفَعَّالِيَاتُ إِلَى مُحَاكَاةِ الْوَاقِعِ بِكُلِّ تَفَاصِيلِهِ، مِنْ خِلَالِ تَسْلِيطِ الضَّوْءِ عَلَى مُعَانَاةِ النَّاسِ الْيَوْمِيَّةِ، وَالتَّحَدِّيَاتِ الَّتِي يُوَاجِهُونَهَا عَلَى الصُّعُدِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالِاقْتِصَادِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ، وَفَتْحِ مَسَاحَةٍ لِلْحِوَارِ الْمَسْؤُولِ وَالْبَنَّاءِ الَّذِي يُسَاهِمُ فِي بَلْوَرَةِ رُؤًى وَحُلُولٍ تَخْدِمُ الْمُجْتَمَعَ”.
اضاف نؤكد بكل وضوح وقوفنا الثابت الى جانب مؤسسات الدولة اللبنانية ورموزها باعتبارها الضمانة الاساسية لوحدة الوطن وصون استقراره وحماية سيادته: “كما نؤكد رفضنا لكُلِّ أَشْكَالِ التَّطْبِيعِ مَعَ الْعَدُوِّ الصِّهْيُونِيِّ، وَنَعْتَبِرُهُ خُرُوجًا عَنْ ثَوَابِتِنَا الْوَطَنِيَّةِ وَالْقَوْمِيَّةِ وَالْإِنْسَانِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِيَّةِ، وَانْحِرَافًا عَنْ مَسَارِ الْعَدَالَةِ وَالْحَقِّ. وَنُشَدِّدُ عَلَى أَنَّ الثَّقَافَةَ الْوَاعِيَةَ وَالْمُلْتَزِمَةَ تَبْقَى فِي طَلِيعَةِ الْمُوَاجَهَةِ الْفِكْرِيَّةِ، دِفَاعًا عَنِ الْقَضَايَا الْعَادِلَةِ وَفِي مُقَدِّمَتِهَا الْقَضِيَّةُ الْفِلَسْطِينِيَّةُ”.
وتابع: “إِنَّ الرَّابِطَةَ الثَّقَافِيَّةَ فِي طَرَابُلُسَ، وَهِيَ تُوَاصِلُ مَسِيرَتَهَا، تُؤَكِّدُ الْتِزَامَهَا بِرِسَالَتِهَا الثَّقَافِيَّةِ وَالْوَطَنِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ، إِيمَانًا مِنْهَا بِأَنَّ الثَّقَافَةَ لَيْسَتْ تَرَفًا، بَلْ ضَرُورَةٌ مُلِحَّةٌ، وَأَنَّ الْحِفَاظَ عَلَى هَذَا الدَّوْرِ هُوَ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ مَعْرَكَةِ الدِّفَاعِ عَنْ هُوِيَّةِ لُبْنَانَ الْحَضَارِيَّةِ، وَعَنْ دَوْرِهِ التَّارِيخِيِّ كَمَنَارَةٍ لِلْفِكْرِ وَالتَّنَوُّعِ وَالِانْفِتَاحِ”.
الصمد
وتحدث الصمد فقال: “نلتقي اليوم في طرابلس لنطلق فعاليات معرض الكتاب السنوي الثاني والخمسين، ونحن إزاء ذلك لسنا هنا لنفتتح معرضاً للكتاب فحسب، بل لنعلن انتصار “إرادة الحياة”، بل وانتصار لغة الفكر والثقافة على أصوات الحرب والدمار. فإذا كانت لقاءاتُنا في دورات سابقة حملت عناوين متعددة، فإن للقائنا اليوم عنوانا واحدا هو كسرٌ لحصار اليأس الذي فرضته ظروف العدوان على لبنان. وظروف الحرب القاسية التي مرّ بها وطننا الحبيب لبنان جراء الحرب الإسرائيلية عليه، وهنا لا يسعنا إلا أن ندعو بالرحمة للشهداء، كما وندعو للجرحى بالشفاء العاجل”.
أضاف: “إن تنظيم هذا المعرض في هذه الدورة تحديداً، ليس مجرد طقسٍ سنوي، بل هو فعلُ صمودٍ وتحدٍ وإيمان برسالة لبنان ودوره الثقافي ودور مدينة طرابلس تحديداً، وما كان ذلك ليكون لولا إصرار الرابطة الثقافية برئاسة الأستاذ رامز الفري، على إقامة هذا الحدث رغم دويّ الانفجارات التي لم توفر شبرٍا واحدا من الجغرافيا اللبنانية، ورغم أزمة التهجير القسري والنزوح، ولا يسعنا هنا وفي حضور فعاليات مدينة طرابلس الا أن نشيد باستقبال أهل هذه المدينة للنازحين واحتضانهم لهم اليوم كما في السابق، وفاءً لإرث طرابلس الوطني والتاريخي باحتضان جميع القضايا الوطنية والعربية والإنسانية المحقة وفي طليعتها القضية الفلسطينية”.
وتابع: نحن اليوم أمام واقع جديد يفرضه المسار السياسي وقرار الحكومة اللبنانية بالتوجه نحو المفاوضات مع العدو، وهو مسارٌ يضع لبنان أمام منعطفٍ تاريخي يتطلب منا أعلى درجات الوعي والمسؤولية الوطنية.
إن التفاوض، كأداة لإدارة الصراع وحفظ الحقوق في الارض وفي البحر والجو
وفي استعادة الأسرى ومن ضمن مبادرة السلام العربية التي اقرت في بيروت عام 2002 ،
لا يمكنه أن ينفصل عن تاريخنا وذاكرتنا وثوابتنا الوطنية بل ودورنا الفكري والثقافي في المنطقة؛ فالدبلوماسية الناجحة تحتاج إلى جبهة داخلية متماسكة وعقلٍ نقدي لا يوفره إلا المثقفون والكتّاب وأصحاب الفكر والرأي الحر،
من هنا تبرز مسؤولية اًهل الفكر والثقافة اضافة الى الجامعات ومراكز البحث العلمي والمنتديات الفكرية والثقافية لكونهم صمام الأمان في قراءة هذا الواقع الجديد، وفي رسم خريطة طريق بهدف تحويل الألم الذي خلّفته الحرب إلى طاقة إبداعية تحافظ على الحقوق والثوابت و تعيد بناء الإنسان قبل الحجر.
ختاماً، من هنا، من قلب طرابلس التي لم تتخلّ يوماً عن دورها كحاضنة للفكر وللقضايا العربية لا سيما القضية الفلسطينية، نؤكد في وزارة الثقافة أننا سنبقى الداعم الأول لكل نبضٍ وحراك ثقافي معرفي تنويري،
فالمعرض اليوم هو مساحة للحوار، للنقد، وللبحث عن “لبنان الغد” الذي نريده وطناً للحرية والتنوع والكرامة الإنسانية.
كل التحية لجميع من ساهم وشارك في إنجاح هذا الحدث الثقافي في هذه الظروف الاستثنائية،
ثم تم قص الشريط التقليدي وجال المشاركون في انحاء المعرض.