عضّ الأصابع قبل الانفجار الكبير.. الشرق الأوسط على حافة القرار الخطأ
تاريخ النشر: 25th, January 2026 GMT
تعيش منطقة الشرق الأوسط، ومعها أطراف متداخلة من الإقليم والنظام الدولي، لحظةً فارقةً يمكن توصيفها بدقة بأنها مرحلة عضّ الأصابع، تلك المرحلة التي لا تكون فيها الحرب قد اندلعت بعد، ولا يكون السلام خيارًا واقعيًا، بل يصبح الصبر نفسه أداة صراع، وتتحول القدرة على التحمّل إلى سلاحٍ استراتيجي لا يقل فتكًا عن الصواريخ والطائرات المسيّرة، في هذه اللحظة الرمادية، لا تُقاس القوة بعدد الجيوش فقط، بل بمدى الاستعداد لتحمّل الألم دون أن تصدر الصرخة الأولى.
المنطقة اليوم ليست على شفا الحرب فحسب، بل داخل مسارٍ تراكميٍّ يقود إليها خطوةً بعد أخرى، حيث تتشابك الحسابات الخاطئة، وتتصاعد الرسائل غير المباشرة، وتُختبر الخطوط الحمراء مرارًا، إلى أن تفقد معناها، أو تتحول إلى شرارة اشتعال شامل. السؤال المركزي لم يعد: هل ستقع الحرب؟ بل: من سيفقد أعصابه أولًا؟ ومن سيعلن عجزه عن الاستمرار في هذا الاختبار القاسي؟
سياسة الصبر المؤلم: حين يصبح الانتظار أداة قتالتعتمد الأطراف المتصارعة في الإقليم، سواء كانت دولًا أو فواعل من غير الدول، على ما يمكن تسميته بـ"سياسة الصبر المؤلم"، حيث يتم دفع الخصم إلى أقصى حدود الاحتمال عبر استنزاف متدرّج، محسوب، ومتعمّد.ضربات لا ترقى إلى مستوى الحرب الشاملة، رسائل نارية مغلّفة بالإنكار، عمليات نوعية بلا تبنٍّ مباشر، وتصريحات سياسية متناقضة تترك باب التأويل مفتوحًا على مصراعيه.
في هذا السياق، لا يسعى أي طرف إلى تحقيق نصرٍ سريع، بل إلى كسر الإرادة النفسية للخصم، ودفعه إلى اتخاذ القرار الخطأ، القرار الذي يبدو في لحظته دفاعيًا، لكنه في حقيقته إعلان دخول الحرب. هنا تحديدًا تكمن خطورة المرحلة، لأن الطرف الذي يصرخ أولًا لا يكون بالضرورة الأضعف عسكريًا، بل الأكثر هشاشةً سياسيًا أو داخليًا.
توازن الردع المتآكل: حين تفقد المعادلات صلابتهالسنوات طويلة، استندت المنطقة إلى معادلات ردع غير مكتوبة، لكنها مفهومة ضمنيًا: هذا يردع ذاك، وذاك يحسب حساب هذا، والجميع يدرك أن كلفة الحرب الشاملة أعلى من أي مكسب محتمل. غير أن هذه المعادلات بدأت تتآكل تدريجيًا، بفعل تغيّر موازين القوى، وتراجع قدرة بعض الدول على الضبط والسيطرة، وصعود فواعل مسلّحة لا تخضع لمنطق الدولة التقليدي.
الأخطر من ذلك أن الردع لم يعد متبادلا بالكامل، فبعض الأطراف بات يعتقد أن خصمه غير قادر على الذهاب إلى النهاية، إما بسبب أزمات داخلية خانقة، أو انقسامات سياسية حادة، أو قيود دولية تمنعه من اتخاذ قرار الحرب. هذا الاعتقاد، سواء كان صحيحًا أو وهميًا، هو الوصفة المثالية لانفجار الصراع.
اللاعبون الكبار…
واليد المرتعشة
لا يمكن فهم مرحلة عضّ الأصابع دون التوقف عند دور القوى الدولية الكبرى، التي تبدو في الظاهر حريصة على منع الانفجار، لكنها في العمق تدير الصراع ببرود محسوب، وتستخدم التوتر كورقة ضغط لتحقيق مكاسب استراتيجية أوسع. الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لا تريد حربًا شاملة تفجّر المنطقة، لكنها في الوقت ذاته لا تمانع في إبقاء الإقليم في حالة غليان مضبوط يخدم إعادة تشكيل التحالفات، وفرض وقائع أمنية جديدة.
في المقابل، تبدو قوى أخرى كروسيا والصين أكثر ميلًا لترك الغرب يغرق في مستنقع استنزاف طويل، مع الاكتفاء بدور المراقب المستفيد.هذا التوازن الدولي الهش يضيف طبقة إضافية من التعقيد، حيث يصبح القرار الإقليمي مرتهنًا بحسابات عالمية، ويتحوّل الخطأ التكتيكي الصغير إلى أزمة دولية كبرى.
من سيصيح أولًا؟ الداخل قبل الخارجالصرخة الأولى غالبًا لا تأتي من ساحة المعركة، بل من الداخل.
من اقتصادٍ يترنح، أو شارعٍ يغلي، أو مؤسسةٍ سياسية تفقد السيطرة. التاريخ القريب والبعيد يعلّمنا أن الحروب الكبرى كثيرًا ما تبدأ حين تستخدم القيادة الصراع الخارجي للهروب من أزمة داخلية، أو لإعادة ترتيب المشهد السياسي، أو لفرض حالة طوارئ تُسكت الأصوات المعارضة.
في هذا الإطار، تصبح الحرب خيارًا أقل كلفة من الاستمرار في التآكل البطيء. وهنا تكمن المفارقة القاتلة: الطرف الذي يبدو عقلانيًا في الخارج قد يكون متهورًا في الداخل، والعكس صحيح. من يملك القدرة على الصمود داخليًا هو الأقدر على مواصلة عضّ الأصابع دون أن يصرخ.
السيناريو الأخطر: حرب بلا قرارالسيناريو الأكثر ترجيحًا، والأكثر خطورة في آنٍ واحد، هو الانزلاق إلى حرب لم يقرّرها أحد رسميًا، حرب تبدأ بسلسلة من الردود المتبادلة التي تخرج عن السيطرة، حيث يجد الجميع أنفسهم داخل معركة لم يكن أيٌّ منهم يريدها كاملة، لكن لا يستطيع أحد التراجع عنها دون خسارة فادحة في الهيبة والمصداقية.
في مثل هذا السيناريو، لا يكون هناك منتصر حقيقي، بل خسائر متراكمة، وخرائط نفوذ مشوّهة، ودول تخرج من الصراع أضعف مما دخلت، حتى لو ادّعت النصر إعلاميًا.
الصمت سلاح… لكنه ليس بلا نهاية
المنطقة اليوم تمسك بأصابعها بقوة، والأسنان مغروسة، والألم يتصاعد.
الصمت لم يعد دليل حكمة بالضرورة، بل قد يكون مجرد تأجيل للانفجار. السؤال الذي يجب أن يُطرح في مراكز القرار ليس فقط: من سيصيح أولًا؟ بل: هل هناك من يملك شجاعة كسر هذا الاختبار قبل أن يتحول إلى حرب شاملة؟
لأن الحقيقة القاسية تقول إن من سيصيح أولًا قد يشعل الحرب…
لكن من يعتقد أنه قادر على الاستمرار في الصمت إلى ما لا نهاية، قد يكتشف متأخرًا أن الأصابع قد بُترت، وأن الحرب اندلعت دون صرخة.
اقرأ أيضاًحكايات.. "المستورد"
مجلس السلام.. إجبار أم اختيار؟
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: الشرق الأوسط الانفجار الكبير الدكتور محمد اليمني عض الأصابع
إقرأ أيضاً:
تراجع نيكي الياباني من قمته القياسية وسط حذر المستثمرين وتوترات الشرق الأوسط
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
تراجع المؤشر نيكي الياباني خلال تعاملات اليوم الثلاثاء عن أعلى مستوى قياسي سجله في الجلسة السابقة، مع استمرار حالة الحذر في الأسواق العالمية بسبب متابعة تطورات محادثات السلام في الشرق الأوسط، وتأثير حالة عدم اليقين الجيوسياسي على شهية المخاطرة.
وانخفض مؤشر نيكي بنسبة 1.46% ليصل إلى 65991.21 نقطة، بينما تراجع مؤشر توبكس الأوسع نطاقًا بنسبة 1.18% إلى 3894.29 نقطة، بعد أن كان المؤشران قد سجلا مستويات قياسية في جلسة أمس.
وضغطت عمليات البيع على أسهم شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، حيث تراجع سهم مجموعة سوفت بنك، وهبط سهم فوجيكورا لصناعة كابلات الألياف الضوئية بشكل حاد، كما انخفض سهم شركة كيوكسيا لصناعة رقائق الذاكرة.
في المقابل، خالفت أسهم قطاع الطاقة الاتجاه العام، مدعومة بارتفاع أسعار النفط، إذ صعد سهم شركة إنبكس، بينما حقق قطاع التعدين مكاسب قوية ليكون الأفضل أداءً، إلى جانب ارتفاع أسهم شركات الشحن بدعم توقعات زيادة أسعار النقل البحري.
ويأتي هذا الأداء في ظل استمرار تأثير التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط على أسواق الطاقة والأسهم العالمية، وسط ترقب المستثمرين لأي إشارات جديدة قد تحدد اتجاه الأسواق خلال الفترة المقبلة.
وشهدت مناطق جنوب لبنان خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية تصعيدًا عسكريًا حادًا وُصف بأنه من الأعنف منذ التهدئة الأخيرة، بالتزامن مع توتر سياسي إقليمي واستعدادات لجولة جديدة من المفاوضات في واشنطن.
وأفادت مصادر ميدانية بسلسلة غارات إسرائيلية استهدفت بلدات عدة، بينها النميرية وصربين وكفردونين وفرون وطيردبا ودير الزهراني وشقرا وحبوش ومحرونة، إضافة إلى قصف مدفعي طال أطراف كفررمان في قضاء النبطية. كما ترافقت العمليات مع تفجيرات ميدانية في مناطق حدودية، وسط تحذيرات إسرائيلية بإخلاء بلدات في الجنوب.
في المقابل، أعلن حزب الله تنفيذه هجمات باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ، استهدفت تجمعات لآليات وجنود إسرائيليين في بلدات عدة بينها دبل وحداثا والبياضة ورشاف والناقورة وشمع ويارون، إضافة إلى استهداف دبابات ميركافا ومواقع عسكرية إسرائيلية في محاور القتال الجنوبية. وأكد الحزب أنه حقق إصابات مباشرة وأجبر بعض القوات على التراجع.
من جهته، أعلن الجيش الإسرائيلي عن إصابة عدد من جنوده في اشتباكات وانفجارات طالت وحدات عسكرية جنوب لبنان، بينهم إصابات خطيرة ومتوسطة، مشيرًا إلى استمرار تقييم الوضع العملياتي على مختلف الجبهات.
كما أفادت تقارير إسرائيلية بإصابة قائد لواء بجروح خطيرة جراء انفجار طائرة مسيّرة، بينما تحدثت وسائل إعلام محلية عن ارتفاع حصيلة الإصابات في صفوف الجيش خلال العمليات الأخيرة.
وعلى الصعيد الإنساني، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية ارتفاع حصيلة القتلى والجرحى جراء الغارات الأخيرة، مع تسجيل سقوط عشرات الضحايا خلال الساعات الماضية، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى إصابات متفاوتة في مناطق متعددة من الجنوب.
وفي السياق السياسي، حذرت جهات لبنانية من تعويل المفاوضات على دور الوساطة الأمريكية، فيما واصلت الأطراف الدولية متابعة التطورات الميدانية المتسارعة، وسط مخاوف من توسع نطاق المواجهة.
وبين تبادل الغارات والهجمات، تبدو الجبهة الجنوبية مفتوحة على مزيد من التصعيد، في ظل غياب مؤشرات واضحة على تهدئة قريبة، واستمرار العمليات العسكرية بوتيرة مرتفعة على جانبي الحدود.