عودة المالكي.. هل تتجاوز بغداد خطوط واشنطن الحمراء بملف الفصائل؟
تاريخ النشر: 25th, January 2026 GMT
لم يكن ترشيح الإطار التنسيقي لنوري المالكي مجرد استعادة اسم جدلي في المشهد العراقي، بل خطوة محسوبة أعادت فتح سؤال الدولة والسلاح معا، في لحظة إقليمية تتصاعد فيها الضغوط الأمريكية وتتقلص فيها هوامش المناورة.
القرار، كما عكسه نقاش برنامج "ما وراء الخبر"، يرتبط بإدراك داخل البيت الشيعي بأن معادلة الحكم دخلت مرحلة حرجة، وأن ضبط ثنائية الدولة والفصائل أصبح أولوية وجودية، في ظل مخاوف من انهيار التوازن القائم إذا استمرت حالة تعدد مراكز القوة.
في هذا السياق، لا يظهر المالكي بوصفه مرشحا توافقيا بقدر ما يبدو خيارا اضطراريا، راهن عليه الإطار التنسيقي لاستعادة نموذج "الرجل القوي" القادر على فرض الانضباط السياسي والأمني، حتى لو استدعى ذلك اختبار حدود العلاقة مع واشنطن.
قراءة الدكتور أسامة السعيدي، عميد كلية العلوم السياسية في جامعة النهرين تندرج في هذا الإطار، إذ ربط ترشيح المالكي بالحاجة إلى قيادة تمتلك خبرة إدارة المراحل الصعبة، على غرار المرحلة التي أعقبت 2006 حين واجه العراق تحديات أمنية وجودية.
ووفق ما طُرح في الحلقة، فإن هذا الرهان يستند إلى اقتناع داخل الإطار بأن المالكي يمتلك من الثقل السياسي والعلاقات داخل المنظومة الشيعية ما يؤهله للتعامل مع ملف الفصائل، سواء عبر الاحتواء أو إعادة الضبط، وهو ملف يتقدم اليوم على سواه.
عنصر ضبط حاسمغير أن هذه المقاربة لا تنفصل عن العامل الأمريكي، الذي حضر في النقاش بوصفه عنصر ضغط حاسم، فالولايات المتحدة، بحسب ما أشار إليه ضيوف البرنامج، لا تركز على الأسماء بقدر ما تراقب السلوك السياسي، خاصة فيما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد، وملف التحويلات المالية.
الدكتور مجاشع التميمي، المحلل السياسي من بغداد، حذّر في هذا السياق من أن أي تجاهل لهذه الاشتراطات قد يعرّض العراق لضغوط قاسية، مستحضرا سوابق العقوبات التي فُرضت على مصارف وشخصيات عراقية خلال السنوات الماضية.
إعلانومن هنا، تبدو عودة المالكي أقرب إلى مقامرة سياسية، يراهن فيها الإطار التنسيقي على شخصية قادرة على تمرير تسوية داخلية مع الفصائل، مقابل تجنب سيناريوهات التصعيد الخارجي أو الانزلاق إلى فوضى تهدد النظام برمته.
وقد برز في الحلقة حديث عن اتصالات بين المالكي والجانب الأمريكي، تضمن إشارات إلى "تسوية قضية الفصائل"، وهي عبارة تحمل دلالات تتجاوز التنسيق السياسي إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة وهذه القوى.
لكن هذه المقامرة لا تخلو من مخاطر داخلية، إذ لا تزال عودة المالكي تثير تحفظات لدى قوى سياسية سنية وشيعية، ترى في تجربته السابقة إرثا إشكاليا قد يعيد إنتاج الاستقطاب، لا سيما في ظل ظروف إقليمية أكثر تعقيدا.
قبضة قوية مقلقةوفي هذا السياق، يبرز التناقض الأساسي، وهو الحاجة إلى قبضة قوية تعيد فرض هيبة الدولة، مقابل الخشية من أن تؤدي هذه القبضة إلى تفجير توازنات هشة بُنيت خلال السنوات الماضية.
إقليميا، يزداد المشهد تعقيدا مع تصاعد التوتر الأمريكي الإيراني وتراجع نفوذ طهران النسبي في بعض ساحات المنطقة، ووفق ما أشار إليه التميمي، فإن قرب المالكي من إيران قد يضعه تحت مجهر واشنطن، خاصة إذا فُسرت عودته بوصفها محاولة لإعادة ترميم نفوذ إقليمي مقلق للولايات المتحدة.
في المقابل، يبدو أن الإطار التنسيقي لا يراهن على مواجهة مفتوحة، بل على تسوية غير معلنة، عبر زعيم قوي يضبط الداخل ويمنع الانفجار، مقابل تجنب كلفة التدخلات أو العقوبات التي قد تعصف بالاقتصاد والنظام السياسي.
غير أن نجاح هذا السيناريو يبقى مشروطا بقدرة المالكي -إن عاد- على اتخاذ قرارات صعبة تمس مصالح فصائل نافذة، وهو ما يطرح تساؤلات حول حدود قدرته على المناورة بين ضغوط الداخل واشتراطات الخارج.
في المحصلة، لا تتعلق عودة المالكي بشخصه فقط، بل بسؤال أعمق طرحه نقاش ما وراء الخبر، هل لا يزال النظام السياسي العراقي قادرا على إنتاج حلول من داخله، أم أنه أصبح مضطرا إلى المجازفة بخيارات حادة لتأجيل الانهيار؟
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الإطار التنسیقی عودة المالکی فی هذا
إقرأ أيضاً:
العيد ما بين الحمراء والقاهرة
سالم بن محمد بن أحمد العبري
في أحد الأعياد التي كانت مطلع الستينيات من القرن العشرين، لوحظ أن الخطبة كانت بليغة ومُوعِظةً، حتى إن بعض الذين قد يُقال عنهم: إنهم مسرفون على أنفسهم كانوا يتململون، وقد تذرف أعينهم نفثات دمع ثخين، فحين يُسأل والدي، خطيب العيد في تلك الأيام التي خلت من المصادر العلمية لخطبته، يقول لهم: لقد انتخبتها من خطب الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، والشيخ ماجد بن خميس العبري، وعمي العلامة إبراهيم بن سعيد العبري، سماحة المفتي السابق لسلطنة عُمان.
ربما رجعت من شرودي مع الوالد، والعيد وهو على المنبر قد ترك فرصة احترامًا للعلماء الذين اعتلوا هذا المنبر خطباء. وفي آخر عيد في عام 1410هـ، 1990م، وكان يومئذٍ هو عيد الأضحى، أخذنا طريقنا من المصلى إلى الحارة و(مسجد وسبلة الصَّلف)، وكما هو مُتَّبع أشار لي والدي أن أتقدم، وجلس هو في جدول ساقية الفلج التي تسقي الغنايم؛ فلمّا لازمته تعجَّلت الحركة، فمضينا إلى حيث يتجمّع الناس، وتنتظم مظاهر العيد المتوارثة بين لقاءات وعادات. وفي هذا العيد تحديدًا أيقن والدي أنّه سيودّع دنيانا الفانية، فلقى ربَّه ثالث أيام العيد، وقد كنت برفقته ومعي زوجتي في بيته، الذي بناه أسفل تلّة (البرج الحديث)، فأخذ يكلمني عن بعض الالتزامات والحقائق في أمواله وبيت العراقي، ولم يدُر بخلدي أنها وصيّته الأخيرة، وكان يلزم أن نطالبه بكتابتها أو يبلِّغها لأحد غيرنا. رحم الله آباءنا وأمهاتنا وجميع أموات المسلمين.
أتذكّر الآن.. في أول إجازة لي بعد أن باشرت العمل بالسفارة العُمانية في القاهرة، وكان ذلك في الأول من ديسمبر 1986 بعد عطلة عيد الفطر مباشرة، ثم كانت عودتنا إلى مقر العمل قُبيل عيد الأضحى، وقد صلينا ركعتي صلاة العيد بجامع حي الزمالك الشهير.
ربما تلك الإجازة أورت نيران الشوق للأهل والوطن وبي على وجه الخصوص، فلما عدت من الصلاة وبعض اللقاءات أشعلت محرك سيارتي؛ وقد كان كل دبلوماسي من أي دولة يقتني سيارة خاصة، حتى إذا انتهت مهام عمله الدبلوماسي باعها بضعف سعرها؛ لأنها معفاة من الجمارك العالية، ثم يعود إلى بلاده بمبلغ جيد.
في هذه الأيام كان أحمد ابني قد أكمل عامًا وخمسة أشهر، وكانت ابنتاي الزهراء وشمسة قد أكملتا 4 و3 سنوات، وكانت وجهتنا مصر الجديدة، وخاصة في حديقة الميرلاند، وما كدنا نستقر على البحيرة، ونضع أطفالنا على قارب وأمهم العزيزة تتابع فرحتهم وابتهاجهم، حتى أخذني خاطري إلى الحمراء الساحرة ومظاهر العيد صباحًا في مسجد الصلف، وأبي يؤم المصلين وصوته يصدح بآيات مختارة من إحدى السور السبع المنجيات، حتى إذا فرغ من الصلاة على النبي تقدم خطوة فسلّم على جدي، وأخذه إلى جانبه مبتدئين التهنئة بالعيد، ويتبعه الجار الأيمن من الصف الأول، ثم الأيسر منه، فإذا انتهى إلى نهاية الصف تبعه الصف الثاني منتظمًا من أيسره حتى ينتهي بيمينه، ليلحق الصف الثالث من شمال المسجد، أي يمين الصف. وهكذا دواليك، حينها نخرج سراعًا للبيت، فالأهل والصغار يكونون متأهبين بعد أن لبسوا ثياب العيد الجديدة وجهزوا بخور العود، والعطور المختارة للعيد، ويحضِّر الآباء العيدية للأطفال قروشًا وبيسات قبل أن تحلّ الأوراق المالية، وخاصةً الريال والنصف والربع والمائة، بديلًا عن نقود الفضة والنُّحاس، وهذا حدث بعد أن جمع البنك البريطاني القروش الذهبية والفضية والنحاسية، وأحلّ بدلًا منها الريال السعيدي مكانها، والذي لاحقًا تمّ استبداله بالريال العُماني.
وبعد أن تكتمل تلك الصورة بالعيدية وتختلط بالبهجة، وخاصة لدى الأطفال والشباب، نعدو إلى الأسفل نحو بيتنا (بيت المغري)، حيث يلتقي أهلنا المنسوبون للجد (محسن بن زهران بن محمد العبري)، حيث ننتظر التجمع في الجانب الشمالي متكئين ومستندين على جدار المنزل، ويقابلنا بيت سالم بن قاسم بن حسن العبري، الجار والصديق، هو وزوجته عائشة بنت عامر العبرية التي كانت لصيقة بأمهاتنا وعمَّاتنا وجميع أهلنا. ثم يأتي الوالد عبدالله بن مهنا ومعه شقيقه الوالد محمد بن مهنا، قادمَين من غرب الحارة برفقة أولادهما وأولاد الوالد حمد بن مهنا ومن معهم من الجيران أو المساعدين، ويأتي سماحة المفتي العلامة إبراهيم بن سعيد العبري وأولاده ومن صاحبهم من السكة الواصلة بين الطريق الممتد من غرب الحارة وحتى شرقها؛ ليفضي إلى الطرقات من ناحية الشرق، حيث المزارع وقرية (بني صبح)، ثم إلى (تنوف) و(نزوى)، وإلى الجنوب باتجاه (غمر)، و(بلاد سيت)، و(بهلا)، ثم تمر قوافل الإبل من باب (البادي = باب البدو) متجهة إلى (العَراقي) و(عَبري) حتى تصل إلى دبي.
وما إن يكتمل الجمع بأحفاد محسن بن زهران أسفل (بيت المغري)، وبانضمام الوالد سعيد بن مهنا والآباء خالد وعبدالرحمن أبناء محمد بن حمد بن محسن إلى الفريق المتجمّع، حتى نرى كل أهل الحمراء من سافلها إلى عاليها قد تجمهروا أمام (سبلة الصلف ومسجد الصلف)، يزهون بملابس العيد متوشحين ببنادقهم ومحازمهم الملمّعة المجلية، فتبدو جميلة جديدة، حتى لتحسب الجمع في يوم الحشر بعد أنْ حلّوا في هذه الساحة. ثم أسرح بخيالي بعيدًا، ويأتيني هاجس الشعر مصوِّرًا ما فاض بي من الحنين: ]يا مسجد الصلف الداني لمحفلنا/ هذي الجموع لقد ضاقت بها البيد- أفواجها قدمت من كل ناحية/ تبغي لقاءً له في العيد تجديد- يا جمعنا شمسنا قد أشرقت عجلًا/ هل للشموس أحاسيس وتغريد- فاستشعرت صور البشرى بخافقنا/ شاءت تشاركنا يا حبذا الجود[.
هكذا يتحرك اللفيف المنتظم تحت (بيت المغري) مقابل (بيت العالي) ليسلِّم ويُهنِّئ هذا الحشد الممتد من شرق (بيت الصفاة) شرقًا، حيث (بيت الغاربي) لمحمد بن ناصر بن سيف العبري المكنى (الغاربي) و(سبلة الغاربي). وما إن يفرغ الجمع من التهنئة حتى يذهب جزءٌ من الكل لتناول طعام (التصبيحة) الذي يقدمه (شيخ التميمة)، وكان في كل أيامنا الوالد الشيخ عبدالله بن مهنا يتقدم الجموع بصحبة أبي، والكل، وربما الأكبر سنًا، يأخذ طريقه من باب المغري، وثُلّة أخرى تأخذ طريقها إلى (شجرة الأنبا المقلية)، والذي ينتهي بهم إلى (ساحة السحمة)، وعن يسارهم (سبلة السحمة) الشهيرة التي أقامها الجد الشيخ محسن بن زهران العبري، ثم يتجهون إلى مصلى العيد عبر الطريق الرئيس.
أما طريق بيت المغري فإن مرتاديه يصعدون الجبل باتجاه مصلى العيد من نهاية هذه السكة عندما تتصل بطريق السحمة الممتد من (الشريعة) وحتى (الولجة)، ثم إلى (المحاشي) و(المنسور)، ثم إلى طريق الجنوب، كما بيَّنا سابقًا، فيصعد المتجهون إلى المصلى من شرقي السّدرة التي كان يسكن في فنائها علي بن راشد الميَّاحي، أو من شرقي مصلى النساء (مجازة النساء)، حتى يصلوا إلى باب مصلى العيد.
وحين يفرغ الجمع من تناول طعام (التصبيحة)، يسلكون الممرات الضيقة المنحدرة من جانب المسجد العالي إلى (النطالة الشرقية). ولا أتذكّر أنني شاركت الآباء في تناول طعام العيد سائر الأعوام التي قضيتها في القاهرة؛ فقد كنا صغارًا نأخذ طريقنا من بيت المغري، وقد قلت أبياتًا شعرية معبرة عن هذا المشهد أقتطف منها: ] وللمصلى معًا نمضي على زُرفٍ/ بين النخيل لنا سجع وترديد- فينا الكبير الذي قد قضّت أضلعه/ خطوب الزمان وفينا الكهل والغيد- والطفل سار إلى جنب لوالده/ أو كان يحمله في سعيه الجيد- يا صاعدين رمال الجبل في عَجَلٍ/ سيروا على مهل فالخطو معدود- بكل خطوة لكم أجر يضاعفه/ رب السماء فإن الخطو معدود- يا زاهرًا لصلاة العيد حثهم/ إن الصلاة لجمع كلها جود[.
وأقصد بزاهر هنا (زاهر بن سالم بن عُبُود)، وكان هو من ينادي في الجَمْع: (الصلاةُ جامعة، الصلاةُ جامعة). فيقوم الناس لصلاة العيد يؤمهم أبي ويخطب فيهم، وذلك إن لم يكن العلامة إبراهيم بن سعيد العبري متواجدًا في (الحمراء)، وكان أبي في ذاك الزمان خطيبًا بليغًا مشهودًا له: ]أشتاق منك محيًّا لا مثيل له/ تاج الصفاء به يحدوه توحيد[.
وإلى ذكريات أخرى وسرد لعادات وتقاليد عُمانية أكثر.