على خطى ديغول.. تحركات فرنسية للانسحاب من الناتو احتجاجا على سياسات ترمب
تاريخ النشر: 26th, January 2026 GMT
نشرت صحيفة "فيدوموستي" الروسية مقالا للكاتب أنطون أوسيبوف، يتناول فيه الجدل الدائر حول مستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو) واحتمال خروج فرنسا منه، مستعيدا التاريخ حينما أقدمت باريس على هذه الخطوة قبل 60 عاما.
وقال أوسيبوف إن طموحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تجاه غرينلاند أدت إلى فتح باب التكهنات حول مستقبل الحلف.
فقد أعدت كليمانس غيتيه، نائبة رئيس الجمعية الوطنية، مشروع قرار للخروج من الناتو، متهمة الولايات المتحدة بممارسة "سياسة إمبريالية سافرة".
وعلق أوسيبوف قائلا إنه ليس من الصعب تصديق جدية نوايا غيتيه، إذ إن آلية الانفصال بسيطة نسبيا، وقد سبق لدولتين استخدام ذلك، اليونان في عام 1974 والجمهورية الفرنسية الخامسة نفسها قبل 60 عاما بالضبط.
وقال إن فرنسا كانت واحدة من الدول الـ12 المؤسسة للناتو عام 1949. وبحلول عام 1966، كان الحلف يضم 15 عضوا، وكان مقره الرئيسي في باريس منذ 1956، ومع ذلك، في مارس/آذار 1966، تم الكشف عن رسالة من الرئيس الفرنسي آنذاك إلى نظيره الأمريكي، يوضح فيها نية فرنسا الانسحاب من الحلف.
ديغول ليندون جونسونوأشار إلى أن الرئيس الفرنسي شارل ديغول المعاد انتخابه حديثا أبلغ نظيره الأمريكي ليندون جونسون بصراحة: "تنوي فرنسا استعادة سيادتها الكاملة على أراضيها، والتي ينتقص منها حاليا الوجود الدائم للقوات الحليفة واستخدام مجالها الجوي، وإنهاء مشاركتها في القيادة العسكرية الموحدة للناتو، وعدم وضع قواتها المسلحة تحت تصرف الحلف".
ومع ذلك، يقول أوسيبوف، وضع ديغول استثناء بروح المادة الخامسة، مؤكدا أن البلاد ستظل مستعدة "للقتال جنبا إلى جنب مع الحلفاء إذا وقع أحدهم ضحية لهجوم غير مبرر".
إعلانولفت الكاتب إلى أن رسالة ديغول تلك لم تكن مفاجأة للجمهور، إذ عُرف منذ فترة طويلة استياء فرنسا من الدور الكبير للولايات المتحدة. ففي سبتمبر/أيلول 1958، أرسل ديغول مذكرة إلى واشنطن ولندن ادّعى فيها أن "الناتو لم يعد يلبي احتياجاتنا الدفاعية".
وأوضح أن الحديث لم يكن حينها عن الخروج، بل طالب ديغول بتعزيز دور بلاده، وجعل الحلف فعليا "ثلاثيا" يضم الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا. كما انتقد ديغول الأمريكيين آنذاك -كما يفعل الحلفاء المعاصرون مع ترمب- لعدم إبلاغ الأعضاء الآخرين بما يكفي عن عملياتهم العسكرية الخاصة، محذرا من أن واشنطن قد تنجر لصراع يتعارض مع مصالح فرنسا.
تراكم الخلافاتومضى أوسيبوف ليقول إن الخلافات تراكمت أيضا حول الأسلحة النووية، فبينما امتلكت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا القنبلة النووية، اعتقد الأمريكيون أن فرنسا لا تحتاج لتطوير سلاحها الخاص طالما توجد قنابل أمريكية على أراضيها.
ويرى مؤرخون، وفقا للمقال، أن رفض الأمريكيين استخدام السلاح النووي لإنقاذ الجيش الفرنسي من الهزيمة في معركة "ديان بيان فو" بفيتنام عام 1954 كان نقطة تحول أدت لخسارة فرنسا للحرب الأولى هناك. وبحلول عام 1966، جادل ديغول بأن السلاح الأمريكي لم يعد يضمن حماية فرنسا من "الخطر الأحمر" لأن واشنطن لن تخاطر بتلقي ضربة نووية على أراضيها من أجل حماية أوروبا.
وتبين لاحقا أن مذكرة عام 1958 كانت مناورة، إذ اعترف ديغول بعد 5 سنوات بأنه "طلب المستحيل" ليتخذ من رفض واشنطن ذريعة للابتعاد التدريجي. وبدأ بسحب الأسطول الفرنسي في البحر المتوسط من قيادة الحلف عام 1959، ثم القوات العائدة من الجزائر عام 1962، وصولا للقطيعة النهائية عام 1966.
الخروج والعودةوبحلول مارس/آذار 1967، غادرت قوات الناتو فرنسا، وشمل ذلك رحيل 26 ألف عسكري وعائلاتهم، وإخلاء 56 قاعدة برية و17 قاعدة جوية. ورغم الاحتجاجات على خسارة الوظائف والعقود، أصر ديغول على رحيل القوات الأجنبية.
وانتقل مقر الحلف من باريس إلى بروكسل عام 1967، لكن فرنسا حافظت على روابط وثيقة وبقيت عضوا في التحالف السياسي. بل وقعت اتفاقيات عسكرية (اتفاقية أيليريه-ليمنيتزر) حافظت فعليا على دور فرنسا كمكون رئيسي لدفاع الحلفاء في أوروبا الغربية، ولكن بصيغة "شراكة" بدلا من "تبعية".
وأضاف الكاتب أن جاك شيراك أعاد فرنسا تدريجيا للجان الحلف في التسعينيات، حتى أعلن نيكولا ساركوزي عام 2009 العودة الكاملة، مع استثناء "لجنة التخطيط النووي" للحفاظ على العقيدة النووية الفرنسية المستقلة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الولایات المتحدة
إقرأ أيضاً:
طهران تؤجل الرد النهائي على مذكرة التفاهم مع واشنطن وسط توتر إقليمي متصاعد
أفادت وسائل إعلام إيرانية، الثلاثاء، أن طهران لم تقدم بعد ردها النهائي على مذكرة التفاهم المطروحة مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، مؤكدة أن النص لا يزال قيد الدراسة والمراجعة داخل العاصمة الإيرانية، في وقت تتواصل فيه الاتصالات السياسية وسط أجواء إقليمية شديدة التوتر.
ونقلت وكالة "مهر" الإيرانية عن مصدر مطلع قوله إن "التاريخ الأمريكي في عدم الالتزام بتعهداته يدفع إيران إلى التعامل بحذر شديد مع المذكرة المطروحة"، مشيراً إلى أن طهران تستند إلى تجارب سابقة وتسعى للحصول على ضمانات تنفيذية ملموسة قبل المضي في أي اتفاق محتمل.
وفي السياق ذاته، ذكرت وكالتا "فارس" و"تسنيم" شبه الرسميتين أن تبادل الرسائل بين إيران والولايات المتحدة بشأن التوصل إلى مذكرة تفاهم لوقف الحرب قد توقف خلال الأيام الماضية، وذلك في ظل تصاعد التوترات الميدانية في لبنان وتهديدات إسرائيل بتوسيع عملياتها العسكرية هناك.
وبحسب وكالة "فارس"، فقد تضمنت آخر رسالة إيرانية إلى واشنطن "موقفاً واضحاً بشأن لبنان"، دون الكشف عن تفاصيل إضافية، فيما تؤكد طهران أن ملف القتال في لبنان مرتبط بالمفاوضات الأوسع مع الولايات المتحدة، في حين تعتبره واشنطن وتل أبيب ملفاً منفصلاً عن مسار الحرب والمحادثات النووية.
ونقل مسؤول إقليمي مشارك في جهود الوساطة أن إيران لم تُجرِ أي اتصالات مع الوسطاء الثلاثاء، بعد تشدد موقفها بضرورة التوصل إلى وقف إطلاق نار في لبنان كشرط لاستمرار المفاوضات.
في المقابل، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أمام مشرعين أمريكيين إن إيران وافقت على مناقشة ملفات تتعلق ببرنامجها النووي كانت ترفض سابقاً بحثها، مؤكداً أن ذلك لا يعني بالضرورة الوصول إلى اتفاق نهائي.
وأضاف روبيو أن أي تخفيف للعقوبات المفروضة على طهران لن يكون مقابل إعادة فتح مضيق هرمز فقط، بل سيرتبط بشروط تتعلق مباشرة بالبرنامج النووي الإيراني، وذلك وفق ما نقلته وسائل إعلام أمريكية بينها "رويترز".
وفي تطور داخلي لافت، أشار روبيو أيضاً إلى أن المرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي على قيد الحياة، وأنه بات يشارك بشكل متزايد في عملية صنع القرار داخل الدولة، رغم استمرار صدور المواقف الرسمية عبر قنوات غير مباشرة ومكتوبة، وفق تعبيره أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي.
وتزامنت هذه التطورات مع تصريحات للعميد محمد جعفر أسدي، معاون قائد مقر "خاتم الأنبياء"، الذي قال إن الولايات المتحدة تسعى إلى "استسلام كامل" من جانب إيران، مؤكداً أن طهران لن تقبل بذلك.
وأضاف أسدي، وفق ما نقل التلفزيون الإيراني الرسمي: "دون استسلام لا مفر من الحرب، لكن الحرب لن تخيفنا"، في إشارة تعكس استمرار التصعيد في الخطاب السياسي والعسكري بين الجانبين