أبوظبي أم الضالع.. ماذايحمل صراع الروايات حول مكان عيدروس الزبيدي؟
تاريخ النشر: 26th, January 2026 GMT
معلومات غير مؤكدة تحدثت خلال الأيام الماضية عن محاولات تواصل بين أطراف غير يمنية وعيدروس الزبيدي لبحث ترتيبات محتملة لن أذكرها لكونها غير مؤكدة حتى الآن.
سألت مسؤولين مقربين من دائرة القرار لكنهم نفوا بشدة صحة هذه المعلومات، واعتبروا أن ذلك أمر غير وارد في الوقت الراهن، وقد يكون ذلك تسريب كجزء من إدارة الأزمة.
تزامن ذلك مع تطور ميداني لافت، تمثّل في تحليق جوي مكثف فوق محافظة الضالع منذ إعلان التحالف هروب عيدروس الزبيدي فجر الثامن من يناير2025، في مشهد جاء مترافقًا مع حالة الغموض السياسي والأمني التي أعقبت اختفاءه وتضارب الروايات حول مكان وجوده.
هذا التحليق، الذي لم تصدر بشأنه توضيحات، فتح باب الحديث عن ارتباطه بوجود عيدروس أو قادة يتبعونه في الضالع .
قضية اختفاء عيدروس الزبيدي لا يمكن فصلها عن مرحلة إعادة تشكيل المشهد اليمني والإقليمي، خصوصًا في جنوب اليمن، ولا عن التوتر المتصاعد بين الرياض وأبوظبي.
تضارب الروايات هنا يعكس صراع سرديات ونفوذ أكثر مما يعكس نقصًا في المعلومات.
بيان التحالف الذي تحدث عن هروب الزبيدي ومسار خروجه التفصيلي لم يكن مجرد توضيح أمني، بل رسالة سياسية مباشرة، حمّلت الإمارات مسؤولية التحرك مستخدمة تفاصيل تقنية لتثبيت رواية اتهامية أمام الرأي العام، وإعادة تعريف موقعه السياسي خارج معادلة الشراكة السابقة.
في المقابل، أسهمت تغطية الإعلام الدولي في تثبيت إطار أوسع للأزمة، باعتبارها خلافًا داخل التحالف أكثر من كونها حادثة فردية، وهو ما يؤكد أن الزبيدي بات عنوانًا لصراع قضايا تتجاوز حدود اليمن .
أماردود المجلس الانتقالي الجنوبي، ولا سيما تصريحات هاني بن بريك، فقدركزت على نفي مفهوم “الهروب”، والتأكيد على أن الغياب قرار سياسي محسوب، وقدتكون محاولة لشراء الوقت، ومنع تثبيت رواية واحدة بوصفها حقيقة نهائية.
وهنا يبرز سؤال جوهري:
ما الذي يمنع، من فتح مسار تفاوضي مع أبوظبي لتسليم عيدروس الزبيدي، خاصة وأن النائب العام اليمني لم يصدر لائحة اتهام رسمية بحقه، ولم تُعمِّم وزارة الداخلية اسمه، رغم توجيه تهمة الخيانة العظمى له؟
وهي إجراءات كانت – في سوابق مماثلة – لا تستغرق سوى ساعات، بدءًا من فصله من مجلس القيادة وصولًا إلى الملاحقة القانونية.
وقد رجح مسؤول مطّلع إن هذا التأخير قد لا يكون إجرائيًا أو فنيًا، بل سياسيًا بامتياز، مرجحًا أن الإمارات قد تكون جزءًا من مسار الاتهام في حال فُتح الملف قضائيًا، وهو ما يفسّر – بحسب المصدر – حالة التريث وتجميد الخطوات القانونية حتى الآن.
هذا التريث يعزز فرضية أن ملف عيدروس لا يزال قيد الطبخ السياسي، وأن قرار الحسم لم يُتخذ بعد، بانتظار تفاهمات أوسع لم يُكشف عنها.
في المقابل، فإن الحديث عن وجود عيدروس الزبيدي في الضالع أو(بين شعبه )كما تقول روايات أنصاره يفتح باب الاحتمالات:
• الاحتمال الأول: أن يكون ذلك تمويهًا إعلاميًا يهدف إلى نفي وجوده في أبوظبي وتقويض رواية التحالف.
• الاحتمال الثاني: أن يكون قد أُعيد فعلًا إلى الضالع، أو أن ترتيبات جارية لإعادته ضمن مسار تفاوضي، لا كعودة سياسية مستقرة.
أما التحليق الجوي فوق الضالع، فيبقى جزءًا من رسائل المرحلة، سواء بوصفه إجراءً ردعيًا، أو غطاءً أمنيًا لتحركات غير معلنة .
المصدر
المصدر: الموقع بوست
كلمات دلالية: عيدروس الزبيدي المجلس الانتقالي الإمارات السعودية اليمن عیدروس الزبیدی
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.