في إطار فعاليات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، استضافت القاعة الرئيسية ببلازا «1»، ضمن محور «شخصية المعرض: نجيب محفوظ»، ندوة فكرية بعنوان «حوارات نجيب محفوظ.. قراءة في الوعي الجمالي والفكري».

شارك في الندوة كل من الكاتب محمد سلماوي، والكاتب محمد الشاذلي، والروائي يوسف القعيد، وضيف المحور المترجم البولندي جورج يعقوب، وأدارها الكاتب الصحفي علاء عبد الهادي.

علاء عبد الهادي: الحوارات مفتاح أساسي لفهم نجيب محفوظ

استهل الكاتب الصحفي علاء عبد الهادي الندوة بالتأكيد على أن معرض القاهرة الدولي للكتاب يُعد أعرق المعارض العربية، مشيرًا إلى أن اختيار نجيب محفوظ شخصيةً ثقافية للمعرض يعكس مكانته الاستثنائية في الثقافة العربية والعالمية.

وأوضح أن أعمال محفوظ تُرجمت إلى لغات عدة، غير أن الحاجة لا تزال قائمة إلى مزيد من الدراسات النقدية، خصوصًا تلك المعنية بحواراته الصحفية، معتبرًا إياها أحد المفاتيح الجوهرية لفهم شخصيته الإبداعية والفكرية، لا سيما أنه لم يكتب سيرته الذاتية.

وأشار عبد الهادي إلى أن الندوة تهدف إلى تسليط الضوء على الكتب التي تناولت حياة نجيب محفوظ من خلال حواراته مع الصحفيين والمثقفين، بوصفها مصدرًا أساسيًا للتعرف على آرائه الإنسانية والفكرية.

كما قدّم نبذة عن المشاركين، مشيدًا بعلاقة يوسف القعيد الوثيقة بمحفوظ، وبالمكانة الأدبية لمحمد سلماوي وحصوله على جائزة النيل، مؤكدًا أن من أبرز محطات مسيرته اختيار محفوظ له لإلقاء كلمته أثناء تسلّم جائزة نوبل. وتناول كذلك تجربة ضيف المحور، المترجم البولندي جورج يعقوب، الذي نقل إلى البولندية عددًا من أبرز أعمال محفوظ، من بينها «الحرافيش» و«الكرنك» و«ميرامار».

يوسف القعيد: نجيب محفوظ مؤسس الرواية العربية الحديثة

من جانبه، قال الروائي يوسف القعيد إن معرفته الأولى بنجيب محفوظ بدأت عقب صدور روايته الأولى «الحداد»، حين بادر بالاتصال به وطلب لقاءه، وهو ما رحّب به محفوظ، ليلتقيا في مقهى ريش.

وأضاف أن محفوظ قدّم له رأيه النقدي في الرواية بوضوح وصراحة، مشيرًا إلى أن هذا النقد، رغم قسوته في البداية، أدرك قيمته الحقيقية لاحقًا.

وأكد القعيد أن نجيب محفوظ هو مؤسس الرواية العربية الحديثة وصاحب مشروع روائي متكامل، مشددًا على إنسانيته وودّه وتعاطفه مع الآخرين، وقدرته الفريدة على الإصغاء باهتمام.

وأشار إلى أن محفوظ لم تتغير عاداته بعد حصوله على جائزة نوبل أو حتى بعد محاولة اغتياله، وظل حريصًا على لقاء أصدقائه في مقهى الفيشاوي، ويتعامل مع حارسه الشخصي كصديق، كما أوضح أنه كان بسيط الطلبات، لا يسعى إلى مظاهر خاصة، ومتحدثًا عن كتابه الذي يوثق حواراته معه، مؤكدًا حرص محفوظ على احترام وقت الآخرين وتأجيل الحوار إلى ما بعد انتهاء جلسات أصدقائه.

وأضاف أن بساطة محفوظ الإنسانية كانت تثير الدهشة إزاء عمق إبداعه، فضلًا عن كونه قارئًا نهمًا ومتابعًا دقيقًا للحركة الثقافية.

محمد سلماوي: الحوارات تمثل السيرة غير المكتوبة

بدوره، أكد الكاتب محمد سلماوي أنه كان شاهدًا على منجز نجيب محفوظ، مشيرًا إلى صدور كتابه «حوارات مع نجيب محفوظ»، وإلى اختيار محفوظ له لإلقاء كلمته أثناء تسلّم جائزة نوبل، رغم الجدل الذي أُثير حول هذا القرار، إلا أن محفوظ أصر عليه.

وأوضح سلماوي أن هذه الندوة تختلف عن غيرها، إذ تتناول محفوظ من خلال حواراته التي تمثل المصدر الأهم لفهم آرائه، نظرًا لعزوفه عن الحديث المباشر عن نفسه واعتماده على الأدب وسيلةً أساسية للتعبير.

وأضاف أن محفوظ اختاره لإجراء حوار أسبوعي يُنشر في جريدة «الأهرام» بعد محاولة اغتياله، خاصة عقب إصابة يده اليمنى، بدافع شعوره بالمسؤولية الأخلاقية والمهنية تجاه الجريدة.

وأشار إلى حرص محفوظ على أن يكون محاوره مختلفًا معه فكريًا، حتى لا يتحول الحوار إلى مجرد توافق، بل يظل مساحةً للنقاش الحقيقي. وتحدث عن كتبه الثلاثة في الحوارات مع محفوظ، موضحًا أن الأول صدر بطلب من ناشر فرنسي بعنوان «وطني مصر»، والثاني «نجيب محفوظ في سيدي جابر»، بينما جمع في الثالث حواراته وفهرسها موضوعيًا، معتبرًا إياها سيرة ذاتية غير مباشرة زاخرة بالمواقف والرؤى.

محمد الشاذلي: قريب من الجميع رغم الهيبة

من جانبه، أوضح الكاتب محمد الشاذلي أن علاقته بنجيب محفوظ بدأت حين كان صحفيًا تحت التمرين، ورافق الوفد المصري في مناسبة تسلّم جائزة نوبل، وأشار إلى أنه نشر كتاب «أيام مع نجيب محفوظ» في ثلاثين حلقة بجريدة «الأهرام»، ثم أضاف إليه لاحقًا عددًا من الحوارات.

وأكد الشاذلي أن محفوظ كانت له علاقة ثرية بالسينما، نظرًا لانتشارها الواسع، مشيرًا إلى الدور المهم الذي لعبته جريدة «الأهرام» في مسيرته. وأضاف أنه، رغم الهيبة الكبيرة التي تمتع بها محفوظ، كان قريبًا من الجميع ولم يرفض يومًا الحديث مع أحد.

وتطرق إلى رؤية محفوظ لمفهوم «الحظ»، مؤكدًا أن ما حققه لم يكن وليد الحظ بقدر ما كان نتاج اجتهاد ومثابرة، ناقلًا عنه قوله: «نلت من الذنب أكثر مما نلت من السلام»، كما أشار إلى رضاه وتسامحه في سنواته الأخيرة، وابتعاده عن النزعة المادية، وتقبله لأجور محدودة خلال عمله ككاتب سيناريو.

جورج يعقوب: الترجمة حوار بين الثقافات

وفي مداخلته، قال المترجم البولندي جورج يعقوب إن تجربة نجيب محفوظ مع اللغة البولندية كانت تجربة خاصة، مشيرًا إلى دور الباحثة البولندية أجنيشكا بيوتروفسكا، التي أعدّت رسالة أكاديمية عنه قبل حصوله على جائزة نوبل.

وأضاف أن الغرب كان يعتقد بصعوبة ترجمة اللغة العربية، غير أن أعمال محفوظ أثبتت عكس ذلك، وأوضح أن محفوظ يُعد من أكثر الأدباء العرب ترجمةً إلى البولندية، معربًا عن أمله في استكمال ترجمة أعماله كاملة، ومؤكدًا أن القارئ البولندي استقبلها بترحاب واسع.

وأشار يعقوب إلى التحديات التي تواجه المترجم، مؤكدًا أن الترجمة ليست نقلًا حرفيًا، بل حوار ثقافي يسعى إلى إيصال المعنى العميق لا الاكتفاء بالشكل الظاهري، ولفت إلى أن من عبقرية نجيب محفوظ استخدامه لتعابير دقيقة وعميقة قد لا ينتبه إليها المترجم من الوهلة الأولى، ما يجعل ترجمته تحديًا إبداعيًا متواصلًا.

اقرأ أيضاًندوة بمعرض الكتاب تناقش «الإرهاب الفكري وتأثيره على الهوية والأمن المجتمعي»

«ثورة التعليم بالذكاء الاصطناعي» في ندوة بمعرض الكتاب: رؤية مستقبلية لإعادة بناء منظومة التعليم

يترأسهم رئيس جامعة المنيا.. وفد طلابي يزور معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: معرض القاهرة الدولي للكتاب جائزة نوبل حوارات نجيب محفوظ یوسف القعید محمد سلماوی الکاتب محمد نجیب محفوظ عبد الهادی جائزة نوبل مشیر ا إلى مؤکد ا أن وأضاف أن أن محفوظ محفوظ م إلى أن

إقرأ أيضاً:

بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

بنك الذهب أم بنك الحرب؟

 قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

عمر سيد أحمد

مقدمة

تداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.

هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.

أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي

1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني

المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.

القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.

2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر

البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.

هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.

بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.

3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين

المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.

4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل

السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.

في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.

5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة

حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:

من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.

هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.

ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًا

أي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.

الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.

ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعية

المقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.

1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني

لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:

إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.

أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.

2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي

يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.

3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة

الجهة الدور الضمانة
مجلس إدارة مستقل إدارة العمليات اليومية تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر
البرلمان (لجنة مالية دائمة) رقابة تشريعية ومساءلة سنوية جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة
ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد تدقيق مالي وتقني تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا
هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة)
ممثلو المعدنين وحكومات الولايات مقاعد تصويتية في الشركات الولائية حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية

نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.

4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان

لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:

تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.

5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية

تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًا

قد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.

الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.

خاتمة

مشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.

هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.

* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل

Email:[email protected]

يوليو 2026

الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح

مقالات مشابهة

  • ندوة تناقش دور “السردية الثقافية الرسمية” في ترسيخ الهوية الوطنية
  • “كاكست” تستضيف الحائز على جائزة نوبل عمر ياغي
  • صالون الثقافة الجماهيرية بطوخ يستعرض دور القوة الناعمة في تعزيز الوعي
  • عماد الساعي : مصر أكثر دولة إفريقية حصلت على جائزة نوبل
  • تطوير النظام الإحصائي في الإمارات.. كيف تعزز البيانات الجديدة دقة قراءة الاقتصاد؟
  • هيئة الكتاب تصدر ديوان “مدن الجراح” للشاعر أحمد عباد
  • وسيط المملكة: الاقتصاد والمالية يتصدران التسويات وضعف تجاوب الإدارة أبرز الإكراهات (فيديو)
  • بين الهوية وصناعة الوجدان.. هكذا استخدمت ثورة يوليو الكتاب والمكتبات العامة كدروع لحماية عقل الإنسان المصري
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • من بورسعيد إلى أسيوط .. الثقافة تحتفي بالوطن وتصنع الوعي في المحافظات