ما يجري في جنوب اليمن أصبح واقعًا مكشوفًا لمشروع احتلال متكامل، يتقدم بثبات تحت غطاء ما يسمى الشرعية ، وأدوات من المرتزقة في الجنوب فقدت بوصلتها الوطنية وارتهنت بالكامل لإرادة المحتل السعودي،  الجنوب اليوم ليس ساحة فوضى، بل ساحة مُدارة بدقة، تُعاد صياغتها سياسيًا وأمنيًا بما يخدم مشروع الهيمنة السعودية، الهادف إلى تفكيك اليمن، ومصادرة قراره، والسيطرة على جغرافيته وثرواته وموقعه الاستراتيجي، الذي بدأ تحت شعارإعادة الشرعية، حيث دخلت السعودية عدوانها على اليمن، لكن سنوات العدوان كشفت أن هذا الشعار لم يكن سوى قناع مرحلي، أُسقط تدريجيًا مع تقدم مخطط التفتيت، حتى تحولت تلك “الشرعية المزعومة ” نفسها إلى مجرد أداة طيّعة، تُستخدم متى شاءت غرفة الوصاية، وتُهمَّش متى انتهت صلاحيتها.

يمانيون / أعده للنشر / طارق الحمامي

 

من العدوان إلى الوصاية

منذ اللحظات الأولى للعدوان ، كان الجنوب يُدار خارج معادلة استعادة الشرعية المزعومة،  قواعد عسكرية، تواجد استخباري، سيطرة على المنافذ، إشراف مباشر على القرارين الأمني والعسكري، وخلق قوى محلية تدين بالولاء للخارج لا للوطن. لم يكن ذلك نتاج فشل أو ارتباك، بل تنفيذًا واعيًا لمخطط احتلال ناعم، لا يحتاج إلى إعلان رسمي، لأن الوقائع على الأرض تقوم مقام الإعلان، حين تُنزَع السيادة، ويُصادَر القرار، وتُدار الثروات بعيدًا عن الإرادة الوطنية، فإن الحديث عن دعم أو تحالف يسقط تلقائيًا، ونكون أمام احتلال مكتمل الأركان، مهما اختلفت التسميات.

 

المرتزقة .. من واجهة “شرعية” إلى وظيفة قذرة

الأخطر من الوجود السعودي نفسه، هو الدور الذي لعبته الأدوات المحلية التي ارتدت عباءة “الشرعية”، هذه القوى لم تكتفِ بالصمت أمام انتهاك السيادة، بل تحولت إلى شريك مباشر في تنفيذ المشروع، تبرير تواجد المحتل، وشرعنة القواعد، وإشعال الصراعات البينية، وضرب أي توجه وطني مستقل، وهنا تتجلى الحقيقة الفاضحة، من ادّعوا الدفاع عن اليمن، انتهوا إلى محاربة اليمن من الداخل، وتحولوا من ممثلين لشرعية مزعومة إلى سماسرة تفتيت، يؤدون أدوارهم مقابل البقاء والتمويل والحماية.

 

 الواقع بشهد .. حين تتحول المؤتمرات إلى أدوات تفتيت تُدار من الرياض

لم يعد مشروع التفكيك بحاجة إلى استنتاجات نظرية، فقد خرج إلى العلن عبر وقائع سياسية مدروسة، تكشف بوضوح أن ما يجري في الجنوب ليس حراكًا مستقلًا، بل عملية مُدارة من العاصمة السعودية الرياض، وبإرادة مباشرة، ما سُمّي بـ“مؤتمر الجنوب” لم يكن تعبيرًا بريئًا عن رأي، بل منصة لتكريس خطاب التقسيم، تُوّج برفع نشيد الانفصال في مشهد لم يكن ليحدث لولا الغطاء والرعاية، فكيف يُسمح بإعلان الانفصال بينما تُقمع أي أصوات وطنية رافضة للوصاية؟ الإجابة واضحة وهي لأن هذا المشهد يخدم المرحلة التالية من المخطط، ثم جاءت الحلقة الأخطر في مؤتمر حضرموت، الذي مثّل قفزة نوعية في مسار التفتيت،  مؤتمر لم يُحضَّر له من حضرموت، ولم ينبثق من إرادة أبنائها، بل صيغت أجندته في الرياض، وخرجت مخرجاته لتحريك ملف فصل حضرموت، ليس فقط عن اليمن، بل حتى عن الجنوب نفسه، هنا تتضح الصورة بلا لبس ، أن المطلوب ليس كيانًا جنوبيًا، بل تفكيك التفكيك، وتحويل الجنوب إلى جزر سياسية متناحرة، تُدار كل منها على حدة، وتُستنزف ثرواتها بعيدًا عن أي إطار وطني جامع، هذه المؤتمرات لن تنتج سيادة ولا قرارًا مستقلًا، بل ستعمق الانقسام، وترسخ الارتهان، وتعيد إنتاج الفوضى تحت عناوين “الخصوصية” و“التمثيل المحلي”،  وهي شواهد حيّة على ما حذّر منه السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، يحفظه الله ، حين أكد أن العدو يعمل على تفكيك اليمن من أطرافه، والسيطرة على مناطقه الاستراتيجية، وفي مقدمتها المناطق المطلة على بحر العرب، الغنية بالثروة والحساسة بالموقع.

 

الجنوب .. الجائزة التي لا يريدون لليمن أن يحتفظ بها

الاستهداف السعودي للجنوب ليس عبثيًا، هذه الجغرافيا تمثل عمق اليمن الاستراتيجي، ومفتاحه البحري، ومخزونه النفطي، لذلك كان لا بد، من منظور المشروع الاستعماري، من فصل الجنوب عن محيطه الوطني، وإبقائه في حالة هشاشة دائمة، عاجزًا عن إنتاج قرار سيادي، وهنا تتقاطع الوقائع الميدانية مع تحذيرات السيد القائد حفظه الله، الذي شدد على أن العدو لا يريد يمنًا قويًا ولا موحدًا، بل أرضًا مجزأة، وثروة منهوبة، وقرارًا مرتهنًا.

 

تفخيخ الجنوب بالفوضى والتطرف

في قلب هذا المشهد، لعبت مليشيا حزب الإصلاح دورًا تخريبيًا خطيرًا، تعاملت فيه مع الجنوب كساحة نفوذ لا كوطن،  ساهمت في ضرب الاستقرار، وإدارة الفوضى، وتحويل بعض المناطق إلى بيئات رخوة للتطرف، بما يخدم متطلبات المرحلة، وانتاج جنوب مضطرب، ممزق، سهل السيطرة، بهذا الدور، لم يكن الإصلاح نقيضًا للمشروع السعودي، بل أداة وظيفية ضمنه، تتكفل بالتفجير من الداخل، بينما تُدار النتائج من الخارج.

 

 الحقيقة التي لا يريدون الاعتراف بها

ما يجري في جنوب اليمن مشروع  مخطط له ، واحتلالاً مقنّعًا تُنفّذه أدوات محلية ،  وما حذّر منه السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي لم يكن خطابًا تعبويًا وحسب، بل قراءة مبكرة لمسار استعمار جديد، يتخفى خلف شعارات الشرعية والدعم، اليوم، الجنوب أمام لحظة وعي فاصلة، إما إدراك الحقيقة والاصطفاف مع الوطن، أو الاستمرار كأرض مستباحة تُدار من الرياض،  والتاريخ لا يرحم من فرّط، ولا يغفر لمن باع الأرض والقرار.

المصدر

المصدر: يمانيون

إقرأ أيضاً:

برلماني: حملات التشكيك في قيم الانتماء والتضحية جزء من حروب نفسية تستهدف تفكيك الوعي الوطني وإضعاف الدول

أكد المهندس حازم الجندي، عضو مجلس الشيوخ، أن الدول  في العصر الحديث باتت تواجه أنماطًا جديدة من الحروب لا تعتمد فقط على القوة العسكرية أو الضغوط الاقتصادية، وإنما تستهدف بالأساس وعي الشعوب وقيمها الوطنية وقدرتها على التماسك في مواجهة التحديات، محذرًا من خطورة بعض الحملات التي تسعى إلى نشر أفكار سلبية بين الشباب والتشكيك في مفاهيم الانتماء والمسؤولية الوطنية.

الحروب النفسية ضد الأجيال الجديدة

وقال «الجندي» في بيان له ، إن هناك محاولات متزايدة لبث رسائل تستهدف إضعاف الروح الوطنية لدى الأجيال الجديدة، عبر الترويج لأفكار تقوم على تعارض المصالح الفردية مع المصلحة العامة، وتصوير الواجبات الوطنية باعتبارها عبئًا لا مبرر له، مؤكدًا أن مثل هذه الرسائل تمثل أحد أشكال الحروب النفسية التي تعتمد على التأثير في العقول وتفكيك الثقة بين المواطن ودولته.

وأوضح عضو مجلس الشيوخ أن أخطر ما في هذه الحملات أنها لا تأتي دائمًا بصورة مباشرة أو صريحة، بل تتسلل عبر محتوى إعلامي أو منشورات متداولة على منصات التواصل الاجتماعي، يتم من خلالها تكرار رسائل تشجع على اللامبالاة وتغليب المصالح الشخصية الضيقة على حساب المسؤولية المجتمعية والوطنية، بما يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف التماسك الداخلي للدول واستنزاف قدرتها على مواجهة التحديات المختلفة.

وأشار النائب إلى أن الحفاظ على قوة الدول لا يرتبط فقط بما تمتلكه من إمكانات عسكرية أو اقتصادية، وإنما يعتمد أيضًا على قوة الوعي العام ومدى إدراك المواطنين لطبيعة التحديات التي تواجه أوطانهم، لافتًا إلى أن الحروب الحديثة أصبحت تستهدف العقول قبل الحدود، وتسعى إلى خلق حالة من الإحباط وفقدان الثقة والانفصال بين المواطن ومؤسسات دولته.

تعزيز الوعي الوطني لدى الشباب

وشدد «الجندي» على أهمية تعزيز الوعي الوطني لدى الشباب، وتكثيف جهود المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية في كشف أساليب التضليل والحروب النفسية، وتحصين الأجيال الجديدة ضد محاولات التلاعب بالأفكار وتزييف الحقائق، مؤكدًا أن الوعي يمثل خط الدفاع الأول عن استقرار الدول وأمنها القومي.

صناعة النواب تناقش ملف المنشآت غير المرخصة "مصانع بير السلم"نائب: العلمين الجديدة نموذج عالمي للمدن الذكية ومقصد جاذب للاستثمارات

وأضاف أن بناء الأوطان وحمايتها مسؤولية مشتركة تتطلب توازنًا بين الحقوق والواجبات، وأن مواجهة التحديات الراهنة تستلزم تعزيز قيم الانتماء والعمل والإنتاج والمشاركة الإيجابية، مشددًا على أن الشعوب الواعية والقادرة على التمييز بين النقد البناء ومحاولات الهدم المنظم هي الأكثر قدرة على حماية دولها والحفاظ على استقرارها ومستقبلها.

وشدد النائب حازم الجندي  على أن معركة الوعي أصبحت من أهم معارك العصر، وأن نجاح أي دولة في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية يرتبط بقدرتها على ترسيخ الثقة الوطنية وتعزيز تماسك جبهتها الداخلية، داعيًا الشباب إلى تحري الدقة فيما يتلقونه من معلومات وأفكار، وعدم الانسياق وراء الخطابات التي تستهدف بث اليأس أو التشكيك في قيمة الانتماء والالتزام الوطني.

طباعة شارك البرلمان الشيوخ النواب نواب مجلس الشيوخ

مقالات مشابهة

  • الأنبا اسطفانوس: الهجرة غير الشرعية وباء يهدد الشباب
  • هيئة البث الإسرائيلية: الولايات المتحدة تعتزم تدريب الجيش اللبناني حتى يتمكن من تفكيك سلاح حزب الله
  • اليمن يدين الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان ويدعو لتحرك دولي لوقفها
  • قوات الدفاع الشعبي والعسكري تنفذ عددا من الأنشطة والفعاليات خلال الفترة الماضية
  • “مديرية أمن أجدابيا” تعلن إطلاق حملة أمنية شاملة لمكافحة الهجرة غير الشرعية
  • السعودية وعُمان.. النموذج الخليجي المتقدم
  • جامعة الدول العربية تحذر من فرض واقع جديد في القدس
  • برلماني: حملات التشكيك في قيم الانتماء والتضحية جزء من حروب نفسية تستهدف تفكيك الوعي الوطني وإضعاف الدول
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • القصة الكاملة لسبب تأجيل سفر منتخب جنوب أفريقيا لخوض مباريات كأس العالم