الخيمياء الكمية.. عندما ارتدت المادة قبعة مكسيكية لأول مرة
تاريخ النشر: 27th, January 2026 GMT
قبل الكيمياء الحديثة التي نعرفها الآن، كانت هناك ممارسات في العصور الوسطى وفي الحضارات القديمة مثل مصر والصين، تهدف إلى تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب، وابتكار إكسير الحياة، ولتحقيق ذلك، تم المزج بين تجارب كيميائية بدائية ورؤى فلسفية وروحانية، ولم تكن علما دقيقا، وأطلق على هذه الممارسات اسم "الخيمياء".
ورغم ارتباط هذا الاسم ببدايات علم الكيمياء القديمة، إلا أنه ظل رمزا لأي محاولات تسعى لتحقيق ما يشبه السحر، وهو تحويل شيء إلى شيء آخر بدون إدخال خامات جديدة، لذلك استخدم علماء فيزياء الكم تعبيرا مجازيا وهو "الخيمياء الكمية"، لوصف محاولات إحداث تغيير في خصائص المواد بشكل دقيق باستخدام مبادئ ميكانيكا الكم.
وخلال دراسة جديدة نشرتها دورية "نيتشر فيزيكس"، أعلن الباحثون من معهد أوكيناوا للعلوم والتكنولوجيا باليابان، عن نجاحهم في تحقيق هذا الحلم لأول مرة، حيث تمكنوا من تحويل مادة شبه موصلة إلى مادة خارقة التوصيل، وكان الشاهد على هذا النجاح هو أن مستويات طاقة الإلكترونات داخل المادة الجديدة شكلت بصمة طيفية تأخذ شكل "القبعة المكسيكية"، في إشارة إلى أن المادة أعيد هندستها كميا، فتغير سلوك إلكتروناتها مؤقتا إلى حالة جديدة وغير مألوفة.
ولجأت المحاولات السابقة لتحقيق هذا الحلم إلى ما يعرف بـ "فلوكيت إينجينيرينغ"، وهي طريقة تحاول إعادة ترتيب سلوك الإلكترونات داخل المادة عن طريق تحفيزها دوريا بمحفز متكرر مثل "الضوء النبضي"، دون تغيير تركيب المادة نفسها.
لكن معظم التجارب التي استخدمت الضوء واجهت مشاكل كبيرة، أبرزها أن الضوء يتفاعل بضعف مع المادة، لذا تحتاج إلى شدة عالية جدا لتحقيق النتائج، وإذا فعلنا ذلك، فإن الطاقة العالية يمكن أن تدمر المادة قبل أن نحقق التأثير المطلوب، وإذا تغلبنا على هذه التحديات تكون النتائج مؤقتة جدا وتختفي بمجرد إزالة الضوء.
ماذا فعل الباحثون؟
وبدلا من استخدام الضوء، لجأ العلماء إلى استخدام "الإكسيتونات" (Excitons) كمحرك دوري لإحداث تأثيرات "فلوكيت" في المواد شبه الموصلة، فبدلا من أن يكون الضوء هو الذي "يهز" الإلكترونات، أصبحت "الإكسيتونات" نفسها تقوم بهذا الدور.
و"الإكسيتونات" جزيئات افتراضية تتكون عند إثارة الإلكترونات في شبه الموصلات، فعندما ينتقل الإلكترون إلى مستوى طاقة أعلى، يترك فراغا موجب الشحنة يسمى "فجوة"، والإلكترون والفجوة معا يشكلان "الإكسيتونات"، التي تتصرف كجسيم واحد له طاقة دورية خاصة به.
والميزة أن "الإكسيتونات" تتفاعل بشكل أقوى بكثير مع المادة مقارنة بالضوء، فلا تحتاج طاقة عالية لإحداث تأثيرات "فلوكيت"، ويمكن التحكم فيها أكثر، ما يجعل التجربة أكثر كفاءة وأقل تدميرا للمادة.
ويشرح الباحثون في دراستهم، كيف غيرت "الإكسيتونات" خصائص المواد شبه الموصلة، وكيف تأكدوا من حدوث ذلك، فالإلكترونات في المواد شبه الموصلة تكون لديها مستويات طاقة محددة تسمى "نطاقات الطاقة"، وهي مجالات طاقة مسموح للإلكترونات أن توجد وتتحرك داخلها في المادة.
وعند إدخال تأثير "فلوكيت" باستخدام "الإكسيتونات" تتغير هذه النطاقات مؤقتا، فتظهر "أشرطة طيفية جديدة"، وهذه التغييرات يمكن أن تحول المادة من موصل عادي إلى مادة خارقة التوصيل أو ذات خصائص كمية غريبة، والشكل المعروف لهذه الظاهرة يشبه "قبعة مكسيكية"، والتي يمكن تعريفها بأنها "شكل مميز يتخذه نطاق طاقة الإلكترونات عند نجاح هندسة فلوكيت، حيث تنخفض الطاقة في مركز النطاق وترتفع حوله، في دلالة مباشرة على إعادة تشكيل البنية الإلكترونية للمادة وظهور خصائص كمية جديدة".
فوائد بالجملةوبهذه النتيجة، أثبت الباحثون أنه بالإمكان تحقيق تأثير "فلوكيت" بشكل أسرع وأقوى باستخدام "الإكسيتونات"، مقارنة بالضوء، وهو ما يمكن أن يشكل أساسا لإنشاء مواد كمية جديدة حسب الطلب.
كما يفتح هذا العمل المجال لاحقا لاستخدام أنواع أخرى من الجسيمات، مثل الاهتزازات الذرية (الفونونات) أو موجات الإلكترونات الجماعية (البلازمونات)، لتحقيق نفس التأثير الكمي على المادة بطرق متنوعة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
الصين تسعى للتحول إلى "قوة طاقة عالمية" عبر الابتكار الأخضر وأمن الإمدادات
أفادت وكالة أنباء "شينخوا" الصينية، بأن الصين نجحت في تحقيق استقرار أسواق الطاقة المحلية وحماية صناعاتها التكنولوجية الناشئة، من خلال صياغة مسار متميز للتحول نحو الطاقة الخضراء وسط تصاعد النزاعات الجيوسياسية والتقلبات الحادة في الأسواق العالمية، مشيرة إلى أن ملامح الخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026-2030) تقترح لأول مرة بناء الصين كـ"قوة طاقة عالمية".
وبحسب وكالة شينخوا، فإن نظام الطاقة في البلاد صمد أمام الضغوط الخارجية خلال الأشهر الأخيرة، مع الحفاظ على استقرار السوق والأسعار ومستويات عالية من الاكتفاء الذاتي، حيث تجاوز إجمالي إنتاج الطاقة خلال فترة الخطة الخمسية الرابعة عشرة (2021-2025) ما يعادل 5 مليارات طن من الفحم القياسي، وهو ما يمثل خمس الإجمالي العالمي، مع الحفاظ على نسبة اكتفاء ذاتي تتجاوز 80%.
تقرير: حرب إيران تهدد ذروة الموسم السياحي في آسياhttps://t.co/mbwMclFAup pic.twitter.com/UMSYnGJ1q5
— 24.ae (@20fourMedia) May 31, 2026 مرونة الطاقة والاعتماد على الذاتذكرت "شينخوا" أن الصين نفذت استراتيجية متوسطة وطويلة الأجل للحفاظ على إنتاج سنوي من النفط الخام يبلغ حوالي 200 مليون طن، مع نمو مطرد في إنتاج الغاز الطبيعي.
وتوضح الوكالة أن شبكة أنابيب النفط والغاز تمتد الآن لأكثر من 200 ألف كيلومتر، بينما تتجاوز قدرة استقبال الغاز الطبيعي المسال 120 مليون طن سنوياً، بالإضافة إلى بناء نظام استيراد متنوع يشمل التجارة مع ما يقرب من 50 دولة.
ووفقاً لبيانات الإدارة الوطنية للطاقة التي نقلتها شينخوا، ارتفع إنتاج النفط الخام والغاز الطبيعي الصناعي في الربع الأول بنسبة 1.3% و3% على التوالي، بينما زادت واردات النفط الخام بنسبة 8.9%، مما يعزز قدرة البلاد على تلبية الطلب الأساسي وبناء نظام إمداد أكثر مرونة وتكاملاً.
الطفرة الخضراء والتحول الهيكليأشارت الوكالة إلى أن بكين تمتلك الآن أكبر نظام للطاقة المتجددة وأسرعه نمواً في العالم، حيث بلغت القدرة المركبة للطاقة المتجددة بنهاية مارس (آذار) الماضي 2.395 مليار كيلووات، بزيادة 22% عن العام السابق، وهو ما يمثل 60.4% من إجمالي قدرة توليد الكهرباء المركبة.
وتشير شينخوا إلى أن الخطة الخمسية القادمة تدعو إلى تسريع بناء نظام طاقة جديد نظيف ومنخفض الكربون، مع خطة لمضاعفة إنتاج الطاقة غير الأحفورية خلال عقد من الزمن، ويتوقع الخبراء أنه بحلول عام 2030، سيتجاوز توليد الكهرباء من الوقود غير الأحفوري نسبة 50%، لتصبح الطاقة الجديدة المحرك الرئيسي لزيادة إمدادات الكهرباء.
#روسيا تحظر تصدير وقود الطائرات حتى نهاية نوفمبر https://t.co/Q5M0k5sNJQ pic.twitter.com/g6o7Ks4hqt
— 24.ae (@20fourMedia) June 1, 2026 الطاقة كأساس لقوى الإنتاج الجديدةأفادت "شينخوا" بأن استقرار إمدادات الطاقة يظل شرطاً أساسياً لنمو الصناعات الناشئة وقوى الإنتاج النوعية الجديدة، خاصة مع التطور السريع لصناعة الذكاء الاصطناعي وزيادة الطلب على الكهرباء للحوسبة، وتدعو الخطة الجديدة إلى تنسيق نشر الكهرباء الخضراء مع قدرات الحوسبة، كما هو الحال في مقاطعتي تشينغهاي وغويتشو، حيث يتم ربط مراكز البيانات بمحطات الطاقة النظيفة.
وخلصت الوكالة إلى أن الهيدروجين الأخضر يمثل محركاً رئيسياً للنمو في الصناعات الجديدة، مشيرة إلى نجاح الصين في تصدير أول شحنة تجارية من الأمونيا الخضراء إلى كوريا، وأكد الخبراء أن التحول من "دولة طاقة كبيرة" إلى "قوة طاقة عالمية" يعتمد على القدرة النظامية في تخصيص الموارد بكفاءة والتشغيل الذكي للطاقة لكسب اليد العليا في ثورة الطاقة العالمية.