المفتي: استدعاء المنهج الأشعري فريضة علمية لمواجهة التكفير
تاريخ النشر: 27th, January 2026 GMT
أكد الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن انعقاد المنتدى العلمي الأول لمركز الإمام الأشعري يمثل لحظة علمية بالغة الأهمية تستدعي استحضار العقل، وتحرير المفاهيم، وتحديد أدوات الحوار، في عالم تتنازعه الأفكار وتتنافس فيه الخطابات، ويشتد فيه الاحتياج إلى صوت علمي رصين يعيد للاختلاف أخلاقه، وللعقيدة اتزانها، وللوحدة معناها.
جاء ذلك خلال كلمته في المنتدى العلمي الأول لمركز الإمام الأشعري، المنعقد تحت عنوان: "الإمام الأشعري ومقارباته الفكرية للفرق الإسلامية: من الخلاف العقدي إلى أفق الحوار وإرساء الوسطية"، تحت رعاية فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، وبحضور عدد من علماء الأزهر الشريف، ونخبة من المتخصصين والباحثين من مصر وخارجها.
واستهلَّ مفتي الجمهورية كلمته بالتأكيد على أن هذا اللقاء العلمي، المنعقد على أرض مصر وفي رحاب الأزهر الشريف، المعهد المعمور والصرح الذي كان ولا يزال ضمير الأمة الحي ومنارة علمها، يُعد مشهدًا يبعث على الاعتزاز، لما يحمله من دلالات علمية وحضارية، تعكس دور الأزهر التاريخي في حمل رسالة الإسلام الوسطية، موضحًا أن الاجتماع حول الإمام أبي الحسن الأشعري لا يهدف إلى استدعاء شخص من الماضي أو الاكتفاء بقراءة تاريخية، وإنما هو استدعاء لمنهج علمي متكامل واستحضار لعقل علمي رصين، استطاع أن يحوِّل الخلاف من معول هدم إلى أداة بناء، ومن ساحة صراع إلى أفق حوار، ومن منطق التكفير إلى رحابة وسطية جامعة، فالخلاف حين يدار بالعقل والمنهج يتحول إلى طاقة بناء لا إلى أداة هدم، والتاريخ الفكري الإسلامي يشهد منذ بواكيره الأولى ظهور الفرق ونموها، لا بوصفها انقسامات عشوائية، وإنما باعتبارها ثمرة لتفاعل حي مع تساؤلات فكرية وعقدية عميقة، شغلت أذهان العلماء وطلاب الحقيقة في سياقات علمية محددة ومعروفة.
وتناول إحدى اللحظات المفصلية في التاريخ الفكري الإسلامي، وهي ما جرى في مجلس الإمام الحسن البصري حين أثير سؤال عقدي كان له أثر بالغ في تشكل مسار فكري كامل انتهى إلى ظهور فرقة المعتزلة، مبينًا أن المقصود من هذا الاستحضار ليس تتبع نشأة الفرق من حيث التاريخ والتوصيف، وإنما الوقوف عند القضية الأعمق أثرًا، وهي كيفية التفاعل مع الأسئلة العقدية حين تطرح في فضاء العلم، وما يترتب على ذلك من خلاف علمي وفكري بين كبار العلماء وأرباب الاتجاهات المختلفة. وأن هذا المسار الفكري قد تطور وتعقد عبر الزمن حتى بلغ ذروته في التحول المنهجي الكبير الذي مثله رجوع الإمام أبي الحسن الأشعري عن الاعتزال، إثر سؤاله الشهير لشيخه الجبائي في مسألة الإخوة الثلاثة، موضحًا أن هذا السؤال لم يكن مجرد مناظرة عابرة، بل لحظة كشف علمي كشفت حدود المنهج الاعتزالي، وأرست الأساس العلمي لميلاد مشروع عقدي وكلامي أكثر اتزانًا وشمولًا. ثم إن هذا الحراك الفكري لم يتوقف عند حدود ذلك العصر، بل ظل عبر القرون يتجدد بتجدد الأسئلة، ويتخذ صورًا مختلفة بتغير السياقات، حتى وصل إلينا اليوم في هيئة مفاهيم ومصطلحات معاصرة أثارت ولا تزال جدلًا واسعًا؛ الأمر الذي يجعل استدعاء المنهج الأشعري اليوم فريضة إسلامية وضرورة علمية وحضارية، وليس ترفًا فكريًّا أو حنينًا إلى الماضي.
وحذَّر مفتي الجمهورية من أن انحراف الخلاف الفكري عن مناهج العلم وضوابط الفهم وقواعد الاستدلال كان مدخلًا خطيرًا لواحدة من أخطر القضايا التي ابتُليت بها الأمة، وهي قضية التكفير بين طوائف المسلمين، وما تفرع عنها من فوضى في الفتوى، أدت إلى استباحة الدماء والأعراض، وتقويض مقاصد الشريعة الإسلامية، وتمزيق نسيج الأمة العربية والإسلامية، وتسهيل تكالب الأعداء عليها. وذلك أنَّ السؤال العقدي حين ينزع من سياقه العلمي، ويفصل عن أخلاقيات الجدل وضوابط الاختلاف، يتحول إلى أداة إقصاء وصراع، وتصبح بعض الفتاوى المنفلتة غطاءً دينيًّا لممارسات عنيفة امتدت آثارها المدمرة إلى المجتمعات الإسلامية، بل إلى المجتمعات الإنسانية في شتى بقاع العالم، وأسهمت في زعزعة الأمن وتحويل حياة الأبرياء إلى معاناة إنسانية قاسية.
وأشار مفتي الجمهورية إلى خطورة هذه الظاهرة التي لم تتوقف عند حدود الداخل الإسلامي، بل أسهمت في توفير مادة خصبة للخطاب الإعلامي الغربي المشوه الذي قدم الإسلام على غير حقيقته، بوصفه دينًا يؤسس للعنف ويشرعن إراقة الدماء؛ ما أدى إلى تفشي ظاهرة الإسلاموفوبيا، في تصوير زائف يتناقض جوهريًّا مع مقاصد الإسلام الكبرى القائمة على الرحمة، وحفظ النفس، وصيانة الكرامة الإنسانية، مؤكدًا أن مصر، بما لها من مكانة تاريخية وحضارية راسخة، وبما يمثله الأزهر الشريف من مرجعية علمية عالمية، تتحمل عبئًا علميًّا وأخلاقيًّا كبيرًا في مواجهة هذه الأفكار المنحرفة، والعمل على إعادة الاعتبار لمنهج الوسطية والاعتدال، وترسيخ خطاب ديني رشيد يعيد للخلاف معناه العلمي، ويغلق أبواب التكفير، ويحفظ وَحدة الأمة وأمنها ورسالتها الحضارية.
وتوقف مفتي الجمهورية عند المنهج الأشعري كما تجسد في كتاب "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين"، معتبرًا إياه ثورة منهجية حقيقية في دراسة الفرق والمذاهب، حيث اختار الإمام الأشعري منهج التوثيق قبل النقد، والفهم قبل الحكم، والإنصاف قبل الإدانة، في وقت سادت فيه عناوين الإقصاء والتشهير، موضحًا أن عبقرية الإمام الأشعري تتجلى منذ اختياره عنوان الكتاب، الذي يقرر من البداية أصلًا جامعًا هو التسليم بإسلام كل من توجه إلى القبلة، مهما تباينت اجتهاداته أو اختلفت تأويلاته، مؤكدًا أن الخلاف في فروع المسائل العقدية لا يخرج عن دائرة الإسلام الجامعة.
ولفت مفتي الجمهورية إلى أن الهاجس الأكبر الذي حكم المشروع الأشعري كان هاجس وحدة الأمة، حيث عمل الإمام على تحرير محل النزاع، وتفكيك المصطلحات، ورد الأقوال إلى أصولها، حتى يتبيَّن أن ما يجمع المسلمين أعظم وأرسخ مما يفرقهم، موضحًا أن قاعدة "عدم تكفير أهل القبلة" تمثل جوهر المشروع الأشعري وذروة عطائه الفكري، وأنها لم تكن تقريرًا نظريًّا مجردًا، بل خلاصة تجربة علمية طويلة، جسدها الإمام الأشعري في موقفه الأخير قبيل وفاته حين أعلن أنه لا يكفر أحدًا من أهل القبلة، لأن الجميع يشيرون إلى معبود واحد، وإنما الاختلاف في العبارات، مشددًا على أن هذه القاعدة تمثل اليوم الأساس الذي تنطلق منه المؤسسات الدينية المصرية في مواجهة جماعات التكفير والعنف، وأن التكفير حكم شرعي منضبط، لا يجوز أن يكون بيد آحاد الناس، ولا يخرج المسلم من دائرة الإسلام إلا بجحود ما أدخله فيها، وبذلك تصان الدماء، وتُحفظ الأعراض، وتعزز وحدة الأمة.
وفي ختام كلمته، أوضح مفتي الجمهورية أن تأسيس مركز الإمام الأشعري يهدف إلى بعث روح علمية جديدة مستلهمة من هذا التراث العريق، تقوم على إحياء أخلاقيات الجدل، واحترام المخالف، وتجديد علم الكلام بما يواكب تحديات العصر، معربًا عن خالص شكره وتقديره لفضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، على رعايته الكريمة للمنتدى، كما ثمَّن الدور العلمي الكبير لفضيلة الأستاذ الدكتور حسن الشافعي، داعيًا الله أن يحفظ الأزهر الشريف منارة للعلم والاعتدال، وأن يحفظ مصر والأمة من كل سوء.
لمعرفة حالة الطقس الآن اضغط هنا
لمعرفة أسعار العملات لحظة بلحظة اضغط هنا
استدعاء المنهج الأشعري الدكتور نظير محمد عياد مفتي الجمهورية المنتدى العلمي الأول لمركز الإمام الأشعري مواجهة التكفير أخبار ذات صلةفيديو قد يعجبك
أحدث الموضوعات
إعلان
أخبار
المزيدإعلان
المفتي: استدعاء المنهج الأشعري فريضة علمية لمواجهة التكفير
روابط سريعة
أخبار اقتصاد رياضة لايف ستايل أخبار البنوك فنون سيارات إسلامياتعن مصراوي
من نحن اتصل بنا احجز اعلانك سياسة الخصوصيةمواقعنا الأخرى
©جميع الحقوق محفوظة لدى شركة جيميناي ميديا
القاهرة - مصر
20 12 الرطوبة: 15% الرياح: جنوب غرب المزيد أخبار أخبار الرئيسية أخبار مصر أخبار العرب والعالم حوادث المحافظات أخبار التعليم مقالات فيديوهات إخبارية أخبار BBC وظائف اقتصاد أسعار الذهب رياضة رياضة الرئيسية مواعيد ونتائج المباريات رياضة محلية كرة نسائية مصراوي ستوري رياضة عربية وعالمية فانتازي لايف ستايل لايف ستايل الرئيسية علاقات الموضة و الجمال مطبخ مصراوي نصائح طبية الحمل والأمومة الرجل سفر وسياحة أخبار البنوك فنون وثقافة فنون الرئيسية فيديوهات فنية موسيقى مسرح وتليفزيون سينما زووم أجنبي حكايات الناس ملفات Cross Media مؤشر مصراوي منوعات عقارات فيديوهات صور وفيديوهات الرئيسية مصراوي TV صور وألبومات فيديوهات إخبارية صور وفيديوهات سيارات صور وفيديوهات فنية صور وفيديوهات رياضية صور وفيديوهات منوعات صور وفيديوهات إسلامية صور وفيديوهات وصفات سيارات سيارات رئيسية أخبار السيارات ألبوم صور فيديوهات سيارات سباقات نصائح علوم وتكنولوجيا تبرعات إسلاميات إسلاميات رئيسية ليطمئن قلبك فتاوى مقالات السيرة النبوية القرآن الكريم أخرى قصص وعبر فيديوهات إسلامية مواقيت الصلاة أرشيف مصراوي من نحن إتصل بنا إحجز إعلانك سياسة الخصوصية
المصدر
المصدر: مصراوي
كلمات دلالية: معرض القاهرة الدولي للكتاب مسلسلات رمضان 2026 رئيس فنزويلا الطقس دولة التلاوة كأس الأمم الأفريقية خفض الفائدة صفقة غزة رمضان 2026 دراما رمضان 2026 الدكتور نظير محمد عياد مفتي الجمهورية المنتدى العلمي الأول لمركز الإمام الأشعري مواجهة التكفير مؤشر مصراوي المنتدى العلمی الأول لمرکز الإمام الأشعری قراءة المزید أخبار مصر مفتی الجمهوریة الأزهر الشریف صور وفیدیوهات موضح ا أن علمی ا
إقرأ أيضاً:
نائب: التعليم والبحث العلمي في صدارة أولويات الدولة المصرية
أكد النائب إيهاب إمام، عضو مجلس النواب، أن توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن تطوير منظومة التعليم العالي والبحث العلمي وتحويل مصر إلى مركز إقليمي ودولي للتميز الأكاديمي والبحثي، تعكس رؤية استراتيجية شاملة تستهدف بناء الإنسان المصري باعتباره الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز مكانة الدولة المصرية في مختلف المجالات.
وأوضح إمام أن القيادة السياسية تولي اهتمامًا غير مسبوق بقطاعي التعليم والبحث العلمي، إدراكًا لأهميتهما في صناعة المستقبل ودعم الاقتصاد الوطني القائم على المعرفة والابتكار، مشيرًا إلى أن السنوات الأخيرة شهدت طفرة كبيرة في تطوير منظومة التعليم العالي من خلال التوسع في إنشاء الجامعات الأهلية والتكنولوجية والدولية، إلى جانب تحديث البنية التحتية للمؤسسات التعليمية والبحثية ورفع كفاءتها بما يتماشى مع المعايير العالمية.
وأضاف أن الدولة نجحت في تعزيز الشراكات والتعاون مع كبرى الجامعات والمؤسسات الأكاديمية الدولية، وهو ما يسهم في نقل الخبرات والتكنولوجيا الحديثة، ويدعم جهود إعداد كوادر بشرية مؤهلة تمتلك المهارات والمعارف اللازمة لمواكبة متطلبات سوق العمل المتغير، وقادرة على المنافسة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
وأشار عضو مجلس النواب إلى أن الاستثمار في التعليم والبحث العلمي يعد من أهم الاستثمارات الاستراتيجية التي تضمن استدامة التنمية وتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي، لافتًا إلى أن التجارب الدولية أثبتت أن الدول التي حققت نهضات حقيقية كانت تعتمد في المقام الأول على تطوير منظومات التعليم وتشجيع الابتكار والبحث العلمي وربط مخرجاته بخطط التنمية الشاملة.
وأكد إمام أن توجيهات الرئيس السيسي تمثل رسالة واضحة تؤكد أن الجمهورية الجديدة تُبنى على أسس العلم والمعرفة والتكنولوجيا الحديثة، وأن الدولة تسعى إلى توفير بيئة تعليمية وبحثية متطورة تتيح للطلاب والباحثين فرص الإبداع والابتكار، بما يسهم في إنتاج المعرفة وتحويلها إلى مشروعات تنموية تخدم المجتمع وتدعم الاقتصاد الوطني.
واختتم النائب إيهاب إمام تصريحاته بالتأكيدأن دعم منظومة التعليم والبحث العلمي هو استثمار حقيقي في مستقبل الأجيال القادمة، وخطوة محورية نحو بناء دولة عصرية قادرة على مواجهة التحديات وصناعة الفرص، وتعزيز مكانة مصر بين الدول الرائدة في مجالات الابتكار والبحث العلمي والتنمية المستدامة، بما يتوافق مع أهداف رؤية مصر 2030 وطموحات الجمهورية الجديدة.