صحيفة التغيير السودانية:
2026-06-03@02:37:46 GMT

الأزمة في غياب الدولة لا التشريع

تاريخ النشر: 27th, January 2026 GMT

الأزمة في غياب الدولة لا التشريع

أحمد عثمان جبريل

واقع السودان اليوم يقول إن هذا البلد المختطف، لا يعاني مطلقا من أزمة تشريع، ولا من فقر في المجالس أو نقص في النصوص، بل يغرق في غياب الدولة ذاتها.. الدولة لا بوصفها لافتة أو هيكلًا، بل كسلطة شرعية، ومعنى جامع، وضمير عام.. فما يجري اليوم من حديث محموم لسلطة كيزانية من وراء ستار عن مجلس تشريعي، ليس سوى محاولة بائسة لتبديل السؤال، من سؤال الدولة إلى سؤال الشكل، ومن سؤال الحرب إلى سؤال الإجراءات.

. هكذا تُدار الخديعة السياسية الكبرى( تحويل الكارثة إلى تفصيلة إدارية).. يا لهذه المأساة !!

حين تغيب الدولة، تتحول القوانين إلى أوراق بلا روح

محمد عابد الجابري

(1)

السلطة التي تفشل في إنتاج السلام، لا يحق لها الادعاء بإنتاج تشريع.. ذلك لأن التشريع فعل سيادي لا يُمارس فوق الركام، ولا يُولد في حضن البنادق.. فالمجلس الذي يُخطط له اليوم لا يأتي ليملأ فراغًا دستوريًا، بل ليغطي فراغًا أخلاقيًا، ويمنح سلطة مأزومة وهم الاستمرار تحت غطاء مؤسسي زائف.

(2)

البرهان لا يبحث عن دولة، بل عن مهلة.. مهلة أمام الخارج المتململ، وأمام الداخل المنهك، وأمام تاريخ يقترب بخطى ثقيلة.. لذلك يُستدعى المجلس التشريعي كحل لغوي، لا سياسي بل مسكن موقت لفوضى الدولة؛ كجملة إنشائية تُلقى في وجه المأساة، لعلها تُخفف حدّتها أو تُربك مساءلتها.

(3)

الدولة لا تبدأ من البرلمان، بل من احتكار السلاح، ومن حماية المدنيين، ومن كسر منطق المليشيا، أيًا كان اسمها أو غطاءها.. وحين تعجز السلطة عن فرض سيادتها على الأرض، يصبح الحديث عن سلطة تشريعية أقرب إلى العبث: تشريع بلا سيادة، وقانون بلا قوة تنفيذ، ومؤسسة بلا دولة.

(4)

الأكثر فجاجة أن يُطرح هذا المشروع فيما الحرب تفتك بالمدن، وتُباد القرى، ويُهجّر الملايين.. أي تشريع هذا الذي يولد بينما المواطن نفسه خارج الحماية؟ وأي تمثيل يمكن ادعاؤه في بلد مُصادر الإرادة، مُغلقة ساحاته، ومكمومة أفواه ناسه؟ وهم في شتات النزوح ومعاناة ومأساته.

(5)

إن اختزال الأزمة في غياب مجلس تشريعي هو محاولة رخيصة لاستغفال للعقول وإنكار متعمّد لجذر الخراب.. فالخلل ليس في عدد المؤسسات، بل في طبيعة السلطة التي تستخدمها كزينة سياسية.. فكل مجلس لا ينبثق من إرادة حرة، ولا يُحاسب سلطة السلاح، سيكون شريكًا في الزيف، لا رقيبًا عليه.

(6)

التجارب السودانية (الانقاذية) السابقة خير دليل وشاهدة .. فالمجالس التي تُصنع في مطابخ السلطة لا تعمّر، لأنها لا تستند إلى شرعية شعبية، بل إلى توازنات خوف ومصالح.. لذلك أستطيع از اقول:” ما يُراد له اليوم أن يكون خطوة إلى الأمام، ليس سوى إعادة إنتاج للفشل ذاته، لكن بثمن إنساني أعلى”.

(7)

ما لا يعرفة زمرة البرهان من الكيزان ان الدولة لا تُستدعى عند الحاجة، ولا تُستخدم كأداة تفاوض.. الدولة التزام دائم، لا تكتيك مؤقت. ومن لا يملك شجاعة مواجهة الحرب، لا يملك حق الحديث عن التشريع.. فالقوانين تُكتب في أزمنة السلم، أما في زمن الانهيار، فأولوية الدولة هي إنقاذ الإنسان أولًا.

ما أود قوله هنا:” أن الأزمة في السودان ليست أزمة تشريع، بل أزمة دولة غائبة، وسلطة حاضرة بالقوة لا بالمعنى.. وكل محاولة لتجميل هذا الغياب بمساحيق المؤسسات لن تُنتج إلا مزيدًا من الخداع والتأجيل.. الطريق الوحيد إلى الدولة يمر عبر وقف الحرب، واستعادة السياسة من قبضة السلاح، وبناء شرعية من تحت، لا ترقيعها من فوق. ما عدا ذلك، ليس حلًا، بل هروب مؤقت من مواجهة الحقيقة.. إنا لله ياخ.. الله غالب.

الوسومأحمد عثمان جبريل

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: الدولة لا

إقرأ أيضاً:

محاكمة في الظلام.. النهضة تهاجم أحكام المؤبد وتتهم السلطة بتصفية سياسية

اعتبرت حركة النهضة أن الأحكام الصادرة في ما يُعرف بـ "قضية الجهاز السري" تمثل "أحكامًا صادمة" و"انحرافًا خطيرًا وغير مسبوق في مسار العدالة بتونس"، وذلك عقب صدور أحكام بالسجن وصلت إلى المؤبد في حق عدد من قياداتها، من بينهم رئيس الحركة راشد الغنوشي، في قضية وُصفت بأنها "مزعومة" وذات خلفيات سياسية أكثر منها قضائية، وفق بيان صادر عن مكتب الإعلام والاتصال بالحركة.

وقالت الحركة إن القضية "سياسية المنشأ منذ بدايتها"، معتبرة أنها انطلقت بناءً على شكاية صادرة عن أطراف حزبية وليس عن جهات أمنية أو قضائية، ما يعكس ـ بحسبها ـ أن "مصطلح الأمن الموازي استُخدم في سياق الصراع السياسي والتوظيف الانتخابي والتشويه"، على حد تعبيرها.

وأضاف البيان أن الملف سبق أن فصل فيه القضاء التونسي عام 2013، حين تمت محاكمة المتهم الرئيسي مصطفى خذر وقضى عقوبة سجنية كاملة، مع ما اعتبرته الحركة آنذاك "انتفاء أي علاقة بين القضية وحركة النهضة وقياداتها"، متسائلة عن أسباب إعادة فتح الملف بعد سنوات، "سوى توظيفه في سياق سياسي جديد"، وفق نص البيان.

واتهمت الحركة مسار القضية بأنه أعيد تفعيله بعد سنة 2021، في إشارة إلى ما وصفته بـ "الانقلاب على المسار الديمقراطي"، معتبرة أن ذلك ترافق مع "الهيمنة على القضاء وإعادة توجيه الملف بهدف إقصاء خصم سياسي"، على حد قولها.

وانتقدت النهضة ما اعتبرته "محاكمة في الظلام"، مشيرة إلى أن هيئة الدفاع طالبت بجلسات علنية بحضور وسائل الإعلام، غير أن المحكمة قررت عقد جلسات مغلقة، وهو ما قالت إنه "يفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة ويثير تساؤلات حول طبيعة ما تم إخفاؤه"، وفق تعبير البيان.

كما حملت الحركة وزارة العدل مسؤولية ما اعتبرته "تسييسًا مبكرًا للملف" من خلال إدراج اسم راشد الغنوشي ضمن قائمة المتهمين، معتبرة أن ذلك "يكشف الطابع السياسي للقضية ومنطق التصفية المعتمد ضد الخصوم"، بحسب نصها.

وفي ما يتعلق بالمعطيات الاتهامية، قالت الحركة إن الملف اعتمد على "شهادات منعدمة المصداقية" صادرة عن موقوفين في قضايا أخرى، بينهم من وصفتهم بعناصر تنظيم "أنصار الشريعة"، معتبرة أن تلك الإفادات "تفتقر إلى الموثوقية وتُبنى على دوافع انتفاعية"، وفق البيان.

وأكدت النهضة أن هيئة الدفاع قدمت "وثائق رسمية تنفي وجود ما يسمى بالغرفة السوداء"، مشيرة إلى أن المعطيات المتوفرة تثبت تسليم كل المحجوزات إلى وزارة الداخلية منذ سنة 2013، وهو ما قالت إن المحكمة "تجاهلته رغم ثبوته"، على حد تعبيرها.

واختتمت الحركة بيانها بإدانة الأحكام الصادرة واعتبارها "مساسًا خطيرًا بالعدالة"، مطالبة بوقف ما وصفته بـ "المحاكمات الجائرة" والإفراج عن "المساجين السياسيين"، داعية في الوقت ذاته إلى تركيز الجهود على معالجة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد بدل "ملاحقة الخصوم السياسيين"، وفق نص البيان.

وأصدرت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس، مساء اليوم الثلاثاء، أحكامها في ما يُعرف إعلاميًا بـ "قضية الجهاز السري لحركة النهضة"، في ملف واسع شمل 35 متهمًا، وتراوحت العقوبات فيه بين السجن لعشر سنوات والسجن مدى الحياة، إضافة إلى أحكام تراكمية بعشرات السنوات.

وبحسب معطيات نقلها مصدر قضائي لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، فقد قضت المحكمة بثبوت إدانة المتهمين في قضايا تتعلق بـتكوين وفاق إرهابي، والانضمام عمدًا إلى تنظيمات ذات صبغة إرهابية داخل التراب التونسي، إلى جانب "وضع كفاءات وخبرات على ذمة وفاقات وأشخاص مرتبطين بجرائم إرهابية"، وفق ما ورد في نص الاتهامات.

وشملت التهم أيضًا جرائم إرهابية أخرى منصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب التونسي.

أحكام مشددة تشمل قيادات سياسية وأمنية سابقة

وتصدّر قائمة الأحكام الصادرة الحكم بالسجن مدى الحياة مع 96 سنة إضافية في حق مصطفى خذر، إلى جانب أحكام مشابهة تراوحت بين السجن المؤبد مع عشرات السنوات الإضافية لعدد من المتهمين.

كما شملت الأحكام: السجن مدى الحياة مع 76 سنة لكل من رضا الباروني والطاهر بوبحري وكمال العيفي، إضافة إلى سبعة متهمين آخرين، السجن مدى الحياة مع 50 سنة في حق فتحي البلدي، السجن مدى الحياة مع 37 سنة لعبد العزيز الدغسني، السجن مدى الحياة مع 32 سنة لكمال البدوي، السجن مدى الحياة مع 30 سنة لكل من سمير الحناشي وراشد الغنوشي، السجن 48 سنة لقيس بكار، و46 سنة لبلحسن النقاش، و42 سنة لـعلي العريض، أحكام تتراوح بين 34 و10 سنوات لبقية المتهمين، إضافة إلى عقوبات متفاوتة شملت فترات 18 و12 و10 سنوات لعدد من المدانين

كما قررت المحكمة إخضاع جميع المحكوم عليهم للمراقبة الإدارية لمدة خمس سنوات.




خلفية القضية: من اغتيالات 2013 إلى فتح الملف القضائي

يعود أصل هذا الملف إلى مطلع سنة 2022، حين تقدمت النيابة العمومية وشكوى صادرة عن فريق الدفاع عن السياسيين الراحلين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، اللذين اغتيلا في فيفري وجويلية من عام 2013 على التوالي.

وقد اتهم فريق الدفاع حينها ما يُعرف بـ“الجهاز السري لحركة النهضة” بالضلوع في الاغتيالين، إضافة إلى اتهامات أخرى تتعلق بالتجسس واختراق مؤسسات الدولة.

وكانت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بأريانة قد تعهدت بالملف في بدايته، قبل أن تقرر في سبتمبر/أيلول 2023 التخلي عنه لفائدة القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، الذي تولى لاحقًا استكمال التحقيقات وإحالة الملف على الدائرة الجنائية المختصة.

يأتي هذا الحكم في سياق سياسي وقضائي حساس في تونس، حيث تتقاطع الملفات المرتبطة بالإرهاب مع سياقات سياسية متشابكة تعود إلى ما بعد 2011، وتحديدًا مرحلة ما بعد اغتيالات 2013 التي هزّت المشهد السياسي التونسي وأعادت فتح ملفات تتعلق بالأمن والاستخبارات والتنظيمات السرية.

وبصدور هذه الأحكام الثقيلة، يُتوقع أن يفتح الملف مجددًا جدلًا سياسيًا وقانونيًا واسعًا في البلاد، سواء من حيث التكييف القضائي للاتهامات أو من حيث تداعياتها على المشهد الحزبي والسياسي في تونس.


مقالات مشابهة

  • أكبر ثروات العراق فيها.. تقرير عن ثنائية السلطة في البصرة
  • واشنطن : الصين التزمت الحذر .. وإمداداتها لإيران لم تغير مسار الحرب
  • محاكمة في الظلام.. النهضة تهاجم أحكام المؤبد وتتهم السلطة بتصفية سياسية
  • التيار: نأسف لأنّ السلطة اللبنانية لم تنجح حتى اليوم في صياغة استراتيجية وطنية شاملة للأمن والدفاع
  • الكتائب يدعم مفاوضات واشنطن ويطالب بإنهاء حالة الحرب في لبنان
  • مشيخة الأزهر بين السلطة والمعارضة
  • بيسكوف يطرح طريقة لإنهاء العملية العسكرية الروسية بحلول نهاية اليوم
  • فيدان: تركيا ترغب في التعاون مع اليابان بالطائرات المسيرة
  • العدالة قبل الأرباح.. كتاب جديد يعيد التفكير في معنى النجاح الاقتصادي
  • الفلاح: القيادة العامة الضامن لأمن المواطن وحماية الوطن